التراجيديا السورية في المجهول

بقلم: الباحث خالد غزال

عشية الذكرى الثالثة للانتفاضة السورية، يثبت أكثر فأكثر ان سورية دخلت في المجهول الناجم عن العنف المنفلت من عقاله على كل الجبهات، ومن استحالة khaled-ghazalالوصول الى حل سياسي أتى فشل مؤتمر جنيف ليعلنه صراحة، كل ذلك وسط تلاعب دولي وإقليمي بمصير هذا البلد وعجز اي طرف عن حسم المعركة. ليس مبالغة القول ان الحرب الأهلية السورية اليوم تشبه الحرب الأهلية اللبنانية من حيث انها حرب أهلية داخلية مئة في المئة وحرب أهلية خارجية مئة في المئة أيضاً.

 يتمظهر المجهول السوري أولاً في الصراع العسكري المندلع في جميع المناطق، والذي يتلقى فيه أبناء سورية أبشع أنواع القهر من قبل النظام عبر استخدام ترسانته العسكرية التي دفع الشعب السوري ثمنها للدفاع عن بلده ضد العدو الصهيوني. رغم كل هذا العنف، لم يستطع النظام الحسم عسكرياً، ولا يبدو انه قادر على ذلك. في المقابل، تراوح القوى العسكرية للمعارضة ضمن حدود كر وفر بين استيلاء على مواقع او خسارة مناطق، ولا تبدو هي الأخرى قادرة على الحسم العسكري.

 ويتجلى المجهول في كون الأزمة السورية تحولت ساحة صراع اقليمي ودولي وميدان تصفية حسابات سياسية، وإدارة حروب بديلة تماماً كما عرفته الحرب الأهلية اللبنانية. في الحلف الموالي والداعم للنظام، تبدو روسيا في موقف ينم عن اعتبار الساحة السورية ميدان استعادة نفوذ يتجاوز منطقة الشرق الأوسط، نحو استعادة دور دولي كبير. لا يبدو ان تغييراً سيطاول هذا الدور لجهة الوصول الى حل سياسي. اما إيران، فترى في الأزمة السورية «الدجاجة التي تبيض ذهباً» لجهة استخدام هذه الساحة في معركتها النووية مع الغرب، وفي تثبيت مشروعها المذهبي الطائفي في مد النفوذ الفارسي والشيعي الى أوسع مدى في المنطقة العربية. تستخدم إيران أدواتها العسكرية، وتزج في ساحة المعركة قوى مذهبية عبر إدخال مقاتلي «حزب الله» اللبناني وقوى شيعية عراقية في المعركة، وهي عناصر تزيد من احتدام الصراع المذهبي الى أبعد مدى.souria

 في المقابل، بالنسبة إلى القوى التي تدعي دعم الانتفاضة والمعارضة، وخصوصاً منها الولايات المتحدة الأميركية، لا تزال تعطي الانتفاضة والمعارضة دعماً كلامياً كبيراً وفعلاً ضئيلاً في هذا الدعم. لم تخرج اميركا وبعض الدول الأوروبية من اعتبار الحرب الأهلية السورية فرصة ثمينة لاستنزاف أطراف اقليمية محددة. لا تزال النقاشات الأميركية على مستوى القيادات السياسية والعسكرية ترفض تقديم مساعدات عسكرية للمعارضة، وترى ان هذه الحرب أفضل وسيلة لاستنزاف النظام الإيراني، وميداناً لتقاتل التيارات الإرهابية وإبادة بعضها بعضاً، خصوصاً ان الولايات المتحدة سهلت دخول هذه المجموعات سواء عبر تركيا او الأردن، كما سهلت مجيء القوى الشيعية من لبنان والعراق، ضمن نظرية ان اقتتالها سينهكها جميعاً على المستويات العسكرية والشعبية، وهو ما يعني وجود مصلحة حقيقية في اطالة امد هذه الحرب.

 ويزيد من المجهول السوري تحول الحرب الأهلية الى ساحة جذب للإرهاب المحلي والعالمي، عبر دخول قوى تنتمي الى مجموعات إسلامية متطرفة من قبيل «القاعدة» و «جبهة النصرة» وغيرها، واستيلائها على أراضي سورية وسعيها لبناء دولتها عليها وفرض منظومتها الأيديولوجية والسياسية. لا شك في ان الجاذب الأول للتنظيمات الإرهابية هو النظام السوري، فلم يعد سراً ان مجموعات ما يعرف بـ «داعش» قد نظمها النظام وسهل لها الاستيلاء على الأراضي، ووضعها في مواجهة قوى المعارضة. كما يظهر يوماً بعد يوم الدور الإيراني والعراقي في تدريب هذه القوى وإرسالها الى سورية. لا ينفي ذلك وجود تيارات إسلامية متطرفة ترى في الحرب الأهلية السورية مجالاً رحباً لتطبيق فكرها ونشره، مما يجعل من الصعب تعيين موقع هذه التيارات التي تشكل أدوات سهلة يمكن لقوى النظام وغيرها توظيفها في الوجهة التي تريد. لا شك في ان توسع نفوذ هذه التيارات قد أثر سلباً على الانتفاضة وعلى القوى المعارضة، بل شوّه كثيراً من الأهداف التي سعت الانتفاضة الى تحقيقها.souryia 1

 ويبقى محهول أكبر يتجلى في المأساة الإنسانية الناجمة عن حجم القتلى الذين زادوا عن مئة واربعين الفاً، وعن عدد الجرحى والمعوقين الذي وصلوا الى حدود المليون مواطن، وحجم المهجرين خارج الاراضي السورية او داخلها والذين فاقوا الثمانية ملايين نسمة. يضاف الى ذلك ما يعانيه هؤلاء وغيرهم من أبناء الشعب السوري من مجاعات وقلة المساعدات الإنسانية، في وقت يضرب النظام السوري حصاراً يمنع بموجبه إدخال المساعدات الإنسانية. وما يجعل هذه المأساة مجهولة المصير هو ارتباطها بوقف الحرب والوصول الى حل سياسي، ناهيك عن مشكلة العودة مستقبلاً الى بلد مدمر وغير قادر على إيواء أعداد كبيرة من العائدين.

 عندما بدأت الانتفاضة السورية، توهمت قوى كثيرة، محلية واقليمية ودولية، بسقوط النظام بعد فترة غير بعيدة على غرار ما حصل في سائر الانتفاضات. لم يعد أحد اليوم يتوهم بالمدى الذي ستنتهي فيه هذه التراجيديا. تماماً كما جرى في لبنان، عندما بدأت الحرب الأهلية في جولات محدودة، فوجد اللبنانيون أنفسهم وسط حرب ساخنة امتدت خمسة عشر عاماً. فهل نحن أمام مشهد لبناني في سورية، وأمام مجهول لا قعر مرئياً له؟

كلام الصور

1- 2- مشاهد من الحرب في سوريا

اترك رد