كنت عائداً من البئر التي كانت تسقي العطاش، ولم أجد فيها قطرة ماء واحدة، ومكتوب على البئر “هنا مرّت أجيال تائهة ولم تعرف الطريق”.
وجدت باب منزلي مفتوحاً، فارتبكت، وسألت نفسي: أتكون العاصفة قد خلعته في غيابي، وعاثت في بيتي فساداً؟
سمعتُ أنيناً كأنّه يأتي من جوف الحوت، فمن أين هو، وليس أحد غيري يسكن هذا المنزل؟ فقد وضعت حدّاً بيني وبين البشر، كحدّ السكّين، بعدما وجدت أنْ لا أحد يشبهني، وحرّمت أن يزورني زائر متلبّساً بثياب الماكرين، أو حاملاً إليّ تعاليم الفريسيّين التي تدعو إلى كره الآخر، واجتنابه وقتله.
هكذا عشت متأخّراً عن الركب، منبوذاً، مكروهاً، مطارداً. ينظر إليّ الجيران والأقارب والأصدقاء شزراًـ ويقولون: هذا إنسان غير متعلّم مثلما تعلّمنا، ولا يتبع القيم التي نتبعها، وقد نشر كتاباً عنوانه “دين الله”، وهو ليس كتابنا… وإنّ ما يؤمن به غاية الجهل.
هكذا هجرني كلّ مَن أعرفه، وظلّ بيتي وحيداً، لا أهل لي.
كيف إذن أسمع أنيناً في بيت قفر وليس فيه إنسان؟
تقدّمت بحذر إلى الباب، ونظرت إلى الداخل. كانت الشمس تتسلّل بخفّة من نافذة زجاجيّة إلى الزاوية تماماً، حيث رجل منطرح على الأرض، لا يكاد يزحف. فصحت به:
من أنت؟
أجاب:
أنا أخوك من غير أمّ وأب، فسامحني يا أخي إن كنت أسأت إليك.
قلت: كيف أسأتَ وأنا لا أعرفك؟
قال: جئت لأسرق هذا المنزل، وأغراني أنّه خال، والمنازل التي حوله فارغة ينعق عليها البوم، فلا حارس ولا رقيب.
-هل سَرقتَ شيئاً من أموالي؟
-نعم سرقتُ عشرين ديناراً هي كلّ ما عندك في الخزانة… سأعيدها إليك، ولا تعاقبني بأيّ سوء.
-وماذا أصابك لتكون في هذه الحال؟
-لا أعرف. بينما كنت أستعدّ للمغادرة، أصابني دوار، فسقطت هنا، وأشعر أنّني لا أستطيع النهوض مرّة أخرى.
سارعت إلى المطبخ، فأتيت بخرقة مبلّلة، ومسحت وجه الرجل، ودهنته بالزيت، وسقيته ماء الزهر، فانتعش، وبعد دقيقة استطاع أن يقوم عن الأرض.
كان مطمئنّاً، ولم أر في ملامحه ما يدلّ على أنّه يختلف عن الخيّرين، ومَن ينشرون فضائلهم في الأمم.
مدّ يده إلى كيسه، وأخذ العشرين ديناراً ودفعها إليّ سائلاً:
أتسامحني؟
أجبته، وأنا أشير إليه بيدي:
في اعتقادي أنّ ما سرقتّه أيّها الصدّيق، هو حقّ لك، بيد أنّني أكون شاكراً لك لو قسمتَه بيني وبينك، فتأخذ عشرة دنانير وتعطيني عشرة، ولولا أنّني أحتاج إلى بعض النقود لكي أعتاش منها، لتركت لك ما سرقتَه… فهل يستقيم العدل هكذا؟
هزّ برأسه الكبير موافقاً، وارتسمت على محيّاه ابتسامة ماكرة، فعدّ النقود، أعطاني منها نصيبي. وما كاد يخرج من البيت، حتّى سمعته يقول:
إذا كان هذا هو القضاء بالحقّ، فلست أعجب أن يكون القضاة كلّهم أغبياء.
***
*مشروع الأديب الدكتور جميل الدويهي “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي
النهضة الاغترابيّة الثانية – تعدّد الأنواع (القصّة القصيرة – الفكر)