جميل الدويهي: لا أحد يوقف كتاباً

 

كلّ يوم نسمع حكاية جديدة، أبطالها أناس يحرّضون أصدقاء لهم أو صديقات، من أجل مقاطعة مناسبة أدبيّة. وقد كنتُ شخصيّاً طوال السنوات الماضية عرضة لمثل هذه الدسائس التي تخجلُني. وكنت أعرف أصحابها، وأرفض الحديث عنها أو عنهم، لأنّني أشعر باحتقار الإنسان. وأعجب كيف يوافق امرؤ أو امرأة على التبشير بهذا الإبداع في الإثم، والكرازة بالعمل الشرّير. فالمفروض أن يتصدّى الإنسان للشرّ، ويحاربه في المجتمع، فكيف إذا كان هو صاحب كلمة، والكلمة نور وهي البدء؟ كما أعجب كيف يصبح كثير من الأكاذيب حقيقة ومعتقداً عند جماعة، يشْبهُون أسطوانات تسجيل، فينقلون ما يُملى عليهم من غير تدقيق ولا إرادة.

يمكنني أن أمتنع عن حضور مناسبة، فلا أحد يجبرني على ما لا أحبّه، ولكنّني أشعر بالإذلال لنفسي، ولقيمتي، ومكانتي في المجتمع إذا اتّصلت بأهلي وأصدقائي ومَن يحبّوننني، وأمليت عليهم أن يمتنعوا هم أيضاً عن الحضور.

وأسأل نفسي أحياناً: لماذا تمتنع جماعات محدّدة، ومتقاربة من حضور أمسياتي، ومَن هو الذي حرّض تلك الجماعات؟ وكيف صدَف أنّهم كلّهم أو كلّهنّ يتّخذون موقفاً واحداً منّي، وأغلبهم لا أعرفهم؟ كما أسأل: ألا يخجل إنسان أكاديميّ أو مثقّف أو أديب من هذه الرسالة الهابطة، رسالة الكذب والتزوير، التي يحملها ويتباهى بها؟

 

شاعر مسكين، يصرف الليالي الطوال لكي ينجز كتاباً، هو عنده أجمل من أبنائه، يفتخر به، يرفعه إلى السماء. كتاب يسكب فيه دموعه وتعب لياليه، ويملأه ببحار من أفكاره… وهل تعلمون كم يكلّف الكتاب، والكتابان، والعشرة والعشرون والأربعون؟… فإذا بأحدهم، لا ينام الليالي غيظاً… يدور في الشوارع والحارات، يستنجد بصديق أو صديقة، ويزور البيوت، طالباً من الناس معاداة هذا الشاعر، وعدم التوجّه إلى أمسيته… وبعضهم للأسف، يقبلون المهمّة المقدسة، وكلّ ظنهم (ويا لخيبتهم!) أنّهم يستطيعون عرقلة القافلة التي تسير. لكنّ الله مع المؤمنين الصادقين، والإشاعات والأكاذيب لا تنطلي على جميع البشر، فلا خفيّ إلا وسيعلم، والذي في قلبه نور، لو اجتمع كلّ أرباب الظلام سيعجزون على إطفاء نوره. وكلّ يوم سيشرق هذا النور، وسيبقى أهل الظلام يتقلّبون في بؤسهم وحسدهم، وآلامهم لن تنتهي، طالما في السماء شمس تشرق.

لو جاءني إنسان وطلب منّي أن أقاطع مناسبة لعدوّي، لغضبتُ منه، وأصابني اشمئزاز من سوء نفسيّته وسواد قلبه. أمّا الفرسان الأمراء، فهم أكبر من أن تطالهم الرماح العمياء.

على كلّ حال، هناك نظريّة مهمّة قد لا يفطن الناس إليها، هي أنّ إصدار كتاب هو القاعدة والأساس، والأمسية في المحلّ الثاني، فلم نسمع أنّ جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني قد أقاموا أمسيات، لكنّ أعمالهم تدلّ عليهم، والمبدعون في الإثم قد يقفلون الطرقات، ويصيحون في مكبّرات الصوت، ويسخّرون الصحف للمحو والتشطيب والتغييب، ولا أحد يوقف كتاباً عن الطبع… فإذا كانت وظيفة البعض في الحياة أن يقفلوا الأبواب على التاريخ، فوظيفتهم أبديّة، وتعبهم إلى آخر الدهور، وشأنهم كشأن حمّالة الحطب.

***

(*) جميل الدويهي: مشروع “أفكار اغترابية” للأدب الراقي. من كتاب “أشجار الملح – تجربتي مع الأدب في أستراليا”.

اترك رد