“لقاء محبّة ووفاء” لذكرى المطران رولان ابو جودة والخوري ميشال العويط في الديمان

نظّمت “رابطة قنوبين للرسالة والتراث” بالتعاون مع “بيت مارون” في مطرانيّة قبرص المارونيّة وبرعاية البطريرك المارونيّ الكردينال بشارة الراعي” لقاء المحبّة والوفاء” على مسرح الوادي المقدس في موقع حديقة البطاركة في الديمان، تكريماً لحافظ سر البطاركة الموارنة من العام 1975 إلى العام 2011 الراحل الخورأسقف ميشال العويط واستذكاراً لمسيرة النائب البطريركيّ العام الراحل المطران رولان أبو جودة.

على مشارف الوادي المقّدس حيث خطّ “الخوري ميشال” كتابه وادي قنوبين مدرسة حياة”، قدّمت جوقة أبرشيّة قبرص المارونيّة ، بلفتة خاصة من المطران يوسف سويف ، تراتيل وأناشيد روحيّة بقيادة رانيا نجار. 

وضمن هذه المساحة الروحيّة ، حضر لفيف من المطارنة والكهنة والراهبات وشخصيّات من المؤسّسات المارونيّة وفعاليّات عامة وإعلاميين، إضافة إلى عائلتي أبو جودة والعويط وأصدقاء .

قدّم الأمسيّة جورج عرب الذي تناول ظاهرة غياب الأعلام الثلاثة معاً البطريرك صفير والمطران ابو جودة والخوري العويط بالتسلسل نفسه في حضورهم الى بكركي . وقال : ان حضور جوقات أبرشية قبرص المارونية معنا هو ترجمة لميثاق التعاون الموقع بين رابطة قنوبين ومؤسسة بيت مارون في الأبرشية . وكان عرض لوثائقي عن سيرة حياة المطران أبو جودة أعده جو مطر وأنتجه صندوق التعاضد الماروني مركزاً على خدمة المرضى المحتاجين التي كانت أولوية لدى المطران الراحل .  

ثم كلمة للأب جورج صقر رئيس مجلس إدارة صندوق التعاضد الماروني جاء فيها : لقاؤنا مناسبة عزيزة وغالية على قلوبنا جميعاً عنوانُها تحيّةَ وفاءٍ وتخليدٍ لذكرى كبيرِنا وقدوتنا ، مؤسّسِ الصندوق التعاضديّ الإجتماعيّ الصحّي ورئيسِه الفخريّ والنائبِ البطريركيّ العام، المطران رولان أبو جودة. وأشهد الآن أمام كلِّ محبّيك بأنّ حبّيَ لك واحترامي لما كنتَ عليه وتقديري لما شهدتَ له، كان ينمو ويكبر ويُزهر كلَّ يوم، وأصرّح بتفانيك في سبيل خدمةِ القريب، وأقرُّ بإعجابي بصلابة إيمانك وعمقِ حبِّك لله ولكنيسته وللآخرين دون تفرقة أو تمييز. 

وتابع : كُثرٌ همُ الذينَ يعيشون فقراءَ ويموتونَ أغنياءَ، أمّا أنت فعِشتَ كبيراَ وغنيّاً بكلِّ ما للكِبَر وللغنى من معانٍ وأبعادٍ ومتفرّعاتٍ، ومتَّ فقيراً كما أنتَ أردتَ. سوف تبقى كبيراً بيننا وغنيَّ الأغنياءِ، فالصندوق التعاضديّ الإجتماعيّ الصحّي هو مدينٌ لك بالكثير. أنت أسّستَه بالحبّ والحنان، وألبستَه من روحك روحِ التضحيةِ والخدمةِ والعطاء. كثيرةٌ هي المحّطاتُ المفصليّةُ التي تشهدُ على حضورِك ودعمِك له فنَما وكَبُرَ واستقرّ. أمّا دفاعُك عن بقائه وضرورةِ إستقلالِه فهي محفوظةٌ للتاريخ. إنَّ رؤياك للمستقبل، ونظرتَك الثاقبةَ، ومواقفَك الصلبةِ والثابتة، ومتابعتَك بدقّةٍ وتأنٍّ، أوصلتِ الصندوقَ إلى ما هو عليه اليوم. “حبّةُ خردلٍ كبُرتْ ونَمَتْ وأصبحَتْ شجرةً تأتي طيورُ السماءِ لتعشّعشَ فيها”. وختم: الشعلةُ المتّقدةُ التي سلّمتنا اياها نرفعُها عالياً لتبقى منارةً لنا على دروب الخدمة. 

حرب

ثم كلمة الوزير السابق بطرس حرب ألقاها نجله مجد. وجاء فيها: “أَنْ يُشرفَني منظمو هذا الاحتفال بإلقاءِ كلمةِ وفاء للنسيب والصديق والمعلم والمرشد، المرحوم الأب ميشال العويط، لهي مناسبةٌ لردِّ جميلِ من قضى حياتَه يَنشرُ الحبَ والعطاءَ دون بدل. لقد عَرفتُه منذ الطفولة، يومَ كان لا يزالُ أكليريكيّاً، بسببِ الرابطة العائليّة التي تجمعُنا. ولقد اكتشفتُ منذ ذاك الوقت ما كان يحملُ هذا الإكليريكي الشاب من طهارةٍ وقداسةٍ ونبلٍ وترفعٍ وإيمان.

وأكمل مشيراً إلى أنّه” لما تمَّ رسمُه كاهناً، لم تنقطع علاقتي به، بل استمرتْ متينةً كالماضي، وأخذتْ منحى أكثرَ عمقاً بعد تولّيه أمانة سر أبرشية طرابلس في عهد المثلث الرحمات المطران أنطوان عبد، وانتقالِه بَعْدَها إلى أمانة سر البطريركية المارونية، حيث برزتْ شخصيتهُ وكفاءتُه ووفاؤه وترفعُه ودبلوماسيتُه، وقدراتُه الهائلة على حفظِ أسرارِ الصرح البطريركي، المؤتمن عليها طيلة أربعة وثلاثين عاماً. ولا أخفي اليوم، أنني حاولتُ أكثرَ من مرة معرفةَ خبرٍ أو سرٍ يتعلق بشؤون الطائفة، كمجرياتِ إنتخابِ البطاركة مثلاً، مستفيداً من علاقاتِ القربى والصداقة والمودة، ومن موقعي كمسؤولٍ ماروني في الدولة، فكان الخوري ميشال بئراً عميقةً يستحيل كشف خباياها، متكتّماً على كل ما اؤتمن عليه ونافياً لصحة أي خبر سرّبه الآخرون “.

واعتبر حرب أنّه “في هذا ما يفسِّر سببَ تعيينه المتكرر أميناً لسر البطريركية، إذ أنَّ ما يجهلُه الكثيرون، أنه عندما اُستدعي الخوري ميشال للإطّلاع بأمانةِ سرِ المجمع الذي انتخب المثلث الرحمات البطريرك خريش عام 1975، قرر البطريرك المنتخب تعيينه أميناً لسرِ البطريركية لأنه، حسبَ قولِ البطريرك خريش ” الوحيد بين المشاركين في المجمع الذي بقي حافظاً للسر، ولم يَبُحْ بكلمةٍ واحدةٍ عما جرى من وقائعِ الجلسات ومجرى الانتخاب “.


المجسّم التذكاري

بعد كلمة حرب، قدّمت “رابطة قنوبين للرسالة والتراث” مجسّمين تذكاريين ليعرضا في بيت الذاكرة والاعلام في موقع حديقة البطاركة للمطران أبو جودة والخوري العويط، صممهما الفنان أنطوان مطر .

عائلة العويط 

ثم القى الد. هنري العويط كلمة العائلة شكر فيها البطريرك الكردينال الراعي لرعايته المناسبة، ورابطة قنوبين على مبادرتها بالتعاون مع “بيت مارون” في مطرانيّة قبرص المارونيّة. 

وقال :” كان الخوري ميشال واعياً بعمق حاجةَ الرعايا وأبنائها عموماً، والشباب منهم على وجهِ الخصوص، إلى سَماعِ بشرى الانجيل، وكان مُدركاً أنّ مواهبَ الروح التي يعدّدها بولسُ الرسول ترتّبُ على مَن نال عطيّةَ كلامِ المعرفةِ والحكمة مسؤوليّةَ نشرها. وهذا ما سعى إلى تحقيقِهِ في المؤلّفاتِ التي أثرى بها المكتبةَ العربيّة، وقد بلغ عددُها سبعةً وعشرين كتاباً.

وشرح العويط كيف ” افتُتِن الخوري ميشال باكراً بما يتمتّعُ به وادي قنّوبين من سحرِ جمالاتٍ طبيعيّةٍ خلّابة، وتأثّر بما تنطوي عليه قاديشا، وادي القدّيسين، من تقاليدَ نُسكيّة، وبما تختزنه من أبعادَ روحانيّة. وقد سكبَ عُصارةَ التأمّلاتِ التي أوحتها له علاقتُه المديدةُ بالوادي، وقراءتُه النافذةُ لتاريخهِ وتراثه، في الكتابِ الذي أصدره واختار له العنوانَ المعبّر “وادي قنّوبين: مدرسةُ حياة”.

وشدّد العويط على أنّ ” الخوري ميشال لم ينخرط يوماً في حزب، أو يُناصر تيّاراً، أو يتعاطَ السياسةَ بمفهومِها اللبنانيّ الشائع. ولكنّه كان معنيّاً حتّى الصميم بالشأنِ العامّ، وقضايا الوطنِ المصيريّة، ودورِ الموارنةِ فيه.  وقدّرَ له، من موقعهِ الحسّاس في الكرسيّ البطريركي، أن يجالسَ كبارَ المسؤولين والقادةِ والزعماء، لبنانيّين وعرباً وأجانب، وأن يطّلعَ، لا على وقائعِ ما عصفَ بلبنان من حروبٍ وأَزَمات، وما شهدته الساحةُ المسيحيّةُ من انقساماتٍ ونزاعاتٍ فحسب، بل أيضاً على أسرارِها وخلفيّاتِها وأبعادِها، وأن يلمِسَ لمسَ اليد ما يُفضي إليه حبُّ السلطة وشهوةُ الاستئثار وتغليبُ المصالحِ الفئويّة والأنانيّاتِ الذاتيّة من مآسٍ ومِحَنٍ وويلات. وهذه الخِبرةُ الاستثنائيّةُ سمحت له أن يكتشفَ ميدانيّاً مرجعيّةَ بكركي ودورَها الوطنيَّ الجامع وثوابتَ رسالتها التاريخيّة، فألّفَ في هذا الباب كتابَه التوثيقيَّ الأنيق “البطريركيّةُ المارونيّةُ تاريخٌ ورسالة”. وسمحت له أيضاً أن يُصدرَ سلسةَ كتبٍ حول الموارنة، افتتحها ب “الموارنة ضميرُ الكنيسة”، ثمّ أضاف إليها “الموارنةُ مَن هم وماذا يريدون؟”، وتوّجها بكتابه الأخير “وصيّتي إلى الموارنة”. وقد كان صاحبُ الغبطة في طليعةِ الذين أشادوا بعطاءِ المؤلِّف وقيمةِ مؤلَّفه، مختتماً الكلمةَ البليغةَ التي صدّر بها الكتاب، بهذه الشهادة:” أملُنا ودعاؤنا أن يدخلَ هذا الكتاب كلَّ عائلةٍ مارونيّة، حيثما وُجِدَت، لكي نظَّل كلُّنا في مجتمعاتنا شهودَ إيمانٍ ورُسُلَ حريّة”.

تقديرات قنوبين

بعد ذلك سلّم المطران سويف تقديرات قنوبين ، ببركة البطريرك الكردينال الراعي ، الى الأخت أنطوانيت العويط (مريم النور)، والى المهندس مطانيوس بولس والى السيد شربل غصن ، تقديراً لدعمهم رابطة قنوبين وتقديراً لرسالة الخدمة التي يجسدونها في حياتهم ترجمة لتعليم الكنيسة . وقد شكر غصن البطريرك الراعي الساهر بعناية أبوية على تراثنا الروحي والوطني ، مؤكداً الإلتزام الدائم بالعمل بتوجيهاته ودعم رابطة قنوبين للرسالة والتراث . كما سلم المطران سويف أمين عام رابطة قنوبين المحامي جوزيف فرح لوحة تقديرية للرابطة من أبرشية قبرص المارونية . وقدّم السيد شربل أبو جودة درعاً تقديرية باسم العائلة للمطران سويف ولرابطة قنوبين . وغرست أرزتان على اسم المطران أبو جودة والخوري العويط في باحة بيت الذاكرة والأعلام. 

وختاماً ألقى المطران سويف كلمة راعي الإحتفال البطريرك الكردينال الراعي . وقال :أنقل بركة ومحبة أبينا البطريرك الكردينال الراعي الى عائلة المطران رولان ابو جودة ، والى عائلة الخوري ميشال عويط والأصدقاء ،والى رابطة قنوبين مع الشكر لمبادرتها وبرامجها . وأنا بدوري أشكر غبطته الذي يستقبلنا نحن أبرشية قبرص في داره مع جوقات أبرشيتنا : جوقة نغم الشباب – وجوقة رعية كورماجيت مع مرافقة موسيقية من قبل قسم الموسيقى في مدرسة الجمهور . وأحيي التعاون بين رابطة قنوبين ومؤسسة بيت مارون. 

وتابع : استحضر في هذا اللقاء ثلاثة أعلام عاشوا معاً ورحلوا معاً : البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ، المطران رولان ابو جودة ، الخوري ميشال عويط. 

المطران رولان ابو جودة عرفته من الاكليريكية الى السينودس مروراً بطرابلس . تزين بروحانية التجسد بالمحبة فبات رجل الرحمة وابا الفقراء بالمبادرة الفردية الى مؤسسات الخدمة الإجتماعية والإنسانية ، وبشهادة الحق في إعلام نقي ونزيه وكونية الانفتاح على الثقافات والكنائس والأديان . شهد للعدالة بفطنة وحنكة ونظرة شاملة لخير الإنسان على خطى يسوع الذي رآه في متى 25 : يسوع الجائع والعطشان والمريض والمسجون واللاجىء والنازح والمهمش والضعيف والمجروح . المطران رولان عاش هذه الروحانية بروح البابا فرنسيس في الكنيسة التي دعاها أن تخرج لتعانق المصلوب يسوع والإنسان الذي يشفى ويتحرر بصليبه وقيامته. 

وأكمل : الخوري ميشال العويط ، بعاطفة اؤدي شهادة شخصية وكنسية فيه، وقد عرفته منذ صباي في طرابلس وبزيزا وشكا مع الأهل والأصدقاء وآل العويط ، وفي خدمة مميزة ودقيقة وكبيرة وبسيطة وعميقة كأمين سر للبطريرك صفير حيث كان هامة كبيرة بالتواضع والخدمة وكان خطيباً بقلة كلامه وعمق قلمه . شهد للكلمة دلالة نور العالم عبر الكرازة والتتلمذ الدائم . كان الباحث عن معنى الكلمة : شرحها ببساطة وعمق وأراد أن يقرأ ماضي أبناء مارون ليضيء على حاضرهم بموضوعية ومسؤولية ، لكي يلتقي الباطن بالظاهر ، والماضي بالحاضر ويخلق الانسجام وتتم المصالحة والاّ كانت دينونتنا عظيمة . الخوري ميشال عويط علم لا ننساه قامة روحية ، كنسية وانسانية وعلمية مميزة يبقى في القلوب والأذهان حياً . وختم : مع غبطة أبينا البطريرك الراعي نشكر عطاءاتهما ونشكر رابطة قنوبين على احياء هذه المبادرة وعلى استقبال أبرشيتنا قبرص مع جوقاتها التي تجيد الإنشاد كلما جددت رباطها بالبطريرك والبطريركية وبوادي القديسين في الوطن الأم لبنان.  

اترك رد