أَلحَقِيبَة   

   

 

«وَمَن يَعِشْ يَرَ والأَيَّامُ مُقبِلَةٌ       يَلُوحُ لِلمَرءِ في أَحداثِها العَجَبُ»

(الشَّيخ ابراهِيم اليازِجِي)

أَلمَنزِلُ فَخْمٌ تَشِعُّ أَضواؤُهُ، وتَصدَحُ المُوسِيقَى في جَنَباتِهِ، وَيَبدُو الغِنَى في أَثاثِه.

الشَّابَّانِ يَتَحادَثانِ خَلَلَ الضَّحِكاتِ المُدَوِّيَةِ، والصِّغارُ يَتَصايَحُونَ ويَقفِزُونَ مِن مَكانٍ إِلى آخَر، والمَرأَتانِ مُنشَغِلَتانِ بِكُلِّ شَيءٍ، بِحَماسٍ بادٍ وغِبطَةٍ قَوِيَّة.

أَمَّا هو، بِشَعرِهِ الأَبيَضِ، وتَجاعِيدِ جَبِينِهِ العَمِيقَةِ، وهَيكَلِهِ المُنحَنِي بِأَنَفَةٍ تَحتَ أَعباءِ سَبعِينَ مِن سِنِيِّ الكِفاحِ، فَإِنَّهُ بَدا دَوْحَةً عَتِيَّةً مُتَشَقِّقَةَ الجِذْعِ، تُزَغرِدُ على أَغصانِها الطُّيُورُ، وتَنمُو في كَنَفِها الأَعشابُ الوادِعَة.

هو احتِفالُ رَأسِ السَّنَةِ 1985، يَجمَعُهُ بِابنَتَيهِ وزَوجَيهِما وأَحفادِهِ حَولَ شَجَرَةِ المِيلادِ الَّتِي تَكَوَّمَت تَحتَها عَشرَاتُ الهَدايا، حَتَّى باتَت كَأَنَّها مَخْزِنٌ صَغِير.

كان الأَولادُ يَقتَرِبُونَ مِنهُ، بَينَ فَيْنَةٍ وفَيْنَةٍ، يَسأُلُونَهُ فَيُجِيبُهُم مُداعِبًا، فَيَنصَرِفُونَ، في فَرحَةٍ غامِرَةٍ، مُصَوِّتِينَ كَالعَصافِير.

إِقتَرَبَ صِهراهُ رافِعَينِ كَأسَيهِما، ونادَياهُ فَإِذا الصَّوتُ واحِدٌ: «sheers shane». أي «نَخْبُكَ يا شايْن».

جاراهُما، رافِعًا كَأسَهُ، مُبتَسِمًا. أَخَذَ جُرْعَةً، حادَثَهُما قَلِيلًا، ثُمَّ انكَفَأَ إِلى صَمتِهِ، فَابتَعَدَ الشَّابَّانِ إِلى النَّاحِيَةِ المُقابِلَةِ مِنَ القاعَة. أَغمَضَ عَينَيهِ، ولاحَ على وَجهِهِ طَيْفُ ابتِسامَةٍ رَقِيقَةٍ شاحِبَةٍ، وقالَ في سِرِّه: لَقَد أَصبَحتَ «shane» يا «شاهِين». حَتَّى اسمُكَ فارَقَك. آهٍ مِن تَبَدُّلِ الزَّمَن! على أَنَّنِي أَحمُدُ اللهَ أَنَّ اسمِي لَيسَ «شاهِيم»، وإِلَّا لَبِتُّ «shame» وتَلَبَّسَنِي العارُ أَنَّى سِرتُ في بِلادِ العَمِّ سام!

وبِالرُّغمِ مِن فَرحَتِهِ العامِرَةِ بِجَوِّ عائِلَتِهِ الحَمِيمِ، وبِالوِفاقِ المُخَيِّمِ على الجَمِيعِ، وبِالغِبطَةِ الظَّاهِرَةِ على كُلٍّ مِنهُم، وبِإِحاطَتِهِم بِهِ بِمَحَبَّةٍ صادِقَةٍ، فَإِنَّهُ أَحَسَّ بِعُزلَةٍ داخِلِيَّةٍ، وبِشَيءٍ في رُوحِهِ يَعتَمِلُ ويُحَرِّكُ أَشجانَه. هي مَشاعِرُ انتابَتهُ، لا يَستَطِيعُ مُشارَكَتَها مع أَيٍّ كان، لِأَنَّها غَرِيبَةٌ عن عالَمِهِم.

حَمَلَ كَأسَهُ، نَهَضَ مِن مَقعَدِهِ الوَثِيرِ، دَخَلَ المَطبَخَ حَيثُ ابنَتاهُ مُنهَمِكَتانِ بِإِعدادِ الأَطعِمَةِ، تَحادَثَ مَعَهُما في أَشياءَ وأَشياءَ، ومازَحَهُما مُداعِبًا، ثُمَّ قال: سَآوِي إِلى غُرفَتِي، أَرتاحُ قَلِيلًا ثُمَّ أَعُودُ، فَلا تَبحَثا عَنِّي.

دَخَلَ حُجرَتَهُ، في الطَّابَقِ الثَّانِي مِن دارَتِهِ الفَخمَةِ، استَلقَى على مَقعَدِهِ الهَزَّازِ المُواجِهِ لِنافِذَةٍ زُجاجِيَّةٍ عَرِيضَةٍ تُطِلُّ على غابَةٍ مُتَرامِيَةٍ، وتِلالٍ تَنتَثِرُ فِيها الأَنوارُ المُتَفَرِّقَةُ في هذه الضَّاحِيَةِ الهادِئَةِ مِنَ الوِلايَة.

إِرتاحَ إِلى ابتِعادِ الضَّجِيجِ والمُوسِيقَى، وخَدَّرَتهُ سَكِينَةٌ هو بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إِلَيها. أَخَذَ جُرعَةً كَبِيرَةً مِن كَأسِهِ، تَنَشَّقَ عَمِيقًا مِن سِيجارِهِ الكُوبِيِّ الفاخِرِ، أَغمَضَ عَينَيهِ، أَلقَى رَأسَهُ إِلى الوَراءِ، وراحَ في ذِكرَياتٍ تُطَوِّفُ بِهِ في مَناحِي حَياتِهِ، مِن طُفُولَتِهِ اللَّاهِيَةِ، إِلى مُراهَقَتِهِ المُتَقَلِّبَةِ بَينَ الكَدَرِ وَخُلُوِّ البال؛ كَدَرٍ خَلَّفَهُ لَهُ والِدُهُ الَّذي رَحَلَ وَتَرَكَهُ يَتُوقُ إِلى الأُبُوَّةِ المَفقُودَةِ، وَخُلُوِّ بالٍ تَمُدُّهُ بِهِ غَرارَةُ الصِّبا.

استَهواهُ تَتَبُّعُ مُسَلسَلِ حَياتِهِ، بِالتَّفاصِيلِ الَّتي تَسمَحُ بِها الذَّاكِرَةُ، كَأَنَّهُ يَروِي لِنَفسِهِ حِكايَةً، فَتَغَلغَلَ حُلْمٌ في خَلاياهُ، دافِئٌ، فَغابَ في شِبْهِ سَكْرَةٍ تَعِزُّ على أَعتَقِ الخُمُور!

وَلَو عَرَفَ بَيْتَ «الخَنْساءِ»، لَرَدَّدَهُ في سِرِّهِ وَرَنَّم:

«أَلا هَلْ تَرْجِعَنَّ لَنا اللَّيالِي       وأَيَّامٌ لَنا بِلِوَى الشَّقِيقِ»!

***

وُلِدتُ في قَريَةِ «دار الكَرْم» في آذارَ مِن العامِ 1914، قَبلَ بِدايَةِ الحَربِ الكُبرَى بِأَشهُرٍ قَلِيلَة. أَسمانِي أَبِي «شاهِين» على اسمِ والِدِهِ «شاهِين النَجَّار».

قَريَتِي صَغِيرَةٌ، وأَهلُها يَغلِبُ عَلَيهِمِ الفَقْر. يَعتاشُونَ مِن زِراعَةِ الزَّيتُونِ، في الدَّرَجَةِ الأُولَى، ومِن زِراعاتٍ مَوسِمِيَّةٍ أُخرَى كَالعِنَبِ والتِّينِ، والخَضْرَواتِ على أَنواعِها. تَوَفَّرَت لَهُمُ الأَرضُ، فَسِيحَةً، ولَم تَتَيَسَّر زِراعَتُها إلَّا بِالزَّيتُونِ لِقِلَّةِ حاجَتِهِ إِلى الماءِ الَّتي كانَت شَحِيحَة. وكانُوا يَجمَعُونَ مِياهَ الأَمطارِ في آبارٍ، تَحَسُّبًا لِأَيَّامِ الصَّيفِ الحارَّةِ، ويَرفِدُونَها بِمِياهٍ لِلشُّرْبِ، يَتَزَوَّدُونَها، على ظُهُورِ دَوابِّهِم، مِن «عَيْنِ البُستانِ» السَّخِيَّةِ في أَسفَلِ مُنحَدَراتِ الشَّربِينِ، في النَّاحِيَةِ الغَربِيَّةِ مِن القَريَة.

أَلزَّمَنُ في قَريَتِي كان بَطِيئًا، والحَياةُ رَتِيبَةً هادِئَةً، والنَّاسُ مُسالِمينَ طَيِّبِين.

أَشرَسُ عِراكٍ بَينَهُم كان يَدُورُ على اختِيارِ مُختارٍ أَو ناطُورٍ. أَمَّا لَيالِيهِمُ الشَّتَوِيَّةُ فَكانَت حَولَ المَواقِدِ، عامِرَةً بِلُعْبِ الوَرَقِ، أَو مُثِيرَةً حِينَ تُرْوَى سِيرَةُ عَنتَرَةَ وتُعَدَّدُ بُطُولاتُهُ، وَيُتَغَنَّى بِحُبِّهِ لِعَبلَةَ.

ناهيك بِـ «سِيرَة بَنِي هِلال» يَتَفَكَّهُونَ بِها في اللَّيالِي، فَيَحْمَى الوَطِيسُ بَينَ المُتَحَزِّبِينَ لِـ «أَبُو زَيْدٍ الهِلالِيِّ» والمُناصِرِينَ لِـ «دِياب بنِ غانِم». ويُوشِكُ التَّباهِي، مِنَ الطَّرَفَينِ، أَن يُودِيَ إِلى العِراكِ، ولكنْ… «تَغْلِبُ الشِّيَمُ».

ولا تَسَل عن لَيالِي الصَّيفِ، فَالسَّهَراتُ تُقضَى على البَيدَرِ، وأَبطالُها شُبَّانٌ وشابَّاتٌ يَمُورُ في وَجَناتِهِمُ الصِّبا، وَتَغلِي شَرايِينُهُم بِالهُيامِ المَكبُوتِ. أَمَّا النَّومُ، فَأَلَذُّهُ على السُّطُوحِ، في النَّدَى المُنعِشِ، أَو في العَرازِيلِ تَلعَبُ في قَصَبِها الرِّيح.

هي بَساطَةُ الحَياةِ تَغدُو هَناءَةً، وَراحَةَ بالٍ، وَقَناعَة.

***

تُوُفِّيَ والِدِي وأَنا في الثَّامِنَةِ مِن عُمرِي، لِذا فَإِنَّ كُلَّ ما أَحفَظُهُ عَنهُ صُوَرٌ قَلِيلَةٌ، باهِتَةٍ، غائِمَةٍ في فَضاءِ ذاكِرَتِي، تَأتِينِي مِن حِينٍ لآخَرَ مُحَمَّلَةً بِشَجَنٍ مُبهِمٍ، وكَآبَةٍ شَفِيفَةٍ تُلَوِّنُ مِزاجِيَ بِسَوادٍ أَغبَرَ، ولكِنَّنِي أَسكُنُ إِلى وِفادَتِها، وأَصُونُها إِرْثًا مِن حَبِيبٍ رَحَل.

إِلى مَحَبَّتِي لِلمَوادِّ المَدرَسِيَّةِ العِلمِيَّةِ، كُنتُ شَغُوفًا بِالشِّعرِ والأَدَبِ، أَقرَأُهُما أَنَّى سَنَحَت لِيَ نُهْزَةٌ وحَصَلتُ على كِتابٍ مِن مَصدَرٍ ما. كُنتُ أَقرَأُ الشِّعرَ عَن ظَهْرِ قَلبِي، بِدَعْمٍ مِن ذاكِرَةٍ واسِعَةٍ، وخُصُوصًا ما يَترُكُ مِنهُ أَثَرًا بَلِيغًا في النَّفسِ، كَالغَزَلِ والحِكمَة.

لَم تَكُنْ أَرزاقُنا تَدُرُّ الوَفْرَ، فَعِشتُ وأُمِّي في ضِيْقٍ، وكانَت هي تُحَصِّلُ مَعِيشَتَنا بِشَقِّ النَّفس. وأَذكُرُ، في حُرقَةٍ، كَيفَ كانَت تَمنَعُنِي مِنَ السَّهَرِ طَوِيلًا حِينَ أَتَوَفَّرُ على قِراءَةِ كِتابٍ أَدَبِيٍّ حَصَلتُ عَلَيهِ بِطَرِيقَةٍ ما، تَوفِيرًا لِلكازِ (الكِيرُوسِين Kerosene, coal oil)، الَّذي يَستَهلِكُهُ قِندِيلُنا الصَّغِيرُ العَتِيق. وكَم مِن مَرَّةٍ، في لَيالِي الصَّيفِ المُقمِرَةِ، بَعدَ أَن تَكُونَ غَطَّت في نَومِها، كُنتُ أَخرُجُ إِلى رَحْبَةٍ بِجِوارِ بَيتِنا، أَقرَأُ على ضَوْءِ القَمَرِ الشَّفِيق.

كَم نَقِمْتُ مِنكِ، يا أُمَّاه، وَوَصَمتُكِ لِبُخلِكِ، فَقَد جَهِلتُ مَدَى مُعاناتِكِ في الحُصُولِ على الفَلْسِ الشَّرِيف. والآنَ، كُلَّما عاوَدَتنِي هذهِ الذِّكرَى، يَتَمَلَّكُنِي خَجَلٌ، ونَقمَةٌ على نَفسِي. كانَت الضَّائِقَةُ جَمرَةً تَكوِيكِ، وحِمْلًا يَقُضُّ جِذْعَكِ الواهِي. لَكَم كُنتِ تُقَتِّرِينَ على ذاتِكِ لِكَي تُيَسِّرِي تَعلِيمِي وتَأمِينَ عَيشٍ كَرِيمٍ لِي، لا يُجبِرُنِي على الظُّهُورِ وَضِيعًا أَمامَ رِفاقِي. حَتَّى إِنَّكِ كُنتِ تُجالِدِينَ الأَمراضَ تُلِمُّ بِكِ خَشيَةَ إِنفاقٍ على طَبِيبٍ، أَو ثَمَنٍ لِدَواء.

كانَ أَولادُ قَريَتِنا، يتَلَقَّونَ الدُّرُوسَ، حَتَّى الشَّهادَةِ التَّكمِيلِيَّةِ (البرِيفَه Brevet)، في المَدرَسَةِ المُوسكُوبِيَّةِ – الَّتي أَضحَتِ المَدرَسَةَ الرَّسمِيَّةَ – في البَلدَةِ المُجاوِرَةِ جَمْلُون. يَقصِدُونها صَباحًا ويَعُودُونَ قَبلَ الغُرُوبِ مَشْيًا على الأَقدامِ، حَتَّى في الأَيَّامِ الماطِرَةِ، وفي الطَّقسِ الزَّمهَرِير.

بَعدَ حُصُولِي على الشَّهادَةِ الابتِدائِيَّةِ (السّرتِيفِيكا  Certificat) في المَدرَسَةِ الرَّسمِيَّةِ، انتَقَلتُ إِلى «مَدرَسَةِ الصَّلاحِ» الخاصَّةِ، بِرُغمِ القِسطِ الَّذِي كانَ عَلَيَّ دَفعُهُ، لِأَنَّ أُمِّي أَرادَت ذلك كَي لا يَتَمَيَّزَ عَلَيَّ رِفاقِي في القَريَة.

ونَظَرًا لِتَمَيُّزِي، وعَلاماتِي الفارِقَةِ، في امتِحانِ الدُّخُولِ، فَقَد ارتَأَتِ الرَّاهِبَةُ، مُدِيرَةُ المَدرَسَةِ، وكانَت تُدعَى «الحَجَّة» – مِن دُونِ أَن يَطلُبَ أَحَدٌ مِنها ذلكَ – أَن أَتَسَجَّلَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ التَّكمِيلِيَّةِ مُباشَرَة. ثُمَّ تَكَرَّرَ الأَمرُ عَينُهُ فَتَجاوَزتُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ والتَحَقتُ مُباشَرَةً بِالرَّابِعَة. وهكذا فَإِنَّنِي أَنجَزتُ الصُّفُوفَ التَّكمِيلِيَّةَ الأَربَعَةَ بِسَنَتَينِ فَقَط. وتَمَّ ذلك بِنَجاحٍ باهِرٍ، وَحَصَلتُ في نِهايَتِها على شَهادَةِ (البرِيفَه).

أَذكُرُ الآنَ، كَحُلْمٍ جَمِيلٍ، كَيفَ تَعَلَّقنا، شُلَّةَ الأَصحابِ، وكُنَّا في صَفِّ (البرِيفَه)، بِرَفِيقَتِنا الحُلْوَةِ «جانِيت»، والَّتي لَم تَكُن تُعِيرُنا انتِباهًا لِأَنَّها كانَت غارِقَةً، حَتَّى أُذُنَيها، في حُبِّ أُستاذِ الرِّياضِيَّاتِ، الشَّابِّ الأَنِيقِ العَضِل. لَقَد بَدا حُبُّ الطُّفُولَةِ لِابنَةِ جِيرانِنا «هِنْد» أَمامَ حُبِّي لَها قَشَّةً في مَجْرَى رِيْحٍ هَوْجاء.

أَلله… كَم كانَ الزَّمَنُ جَمِيلًا، على صُعُوباتِ حَياتِنا وشَظَفِها، ناعِمًا على العُسْرِ الَّذي لَفَّنا بِرِدائِه.

هي الذِّكرَى، تَسلَخُ مِن الماضِي رُتُوبَ أَيَّامِهِ، وتَكشَحُ لَيالِيَهُ مِن غُيُومِ الأَكدارِ، ولا تُبقِي مِنهُ سِوَى لَحَظاتِ الصِّبا الخَلِيِّ، والشَّبابِ الفائِرِ، ونُدُوبِ الجِراحِ العَمِيقَةِ، وقد رَسَخَت في البالِ حَنِينًا لا يَخبُو…

في الصُّفُوفِ الثَّانَوِيَّةِ سَكَنتُ في طَرابُلُسَ، مع رَفِيقَينِ مِن قَريَتِي، في غُرفَةٍ مُتَواضِعَةٍ اكتَرَيناها في مَحَلَّةٍ شَعبِيَّةٍ فَقِيرَةٍ مِن المَدِينَةِ، لِقاءَ بَدَلِ إِيجارٍ زَهِيد.

أُغرِمْتُ حَتَّى الوَلَعِ بِتِلمِيذَةٍ مِن مَدرَسَةٍ غَيرِ مَدرَسَتِنا، أَمَّا هي فَأُغرِمَت بِصَدِيقِيَ الحَمِيم. كُنتُ أَتَلَظَّى مِن حِرمانِي، وهو يَتَمَتَّعُ بِعَلاقَتِه. ولِسُخرِيَةِ القَدَرِ كُنتُ، في كَثِيرٍ مِن الأَحيانِ واسِطَةَ الاتِّصالِ بَينَهُما. والمُفارَقَةُ المُضحِكَةُ أَنَّ فَتاةً مِن قَريَتِي تَعَلَّقَت بِي وراحَت تَبُثُّنِي هَواها، وأَنا قد أُقفِلَ قَلبِي على مَن كانت لا تَكتَرِثُ إِلَّا لِقَلبِ سِواي.

لَقَد صَحَّ فِيَّ ما صَحَّ بِالشَّاعِرِ القائِل:

«جُنِنَّا بِلَيلَى وهِي جُنَّتْ بِغَيرِنا

وأُخرَى بِنا مَجنُونَةٌ ما نُرِيدُها».

أَتَذَكَّرُ تِلكَ الأَيَّامَ الآنَ، فَأَبتَسِمُ وأَشعُرُ بِدِفْءٍ يَتَسَلَّلُ إِلى صَدرِي، ولا أَرَى مِنَ الماضِي إِلَّا جَمالَهُ الَّذي رَحَل!

***

بَعدَ ثَلاثِ سَنَواتٍ في الثَّانَوِيَّةِ الرَّسمِيَّةِ تَخَرَّجتُ في حَزِيرانَ مِن العامِ 1932، ونِلتُ في الامتِحانِ الرَّسمِيِّ عَلامةً مُمتازَةً في الرِّياضِيَّاتِ جَعَلَت أُستاذَنا يُثنِي عَلَيَّ مِرارًا، وَبِحَرارَةٍ صادِقَة.

ولكِنَّ فَرحَةَ النَّجاحِ لَم تَسلَمْ مِمَّا يُنَغِّصُها، إِذ وَصَلتُ إِلى المُشكِلَةِ الَّتي كُنتُ أَتَحاشَى التَّفكِيرَ فِيها، لِأَنَّنِي عاجِزٌ عن اجتِيازِ مَأزَقِها الصَّعب. كان بِوُدِّي التَّخَصُّصُ في الهَندَسَةِ، ولكنْ أَنَّى لِي الالتِحاقُ بِجامِعَةٍ في بَيرُوتَ، مع كُلِّ ما تَتَطَلَّبُ مِن مَصارِيفَ تَتَجاوَزُ بِأَشواطٍ إِمكاناتِنا الضَّئِيلَة؟!

مَرَّ أُسبُوعٌ وأَنا في حَيْرَةٍ تُقارِبُ اليَأسَ، مِن دُونِ أَن أَتَلَمَّسَ سَبِيلَ خَلاصٍ، حَتَّى مَنَّتِ السَّماءُ عَلَيَّ بِنِعمَتِها، إِذ وَصَلَ القَريَةَ «العَمُّ فَرِيد»، وهو مُهاجِرٌ يَعمَلُ في أَمِيركا، وقد نَجَحَ في أَعمالِهِ، فَظَهَرَ عليه اليُسْرُ.

كُنتُ في زِيارَةِ خالِي، وكان «العَمُّ فَرِيد» مَوجُودًا، وهو صَدِيقُهُ القَدِيمُ الَّذي ما كَفَّ يَومًا عن التَّواصُلِ مَعَه، فَدارَت أَحادِيثُ تَناوَلَتنِي، فَأَخبَرَهُ خالِي عن التَّفَوُّقِ الَّذي أَحرَزتُهُ في الامتِحانِ الرَّسمِيّ. فَسَأَلَنِي عن مُخَطَّطاتِي لِإِكمالِ تَعلِيمِي. فَأَسرَعَ خالِي بِالجَواب عَنِّي قائِلًا إِنَّ الجامِعَةَ في بَيرُوتَ مُكلِفَةٌ جِدًّا، وأَنتَ تَعرِفُ حالَةَ أُختِي المادِّيَّةَ، لا بَل حالَتُنا جَمِيعًا.

صَمَتَ الرَّجُلُ طَوِيلًا وهو يُفَكِّرُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَيَّ بِقَولِه: أَنا أَنصَحُكَ بِالسَّفَرِ مَعِي حِينَ أَعُودُ بَعدَ قَضاءِ شَهرَينِ في القَريَةِ، فَهُناكَ تَتَعَلَّمُ وتَعمَلُ. وبِخُصُوصِ تَكالِيفِ الجامِعَةِ، أَنا سَأُساعِدُكَ في كُلِّ ما تَحتاجُ.

وإِذ لاحَظَ تَمَلمُلِي، وحَرَجِي، عِندَ قَولِهِ هذا، ابتَسَمَ وخاطَبَنِي بِحَنانٍ بَيِّنٍ: لا تَحْمِلْ هَمًّا، يا بُنَيَّ، سَتَفِينِي دَيْنِيَ عِندَما تَتَخَرَّجُ، وتَعمَل. وهَمَمتُ بِالكَلامِ، فَقاطَعَنِي قائِلًا: حَرامٌ أَن يَذهَبَ ذَكاؤُكَ واجتِهادُكَ هَباء. وتَنَحْنَحَ: «قُلْتِلَّكْ لا تِعْتَلْ هَمّ، رَحْ بِترُدُّ كُلّ قِرْش، ومع فايِدْتُو المرَكَّبَة إِذا بِيرَيّحَكْ».

وأَرادَ خالِي أَن يَشكُرَهُ، فَأَسكَتَهُ بِيَدِهِ قائِلًا: «وَلَوْ يا ابراهِيم. عَمْ تُشْكُرْنِي. يا حَيْف الصَّداقَة». وأَكمَلَ، مُتَّجِهًا بِنَظَرِهِ نَحوِي: وهكذا فَإِنَّكَ لَن تُكَبِّدَ والدَتَكَ فَلْسًا واحِدًا، «وأَنا رَحْ إِرْبَحْ فايدِة مُدَّخَراتِي عِندَك»، وَضَحِكَ، وهو يُرَبِّتُ بِوُدٍّ على كَتِفِي.

بَدَأتُ على عَجَلٍ، وبِنَشاطٍ كَبِيرٍ، وبِمُساعَدَةِ أُستاذٍ مِن أَقرِبائِي – خَبَرَ الحَياةَ طَوِيلًا – في تَهيِئَةِ أَوراقِ السَّفَرِ، والاتِّصالِ بِجامِعَةٍ في أَمِيركا. وكُنَّا قد تَدَبَّرنا أُجرَةَ السَّفَرِ مِن خالِي، على أَن تُوَفِّيَهُ أُمِّي حَقَّهُ، دُفْعَةً في كُلِّ مَوسِمِ زَيتُون.

تَمَّ كُلُّ شَيءٍ على ما يُرامُ، وَوَصَلتُ إِلى أَمِيركا بِرُفقَةِ «العَمِّ فَرِيد»، في الأَيَّامِ الأُولَى مِنَ العامِ 1933. كان طَيِّبَ القَلبِ، فَساعَدَنِي في أُمُورِي، وطَلَبَ إِلَيَّ أَن أَسأَلَهُ أَيَّ حاجَةٍ أُرِيدُ، وكُنتُ أَزُورُهُ في فَتَراتٍ مُتَباعِدَةٍ، فَجامِعَتِي تَبعُدُ مَسافَةَ يَومٍ في السَّيَّارَةِ عَن مَكانِ سَكَنِهِ ومَحَلِّهِ التِّجارِيِّ الكَبِير.

لِـ «العَمِّ فَرِيد» ابنَةٌ وَحِيدَةٌ مُتَزَوِّجَةٌ مِن لُبنانِيٍّ مِن مِنطَقَةِ عَكَّار، لَدَيهِما سِتَّةُ أَولادٍ، ويَعِيشانِ مع عائِلَتِهِما الكَبِيرَةِ في وِلايَةٍ أُخرَى غَيرِ الَّتي يَقطُنُ فِيها والِدُها.

أَذكُرُ، الآنَ، بِامتِنانٍ كَبِيرٍ كَيفَ كان يَتَّصِلُ بِي في أَوقاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، قائِلًا إِنَّهُ اشتاقَ إِلَيَّ ويُرِيدُ أَن يَرانِي. صِرتُ أَعرِفُ، فِيما بَعدُ، أَنَّهُ يَكُونُ قَد هَيَّأَ لِي حَوالَةً مالِيَّة. كُنتُ أَقُولُ لَه: أَرجُوكَ أَن تُسَجِّلَ لَدَيكَ كُلَّ قِرْشٍ تُقرِضُنِي إِيَّاهُ، وسَأُعِيدُهُ إِليكَ حالَما أَبدَأُ بِالعَمَل. كان يَبتَسِمُ قائِلًا: «أَكِيد عَمْ سَجِّلْهُم. وَلا يهُمَّكْ». أَمَّا مِن ناحِيَتِي، فَإِنَّنِي كُنتُ أُسَجِّلُ عِندِي كُلَّ ما يَصِلُنِي مِنه.

بَعدَ أَن بَدَأتُ بِالعَمَلِ، وباتَ في حِسابِي المَصرِفِيِّ مالٌ وافٍ، زُرتُهُ، وأَمضَيتُ نَهارَ أَحَدٍ في ضِيافَتِهِ، وقَبلَ أَن أَعُودَ سَأَلتُه: والآنَ، كَم لَكَ عَلَيَّ، يا عَمّ؟ فَضَحِكَ طَوِيلًا، عانَقَنِي وقال: «عَيْب علَيك. إِنتَ مِتْل إِبْنِي. رُوْح الله يوَفّقَك بِحَياتَك ولا تِنْسَى تْضَلْ تزُورْنِي». أَمَّا أَنا، فَقَد وَدَّعتُهُ، مُغرَوْرِقَ العَينَينِ، وتَرَكتُ على طاوِلَتِهِ، رُغْمًا عَنهُ، حَوالَةً، كُنتُ أَعدَدتُها مُسبَقًا، بِكُلِّ مُتَوَجِّباتِي لَهُ مع رِسالَةِ شُكرٍ أَنزَلتُ فِيها كُلَّ ما في قَلبِي مِن مَشاعِرِ حُبٍّ، وإِكبارٍ، لِهذا العَظِيمِ مِن قَريَتِي.

بَدَأتُ، مع دِراسَتِي، العَمَلَ في وَرْشَةِ بِناءٍ، لكِنَّنِي لم أَجِدِ الأَجْرَ كافِيًا، فَالجُمُودُ الاقتِصادِيُّ يَشُلُّ المَرافِقَ حَتَّى إِنَّهُ سُمِّيَ «أَلكَسادُ الكَبِيرُ Great Depression»، والَّذي أَجمَعَ المُؤَرِّخُونَ الاقتِصادِيُّونَ على أَنَّ بِدايَتَهُ كانت مع انهِيارِ سُوقِ الأَسهُمِ الأَمِيركِيَّةِ في يَومِ الثُّلاثاءِ الواقِعِ فِيهِ 29 تِشرِينَ الأَوَّل مِن العامِ 1929، وهو اليَومُ الَّذي حُفِرَ عَمِيقًا في ذاكِرَةِ التَّارِيخِ، ودُعِيَ: «أَلثُّلاثاءُ الأَسوَد».

لِذا فَإِنَّنِي كُنتُ أَعمَلُ في مَطعَمٍ لَيلِيٍّ، أَغسِلُ فِيهِ الصُّحُونَ، وأُنَظِّفُ المَطبَخ. وهذا ما وَفَّرَ لِي اكتِفاءً مِن دُونِ بُحْبُوحَة.

سَكَنتُ في جِوارِ المَبنَى الجامِعِيِّ في غُرفَةٍ اكتَرَيتُها مع «مَكْرَم»، الطَّالِبِ البَيرُوتِيِّ، الَّذي تَعَرَّفتُ بِهِ غِبَّ وُصُولِي إِلى الجامِعَةِ، والَّذي باتَ صَدِيقًا عَزِيزًا. كان يَقضِي كُلَّ صَيْفٍ في لُبنانَ – فَأَهلُهُ مَيسُورُو الحالِ – وأَبقَى أَنا أُجالِدُ الدَّهرَ وأُكافِح. وبَعدَ عَودَتِهِ الدَّائِمَةِ إِلى الوَطَنِ وبَقائِي حَيثُ أَنا، استَمَرَّت عَلاقَتُنا وصَداقَتُنا، وكان يَزُورُنِي كُلَّما جاءَ أَمِيركا، وأَزُورُهُ كُلَّما عُدْتُ إِلى بَلَدِي؛ ودامَ تَواصُلُنا حَتَّى وفاتِهِ في العامِ 1982.

قَضَيتُ بِضعَةَ شُهُورٍ مِن سَنَتِي الدِّراسِيَّةِ الأُولَى في تَعَلُّمِ اللُّغَةِ الإِنكلِيزِيَّةِ، حَتَّى أَتقَنتُها، ومِن ثَمَّ بَرَعتُ في دُرُوسِ الهَندَسَةِ، وكان النَّجاحُ حَلِيفِي لِأَنَّنِي عَرَفتُ جَيِّدًا قِيمَةَ الوَقتِ وإِدارَتَهُ، فَما أَضَعتُ مِنهُ دَقِيقَةً واحِدَةً، فَالغُربَةُ لا تَرحَمُ، وما مِن مُعِينٍ تَشكُو إِلَيهِ فَيُسَلِّي عَنكَ هُمُومَك.

في كانُونَ الثَّانِي مِنَ العامِ 1936، وهو عامِي الثَّالِثُ في الجامِعَةِ، وَصَلَتنِي رِسالَةٌ مِن خالِي إِبراهيم. هو يَعِيشُ مع زَوجَتِهِ ولا مَنْ يُخَفِّفُ مِن وَطْأَةِ وَحدَتِهِما بَعدَ أَن تَزَوَّجَت ابنَتُهُ الوَحِيدَةُ مِن رَجُلٍ يَسكُنُ في قَريَةٍ بَعِيدَةٍ عَنهُما.

أَخبَرَنِي في رِسالَتِهِ أَنَّ والِدَتِي مَرِيضَةٌ قَلِيلًا، وأَنَّ الأَهلَ يُلازِمُونَها ويُحِيطُونَها بِالعِنايَةِ الدَّائِمَةِ، وَ «لا تحمل همّ انتبه لدروسك ونحنا ما رح نتركها ابدًا».

أَقلَقَنِي الخَبَرُ، وَوَقَعَ عَلَيَّ كَالصَّاعِقَةِ، وَلازَمَنِي حَدْسٌ مُظلِمٌ حَولَ حالَتِها، فَأَرسَلتُ أَطلُبُ إِلَيهِ أَن يُوَضِّحَ لِي ماهِيَّةَ مَرَضِها، وأَن يَبذُلَ كُلَّ شَيٍء، ولا يَدَعَ طَبِيبًا مَشهُورًا لا يَأخُذُها إِلَيهِ، وأَن يَبِيعَ أَرزاقَنا إِذا تَتَطَلَّبَ الأَمرُ ذلك، وأَنا سَأُعِيدُ إِلَيهِ كُلَّ ما سَيَتَكَبَّدُهُ مِن مَصارِيف.

باتَت أَيَّامِي قَلَقًا لا يَنتَهِي، وبِتُّ أَتَرَقَّبُ رَسائِلَ خالِي بِمُنتَهَى الصَّبرِ، وأَستَجدِي اللهَ خَبَرًا مُفرِحًا عن هذه الَّتي نَذَرَت حَياتَها لِأَجلِي، ولَم تَسنَحِ الفُرصَةُ بَعْدُ لِكَي أَرُدَّ لَها نَزْرًا مِمَّا لَها عَلَيّ.

كانت الأَنباءُ تَرِدُنِي غامِضَةً لا تُحَدِّدُ مَرَضَها، ولكِنَّنِي كُنتُ أَربُطُ بَينَ خُيُوطِها فَيَتَكَشَّفُ لِي أَنَّ حالَتَها تَسُوءُ يَومًا عن يَوم.

وَضَرَبَ القَدَرُ ضَربَتَهُ، مُعرِضًا عن تَوَسُّلاتِي، فَإِذ بِرِسالَةٍ مِن خالِي تُقَوِّضُ آمالِي، وقد جاءَ فِيها، بِحَرفِه:

«ولدنا العزيز شاهين

بعد قبلة وجناتك والدعاء الى الله بحفظك راجيا منه تعالى ان تكون على غاية ما اتمناه لك من الصحة والعافية.

عزيزي: لا ادري ما اكتب واقول لك عن هذا المصاب الذي آلمنا جميعا وهو وفاة اختنا المرحومة والدتك ولا تفكر انه حصل قصور بالحكمة او الوقاية لاننا اولا اخذناها الى مستشفى الدرجي في جملون وبقيت مدة لا تحسين ولا تاخير لان العلاجات القوية خلتها على فرد حالة ومن بعدها اخذناها الى مستشفى الحتي وبقيت مدة وقال لنا خذوها على البيت لان الحالة منحوسة اخذناها يوم على البيت ومن ثم رجعناها الى عند الدرجي ولمح لنا ان معها سرطان اخذناها الى مستشفى الاميركان حالا صرحوا لنا عن مرضها وقالو لنا خذوها على بيتها ولا تتعبوا وتتخسروا خلوهم الى عيلتها وعلمنا بعد ذلك ان الضربة قاضية ولكن بقي عندنا امل لان الانسان لا يقطع الامل كما هو مكتوب الحياة في الامل ومن بعده اخذناها الى مستشفى النيني في طرابلس فكانت النتيجة كما سبق رجعناها حالا لعند الدرجي وعملنا لها لجنة حكماء من اشهر حكماء لبنان ولكن كل ذلك لم ينتج منه نفع وعند ذلك طلب منا ان ناخذها الى البيت وعرفنا ان ذلك اوفق اخذناها الى البيت وصار كل يوم يأتي لعندها الدكتور اسكندر ومرات الدكتور خيرالله سعادة ومرات الدكتور حليم ولا تفكر انه حصل تأخير عليها بشيء ابدا ولآخر ساعة كانت الحكماء فوق راسها ولكن امر الله لا مرد له وهذا سمة في خلقه جعلها بمقام قديسيه وروحها في جنان الخلد وعوضنا الله بسلامتك وانشاءالله تكون ذكر وراها وانا اتأمل منك يا عزيزي ان تكون صبور على هذا المصاب العظيم والفاجعة الاليمة وان تدير بالك الى حالك والاتكال بعد الله عليك.

واسلم الى خالك ابراهيم النجار

دار الكرم في 10/12/1936»

***

كانت رِسالَةُ خالِي صاعِقَةً هَدَّت مَفاصِلِي، فَأَحسَستُ أَنَّ الحَياةَ فَقَدَت كَثِيرًا مِن نَكهَتِها الحُلوَةِ، وأَنَّ المَرارَةَ سَتُلازِمُنِي ما حَيِيت.

لَقَد وَأَدَ الحَدَثُ آمالِي بِالعَودَةِ إِلى القَريَةِ، وتَعوِيضِ أُمِّي أَيَّامَ بُؤسِها أَيَّامًا مَغمُورَةً بِالهَناءِ والفَخرِ والطُمَأْنِينَة.

ثُمَّ… لِماذا أَعُودُ، ولِأَجلِ مَن أَعُود؟!

ولكِنَّ تَفصِيلاتِ مُتابَعَةِ مَرَضِها، كَما وَرَدَت في الرِّسالَةِ المَشؤُومَةِ، أَدخَلَت في نَفسِي بَعضَ عَزاءٍ، فَإِنَّها لَم تَكُنْ مَترُوكَةً وَحِيدَةً لِقَدَرِها، وكُلُّ ما كان يُمكِنُ فِعلُهُ قَد تَمّ.

بَقِيتُ على هذه الحالِ مِنَ الضَّياعِ أَشهُرًا، بَدَأَتُ، بَعدَها، بِاستِعادَةِ حَياتِي الطَّبِيعِيَّةِ، وإِنْ تَكُنْ مَشُوبَةً بِكَآبَةٍ رَقِيقَةٍ مَلازِمَة.

أَلَا رَحِمَكِ اللهُ، يا أُمِّي، لَقَد كُتِبَ عَلَيكِ الشَّقاءُ في الحَياةِ، والأَلَمُ عِندَ الرَّحِيلِ عَنها!

أَلا اعذُرِينِي، فَكَم ظَلَمَتكِ ظُنُونِي، وَشَوَّهَت صُورَتَكِ بِالبُخلِ، وأَنتِ مَن سَفَحتِ راحَتَكِ لِأَجلِ أَن تُظَلِّلَنِي الرَّاحَةُ، ونَذَرتِ حَياتَكِ كَي يَطِيبَ عَيشِي ويَطْمَئِنّ!

تَخَرَّجتُ مِن الجامِعَةِ مُهَندِسًا مَدَنِيًّا، بِدَرَجَةِ «جَيِّد جِدًّا»، وبَدَأتُ بِالتَّفتِيشِ عن عَمَلٍ في مِضمارِ تَخَصُّصِي. لَم يَكُنِ الأَمرُ سَهلًا والبِلادُ تَلُفُّها أَزْمَةٌ اقتِصادِيَّةٌ خانِقَة.

اضطُرِرتُ أَن أَترُكَ الغُرفَةَ الَّتي أَسكُنُ فِيها بَعدَ عَودَةِ صَدِيقِي «مَكْرَم» إِلى لُبنانَ، وحاجَةِ صاحِبَتِها لها. ولَمَّا كُنتُ أَرغَبُ بِشِراءِ حَقِيبَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّنِي قَصَدتُ واحِدًا مِن مَتاجِرِ التَّوفِيرِ «Charity shop»، حَيثُ تُباعُ الأَشياءُ بِأَسعارٍ بَخْسَة.

إِشتَرَيتُ واحِدَةً أَعجَبَتنِي لِوَفرَةِ الأَقسامِ والجُيُوبِ داخِلَها، ولِحالَتِها الخارِجِيَّةِ المُمتازَة.

لَمَّا وَصَلتُ إِلى غُرفَتِي لَفَتَ انتِباهِي عَدَمُ تَوازُنِها، فَجانِبٌ مِنها يَبدُو أَثقَلَ مِنَ الجانِبِ المُقابِل. فَتَحتُها ورُحتُ أَتَحَرَّى عِلَّتَها، فَوَجَدتُ أَنَّ هُناكَ أَشياءَ صُلْبَةً مُغَطاةً بِقِماشٍ مَدْرُوزٍ بِإِحكام. شَقَقتُ زاوِيَةً مِن دَرْزِها، فَكانَت المُفاجَأَةُ الغَرِيبَة. لِيراتٌ ذَهَبِيَّةٌ إِنكلِيزِيَّةٌ يَحمِلُ وَجهٌ مِنها صُورَةَ «المَلِكِ جُورج» والوَجهُ الآخَرُ صُورَةَ  «مار جِرْجِس»، وإِلى جانِبِها ظَرْفٌ صَغِيرٌ مُحْكَمُ الإِغلاقِ. عَدَدتُ اللِّيراتِ فَإِذا هي أَربَعُونَ، ثُمَّ فَضَضْتُ الظَّرْفَ فَوَجَدتُ الرِّسالَةَ الآتِيَة:

»these golden pounds i collected throughout the years by some savings i used to manage doing, every now and then, within my family spendings.

The fear of dark times that might immerge in the future and the old age that is inevitable if God grants me a long life, made me determined for these savings at any cost.

But as i watched my only son grow, giving me all the love and care i ever dreamt of, was the power needed to get rid of my financial fears.«         Sandra Mitchell O’Brien

«هذه اللِّيراتُ الذَّهَبِيَّةُ جَمَعتُها على مَدَى سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ، كُلَّما تَيَسَّرَ لِي أَن أَقتَصِدَ في مَصرُوفِ عائِلَتِي، وذلك تَحَسُّبًا لِظُرُوفٍ صَعبَةٍ قد تَمُرُّ بِنا، أَو لِأَيَّامِ الشَّيخُوخَةِ، إِذا أَطالَ اللهُ بَقائِي. ولكِنَّنِي تَوَقَّفتُ عن هذا العَمَلِ بَعدَ أَن كَبِرَ ابنِي الوَحِيدُ، وباتَ يُولِينِي الحُبَّ والعَطفَ، الَّذَينِ ما حَلُمتُ بِهِما يَومًا، والَّذَينِ بَدَّدا كُلَّ هَواجِسِي».                 ساندرا مِيتشل أُوبرِيان

ذَهِلتُ وأَنا أَتَأَمَّلُ هذه الثَّروَةَ الَّتي أَرسَلَها لِيَ الغَيْبُ، حِينَ أَنا بِحاجَةٍ ماسَّةٍ إِلَيها.

ولكِنَّ فَرحَتِي المُفاجِئَةَ بِها لَم تَطُلْ سِوَى ثَوانٍ مَعدُوداتٍ، إِذ أَحسَستُ بِشَيءٍ يَصدِمُنِي في داخِلِي، فَأَغمَضتُ عَينَيَّ لِبُرهَةٍ، ثُمَّ خاطَبتُ نَفسِي: ولكِنْ مَهْلًا… إِنَّ هذا الذَّهَبَ لَهُ مَرْجِعٌ أَحَقُّ مِنكَ بِهِ. وراوَدَنِي تَفكِيرٌ غَرِيبٌ وأَنا أَتَصَوَّرُ أَنَّ صاحِبَتَهُ هي أُمِّي. فَانتابَنِي خَجَلٌ لِفَرحَتِي بِهِ، خُصُوصًا أَنَّ اسمَ المَرأَةِ مَوجُودٌ في الرِّسالَةِ، والوُصُولُ إِلَيها مُمكِنٌ إِذا عَزَمتُ عَلَيه.

بَدَأتُ، في اليَومِ التَّالِي، اتِّصالاتٍ هاتِفِيَّةً مُستَرشِدًا بِدَلِيلِ الهاتِفِ في الوِلايَةِ الَّتي أَنا فِيها، وبِأَسماءِ الأَحياءِ المُجاوِرَةِ لِلمَتجَرِ الَّذي اشتَرَيتُ مِنهُ الحَقِيبَةَ، وبِالأَسماءِ الثَّلاثَةِ «ساندرا، مِيتشل وأُوبرِيان».

قَضَيتُ أُسبُوعًا في اتِّصالاتِي وتَحَرِّياتِي مع كُلِّ مَن أَجابُونِي، غَيرَ عابِئٍ بِالتَّكالِيفِ المادِّيَّةِ، فَكانَ إِصرارِي رَدًّا لاواعِيًا على ذَنبِي حين هَمَمْتُ، ولو لِلَحَظاتٍ قَلِيلَةٍ، بِأَخذِ المال. وكان تَفتِيشِي مَبنِيًّا على شَبَكَةِ أَسئِلَةٍ وَضَعتُها، كَي لا أَقَعَ في خَطَأ الوُقُوعِ على الشَّخصِ غَيرِ المَطلُوب.

بَعدَ أُسبُوعٍ مُضْنٍ وَقَعَ اتِّصالِي على شَخصٍ يُدعَى «نِيلْ أُوبرِيان Neil O’Brien»، تَوَسَّمتُ فِيهِ طَلَبِي. فَسَأَلتُهُ أَن نَلتَقِيَ في مَكانٍ ما، فَعِندِي لَهُ ما يَعنِيهِ شَخصِيًّا. فَراحَ يَستَفسِرُ عَن غَرَضِي بِإِلحاحٍ، وأَحسَستُ أَنَّهُ مُرتابٌ مِنِّي، أَنا الشَّخصَ المَجهُولَ الَّذي يُصِرُّ على لِقائِهِ، وخَشِيتُ أَن يَرفُضَ طَلَبِي، فَبَدَأتُ بِطَمأَنَتِهِ، وأَعطَيتُهُ اسمِي، وأَخبَرتُهُ أَنَّنِي مُهَندِسٌ خِرِّيجُ الجامِعَةِ الفُلانِيَّةِ حَيثُ يُمكِنُهُ أَن يَسأَلَ عَنِّي ما يَشاءُ، وأَنَّ ما عِندِي مُهِمٌّ لَهُ مادِّيًّا ومَعنَوِيًّا، وسَيُسَرُّ جِدًّا بِهِ. وعِندَ إِصرارِي وتَوَسُّلاتِي وافَقَ على أَن يَكُونَ لِقاؤُنا في مَكانٍ عامّ.

إِلتَقَينا في باحَةِ الانتِظارِ في مَحَطَّةٍ لِلباصاتِ العامَّة. كان بِصُحبَةِ امرَأَةٍ مُتَوَسِّطَةِ العُمرِ والجَمالِ، عَرَّفَنِي بِها أَنَّها زَوجَتُهُ «مارغرِيت Margaret»، وهي امرَأَةٌ تَمِيلُ إِلى الطُّولِ، مُتَوَسِّطَةُ العُمرِ والجَمال.

جَلَسنا بَينَ الجُمُوعِ المُتَدافِعَةِ، وهو صامِتٌ يَنتَظِرُ كَلامِي، والحَيرَةُ بادِيَةٌ في عَينَيه. هو رَجُلٌ في حَوالَى السِّتِّينَ مِن عُمرِهِ، أَشْيَبُ، يَمِيلُ إِلى البَدانَةِ، مَهِيبُ الطَّلْعَة.

بَدَأتُ أُوَجِّهُ إِلَيهِ، تِباعًا، أَسئِلَةً مُتَسَلسِلَةً وَضَعتُها بِعِنايَةٍ هَندَسِيَّةٍ تَكشِفُ إِنْ كان مُحاوِرِي هو الشَّخصَ المَقصُودَ أَو لا. كان يُجِيبُ بِاقتِضابٍ وتَوَجُّسٍ، وفي عَينَيهِ تَساؤُلٌ، وتَلَهُّفٌ إِلى سَماعِ الغَرَضِ النِّهائِيّ. وبَعدَ حِوارٍ طَوِيلٍ مَعَهُ عَرَفتُ أَنَّهُ ضالَّتِي. أَخبَرَنِي أَنَّ المَرأَةَ «ساندرا مِيتشل أُوبرِيان Sandra Mitchell O’Brien» هي والِدَتُهُ الَّتي تَوَفَّاها اللهُ فَجأَةً على أَثَرِ سَكتَةٍ دِماغِيَّةٍ مِن حَوالَى الشَّهرَينِ، وإِنَّهُ وَهَبَ مُقتَنَياتِها إِلى مَتجَرِ تَوفِيرٍ، فَإِذْ هو عَينُهُ الَّذي اشتَرَيتُ مِنهُ الحَقِيبَة.

عِندَها تَنَفَّستُ الصُّعَداءَ، ابتَسَمتُ لَهُ، وقُلتُ إِنَّ اللُّغْزَ تَمَّ حَلُّهُ، وإِنَّهُ هو الشَّخصُ الَّذي أُفَتِّشُ عَنه. وأَخرَجتُ الحَقِيبَةَ مِن كِيسٍ كَبِيرٍ وَضَعتُها فِيه. وحالَ رُؤْيَتِهِ لَها صَرَخ: هي حَقِيبَةُ والِدَتِي، ولكنْ ما الأَمْر؟

عِندَها بَسَطتُ أَمامَهُ الحَقِيقَةَ بِتَفاصِيلِها، وسَلَّمتُهُ رِسالَةَ والِدَتِهِ واللِّيراتِ الذَّهَبِيَّةَ، فَتَفَحَّصَها، وراحَ يَقرَأُ، ولَمَحتُ قَطَراتٍ تَسِيلُ مِن عَينَيهِ، فَالتَزَمتُ السُّكُوتَ لِكَي لا أُعَكِّرَ عَلَيهِ عُزلَتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ، واختِلاءَهُ بِنَفسِه. وكانت زَوجَتُهُ تُصَوِّبُ نَظَرَها على الرِّسالَةِ وتَقرَأُ مَعَهُ.

مَضَت دَقائِقُ، ثُمَّ انهَمَرَ عَلَيَّ بِأَسئِلَةٍ تَخَصُّنِي، فَأَوجَزتُ لَهُ حَياتِي، وأَنَّنِي تَخَرَّجتُ مُهَندِسًا مَدَنِيًّا بِدَرَجَةِ «جَيِّد جِدًّا».

تَأَمَّلَنِي مَلِيًّا، وسَأَلَنِي: شَيءٌ واحِدٌ يُحَيِّرُنِي. لِماذا أَرجَعتَ لِيَ المالَ، ويَبدُو أَنَّكَ بِحاجَةٍ إِلَيه؟

ابتَسَمتُ وقُلت: لِسَبَبٍ واحِدٍ بَسِيطٍ، هو أَنَّهُ لَكَ ولَيسَ لِي!

شَهِقَ، مُصَوِّبًا نَظَرَهُ إِلى عَينَيَّ، وتَمتَم:

Oh God!، يا إِلهِي!

أَمَّا زَوجَتُهُ فَقالَت، بِإِعجابٍ كَبِير: «بارَكَكَ الله! كَم أَنتَ صادِقٌ ونَزِيه! Bless you! You are such a genuine soul!»

تَفارَقنا بَعدَ أَن أَعطانِي عُنوانَ بَيتِهِ، وقالَ لِي: أَنتَظِرُكَ، غَدًا، لِتَقضِيَ السَّهرَةَ مَعَنا، وأُعَرِّفُكَ بِعائِلَتِي الَّتِي، لا بُدَّ، سَتَندَهِشُ مِنَ القِصَّةِ، وسَتَرَى فِيكَ مَلاكًا هابِطًا مِنَ السَّماءِ ولَيسَ مِن طِينَةِ النَّاسِ الَّتي غَدا دَيْدَنُها الكَسْبُ المادِّيُّ، وكَيفَما اتَّفَقَ الوُصُولُ إِليه.

زُرتُهُم في اليَومِ التَّالِي، فَاستُقبِلْتُ بِحَفاوَةٍ بالِغَةٍ، ما جَعَلَنِي أَشعُرُ بِمَدَى مَحَبَّةِ وإِكبارِ هَؤُلاءِ القَومِ لِي.

غَمَرَتنِي سَعادَةٌ داخِلِيَّةٌ لا أَظُنُّ أَنِّي كُنتُ سَأَحصُلُ عَلَيها لَو انتَهَى الذَّهَبُ إِلى جَيْبِي، لا بَل لَو كَسَبتُ أَضعافَهُ مُضاعَفَة. على أَنَّنِي لَم أَسلَم مِن سَيْلِ أَسئِلَةٍ حَولَ حَياتِي بَدْءًا مِن طُفُولَتِي، وحَوْلَ بِلادِي وحَياتِنا هُناك. وأَخبَرتُهُم مَدَى مُعاناتِي، طَوالَ أُسبُوعٍ مِنَ الاتِّصالاتِ الهاتِفِيَّةِ لِأَجِدَ أَصحابَ الحَقِيبَةِ، وَكَم تَلَقَّيتُ مِن أَجوِبَةٍ تَتَراوَحُ بَينَ الشَّكِّ والحَذَرِ والاستِخفافِ، وأَحيانًا الشَّتائِم.

كانَت سَهرَةً غَلَبَ عَلَيها الوُدُّ العائِلِيُّ، أَعادَت لِيَ دِفْءًا افتَقَدتُهُ في غُربَتِي البَعِيدَة.

بِتُّ، سَرِيعًا، صَدِيقًا حَمِيمًا لِلعائِلَة. فَإِذا فَوَّتُّ عَلَيهِم زِيارَتِي يَومًا انهالُوا عَلَيَّ بِاللَّوْمِ المُختَلِطِ بِالضَّحِك.

لِلعائِلَةِ ابنَتانِ فَقَط، «صُوفِيا Sophia» وتَبدو بِعُمرِي أَو أَكبَرَ قَلِيلًا، وَ «رُوزمارِي Rosemary» وهي أَصَغَرُ مِنها بِحَوالَى السَّنَتَين.

مَنزِلُهُم يَتَأَلَّفُ مِن طابَقَينِ، أَنِيقُ الأَثاثِ بَسِيطُه. والرَّجُلُ يَملِكُ شَرِكَةً تَتَعاطَى بِناءَ المَساكِنِ وبَيعَها. أَعمالُها لَيسَت مُتَعَثِّرَةً كَالكَثِيرِ مِنَ المُؤَسَّساتِ بِسَبَبِ الأَزْمَةِ الاقتِصادِيَّةِ الَّتِي تَجتاحُ البِلادَ، والَّتِي امتَدَّت فَشَمَلَت بُلدانًا كَثِيرَةً في العالَم.

مَضَى أُسبُوعانِ فَإِذا بِرَبِّ العائِلَةِ، الرَّجُلِ الطَّيِّبِ «نِيل أُوبرِيان»، يَقُولُ لِي بِمَحَبَّة: أَرغَبُ، مِن كُلِّ قَلبِي، أَن تَعمَلَ مَعَنا في الشَّرِكَةِ، في مَجالِ اختِصاصِك.

كان هذا ما كُنتُ أَحلُمُ بِهِ، وأَنتَظِرُهُ، فَشَكَرتُه. وهكذا كانَ فَأَصبَحتُ واحِدًا مِن فَرِيقِ العَمَلِ، ذا مَنزِلَةٍ مَرمُوقَةٍ، ومَهابَةٍ لَدَى المُوَظَّفِين.

كُنتُ، مِن وَقتٍ لِآخَرَ، أَذهَبُ إِلى السِّينَما، وإِلَى سَهَراتٍ خاصَّةٍ، بِرُفقَةِ «صُوفِيا» وَ «رُوزمارِي»، وَنَمَت عَلاقَةٌ هادِئَةٌ بَينِي وبَينَ «صُوفِيا». كانَت هي جَرِيئَةً أَكثَرَ مِنِّي في تَعبِيرِها عَن مَشاعِرِها نَحوِي، وإِعجابِها بِي. وذاتَ جَلسَةٍ ضَمَّتنا وَحِيدَينِ قَبَّلَتنِي قُبلَةً طَوِيلَةً، فَكانَتِ الشَّرارَةَ الَّتِي أَلهَبَتِ الهَشِيمَ، فَتَهَدَّمَت مُعظَمُ الحَواجِزِ بَينَنا، مِن دُونِ أَن نَصِلَ إِلى نُقطَةِ اللَّارُجُوع. ومَعَ الوَقتِ كان حُبُّنا يَتَنامَى، وغَدا واضِحًا، مَكشُوفًا لِأَفرادِ العائِلَة.

وَتَكُرُّ الأَيَّامُ، وأَنا غارِقٌ في أَعمالِ الشَّرِكَةِ الَّتِي دَفَعتُها بِقُوَّةِ إِلى الأَمامِ، بِاعتِرافِ السَّيِّدِ «نِيل» نَفسِهِ، وكانَ أَجرِي فِيها كَبِيرًا أَرادَهُ هكذا صاحِبُها مِن دُونِ أَن أَطلُبَ مِنهُ شَيئًا، حَتَّى إِنَّنِي بِتُّ أَتَمَتَّعُ بِرَصِيدٍ مُهِمٍّ في مَصرِفٍ مُحتَرَم.

في العامِ 1942 عَقَدنا زَواجَنا، أنا وَ «صُوفِيا»، بِمُبارَكَةِ الأَهلِ، في احتِفالٍ ضَمَّ الكَثِيرَ مِن رِجالِ الأَعمالِ والشَّخصِيَّاتِ المَرمُوقَةِ في الوِلايَة.

بَعدَ أُسبُوعٍ مِن زَواجِنا، اجتَمَعَتِ العائِلَةُ في عَشاءٍ مَنزِلِيِّ، تَوَّجَهُ «نِيل» بِتَقدِيمِ هَدِيَّةٍ لَنا، نَحنُ العَرُوسَينِ، مُغَلَّفَةً بِوَرَقٍ جَمِيلٍ، وطَلَبَ إِلَيَّ أَن أَفتَحَها. أَخَذتُها مِنهُ، وَقَفتُ وعَرُوسِي إِلى جانِبِي، مَزَّقتُ غِلافَها، فَإِذا هي عُلبَةٌ مُذَهَّبَةٌ أَنِيقَةٌ جِدًّا. فَتَحتُها، وَ «صُوفِيا» تَنظُرُ بِتَشَوُّقٍ لِمَعرِفَةِ مُحتَواها. وكانَتِ المُفاجَأَةُ الَّتِي جَعَلَتنِي أُغمِضُ عَينَيَّ، وأَتَنَهَّدُ بِتَأَثُّرٍ عَمِيق. كانت العُلبَةُ تَضُمُّ اللِّيراتِ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي وَجَدتُها في الحَقِيبَة. اقتَرَبتُ مِن عَمِّي، عانَقتُهُ بِحَرارَةٍ، ثُمَّ عانَقتُ الباقِين، وخاطَبتُهُ: تَمَنَّعتُ عن الاحتِفاظِ بِها، فَعادَت إِلَيَّ؟! غَرِيبَةٌ مُصادَفاتُ الحَياة!

***

رَزَقَنا اللهُ طِفلَتَينِ جَمِيلَتَينِ، الكُبرَى في العامِ 1943، وسَمَّيناها «نِيلَّا Nella» بِناءً لِرَغبَتِي لِيَكُونَ قَرِيبًا مِن اسمِ أُمِّي «نَهلا»، والصُّغرَى في العامِ 1945، وسَمَّيناها «مارغرِيت Margaret» على اسمِ والِدَةِ «صُوفِيا».

كانت أَعمالُنا تَتَطَوَّرُ، وشَرِكَتُنا تَنمُو بِاطِّرادٍ لِما ذاعَ مِن صِيتِها العَطِرِ في التَّعاطِي الصَّادِقِ الَّذي جَعَلتُهُ، أَنا، بِمُبارَكَةٍ مِن عَمِّي «نِيل»، شِعارًا لِلشَّرِكَة.

كُنتُ، في نَهاراتِي مَأخُوذًا بِالعَمَلِ الَّذي تَزايَدَ واتَّسَعَت مِساحَتُهُ في الوِلايَةِ، وكَم شَغَلَتنِي أُمُورٌ تَنظِيمِيَّةٌ في سَهَراتِي أَيضًا، ولكِنَّنِي كُنتُ فَرِحًا لِما أَرَى مِن رِضَى عَمِّي، وثِقَتِهِ بِي وبِأَمانَتِي، وكان يُرَدِّدُ دَومًا، مع ضَحْكَةٍ مُجَلجِلَة: لَو كان لِي ابنٌ، تُراهُ يَكُونُ بِجِدِّكَ وتَفانِيك؟!

أَذكُرُ أَنَّنِي، كُلَّما أَوَيتُ إِلى فِراشِي، كُنتُ أَتَعَمَّدُ نَزْعَ أَفكارِ العَمَلِ وشُجُونِهِ مِن رَأسِي بِالهُرُوبِ إِلى ذِكرَياتِي في بِلادِي، وأُحِسُّ بِشَوقٍ جارِفٍ لِزِيارَةِ مَرابِعِ طُفُولَتِي وصِبايَ، فَأَرُوحُ أُخَطِّطُ لِتَنفِيذِ الأَمرِ، فَتَجبَهُنِي شُؤُونُ الشَّرِكَةِ ومَسؤُولِيَّاتِي الجِسامُ فِيها، فَأَنكَفِئُ عن أَحلامِي، وأَغرَقُ في عَمَلِي، وفي حَياتِي العائِلِيَّة.

وكُنتُ أُدرِكُ أَنَّ عَلَيَّ دَيْنًا لِخالِي الَّذي تَكَلَّفَ بَعضَ عِلاجِ والِدَتِي، وإِن كانَ يَرفُضُ الكَلامَ في هذا الأَمر. ولَم أَشَأْ أَن أُرسِلَ إِلَيهِ ما يَتَوَجَّبُ عَلَيَّ، بَل أَرَدتُ أَن أَفعلَهُ حِينَما أَعُود. وتَأَجَّلَتِ العَودَةُ، ومَرَّتِ الأَيَّامُ مُتَشابِهَةً، وقَضَمَ الزَّمَنُ مِن عُمرِنا سَنَواتٍ، حَتَّى أَدرَكَنا العامُ 1950، وكانَت سَهرَةٌ عائِلِيَّةٌ فاجَأَنِي فِيها عَمِّي بِسُؤَالِه: أَلَا تَشتاقُ لِزِيارَةِ بِلادِك؟

صَمَتُّ، وَغامَ حُزنٌ على مَلامِحِي، وطالَ سُكُوتِي، فَقال: ما لكَ لا تُجِيب؟

فَتَنَهَّدتُ، وقلت: أَشتاقُ أَكثَرَ مِمَّا قَد تَتَصَوَّرُ، ولكنْ أَنَّى لِي ذلك والعَمَلُ يَأخُذُ أَيَّامِي كامِلَةً مع بَعضِ لَيالِيّ؟

فَقالَ في حَزْمٍ: هَيِّئْ نَفسَكَ لِلسَّفَرِ، فَالشَّرِكَةُ لَن تَمُوتَ إِذا أَخَذتَ إِجازَةً، وأَنا لَم أَمُتْ بَعدُ… وضَحِكَ بِمَحَبَّةٍ غامِرَة.

***

وَصَلتُ إِلى «دارِ الكَرمِ» في العِشرِينَ مِن نَيسانَ مَنَ العامِ 1950، بَعدَ سَبعَةَ عَشَرَ سَنةً مِن الغِيابِ، فَوَجَدتُ جَمْعًا كَبِيرًا مِن الأَهالِي في انتِظارِي، في مَحَلَّةِ «المُطِلَّة» عِندَ مَدخَلِ القَريَة. حالَ نُزُولِي مِن السَّيَّارَةِ، تَلَقَّفَتنِي الأَيدِي بِالعِناقِ على صَوتِ «الزَّلاغِيطِ»(1) مِن بَعضِ النِّسْوَة.

قَضَينا نَهارَنا في بَيتِ خالِي لِأَنَّ وُفُودَ المُهَنِّئِينَ بِعَودَتِي لَم تَنقَطِع.

في صَباحِ اليَومِ التَّالِي تَرافَقنا، أَنا وخالِي، في طَرِيقِنا إِلى مَنزِلِ أُمِّي. وقَبلَ أَن أَدخُلَ إِلَيهِ عَرَّجتُ على بَيتِ «أُمِّ نَجِيب»، جارَتِها ورَفِيقَتِها الدَّائِمَة. كانت مَرِيضَةً طَرِيحَةَ الفِراشِ، فَجَلَستُ إِزاءَها، فَتَأَمَّلَتنِي في دَهشَةٍ وتَساؤُلٍ، فَقُلت: أَعَرَفتِنِي؟

فَحَدَّقَت إِلَيَّ مَلِيًّا، وراحَت تَهُزُّ رَأسَها يَمْنَةً ويَسْرَة. فَقُلتُ لَها: أَنا «شاهِين»، إِبنُ «نَهْلا». فَحَملَقَت إِلَيَّ لِبُرهَةٍ، ثُمَّ أَمسَكَت بِرَأسِي، وراحَت تُقَبِّلُنِي وتَذرِفُ الدَّمعَ، وتُرَدِّد: حَبِيبِي، حَبِيبِي، مَتَى عُدْتَ؟

قَفَزَ إِلى ذاكِرَتِي، في تِلكَ اللَّحظَةِ، ما قالَهُ الشَّاعِرُ «نِعمَة قازان» لِصَدِيقِهِ «خَطَّار رِشوان» العائِدِ إِلى لُبنانَ في زِيارَةٍ، عِندَما سَأَلَهُ: ماذا تُرِيدَ أَن آتِيكَ بِهِ مِنَ الوَطَن؟

فَقال:

«اطْلَعْلِي عا الضَّيعَة زيارَة

وفَتِّشْلِي عَن خِتْيارَة

كانِت لَأُمِّي جارَة

بْرَحْمِةْ أُمَّكَ يا خِطَّار

انْتُشْلِي زِرّْ منِ زْرارا».

غادَرتُ مَنزِلَ جارَتِنا بَعدَ أَن لَملَمتُ مِن تَجاعِيدِها كَثِيرًا مِن صُوَرِ الماضِي الَّذي غَبَر.

وَصَلنا بَيتَنا، فَبَدَأَ قَلبِي يَخفُقُ سَرِيعًا، والمِفتاحُ يَلِجُ البابَ الَّذي فَتَحَ أَخِيرًا في صَرِيرٍ حَزِين. دَخَلتُ، وَوَقَفتُ أَتَأَمَّلُ المَتاعَ العَتِيقَ، وأُجِيلُ نَظَرِي في الزَّوايا المُهمَلَةِ، وفي عَينَيَّ دُمُوعٌ أُجاهِدُ أَن لا تَنهَمِر.

بَدا المَتاعُ مُلَفَّعًا بِصُفرَةِ المَوتِ، مَهجُورًا، مَترُوكًا يَطوِيهِ النِّسيان!

أَينَكِ، يا أُمَّاه؟!

أَتَرَينَنِي الآنَ مِن عالَمِكِ المَجهُول؟

أَتَرَينَ ابنَكِ الَّذي صَلَّيتِ لَهُ آناءَ النَّهارِ واللَّيلِ، وما سَنَحَت لَهُ فُرصَةُ رُؤْيَتِكِ قَبلَ أَن تَرحَلِي؟

مَرَّ وَقتٌ لَيسَ بِالقَلِيلِ، وأَنا سارِحٌ في تَأَمُّلاتِي، ثُمَّ التَفَتُّ لِأُكَلِّمَ خالِي فَلَم أَجِدْهُ. خَرَجتُ فَإِذا هو يَرتَشِفُ سِيجارَتَهُ بِحُزنٍ، فَعَلِمتُ أَنَّهُ تَرَكَنِي لِوَحدَتِي، أُناجِي الماضِي، وأَختَلِي بِالذِّكرَيات.

التَفَفتُ نَحوَ الحاكُورَةِ، وَراءَ البَيتِ، فَإِذا الرُّمَّانَةُ قد شاخَت، وشاخَت شَجَرَةُ التِّينِ، وَخُمُّ الدَّجاجِ تَهَدَّمَ مُعظَمُهُ، وَعَلَتِ الأَشواكُ، فَلَيسَ مِن أَرضٍ مَحرُوثَةٍ ضاحِكَةٍ لِلشَّمسِ، تَغُصُّ بِالخُضارِ مِن بَصَلٍ، وبَنَدُورَةٍ، وبَقدُونِسٍ، وغَيرِها، ولَيسَ هُناكَ امرَأَةٌ مُنحَنِيَةٌ على الأَثلامِ الطَّرِيَّةِ، تَقتَلِعُ مِنها أَعشابَها الطُّفَيْلِيَّةَ، وتَسقِيها بِحِرْصٍ وفَرَح.

عُدتُ وَخالِي إِلى مَنزِلِهِ، في قَلبِي حَسرَةٌ، في حَلقِي مَرارَةٌ، في خاطِرِي صُورَةُ امرَأَةٍ لَمَّا تَزَلْ ذَخِيرَةً وصَلاةً، وقَد جَرَى على بالِي ما قالَهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيّ:

«وَلَقَدْ مَرَرْتُ عَلى دِيَارِهِمُ،         وَطُلُوْلُهَا بِيَدِ البِلَى نَهْبُ

فَوَقَفْتُ حَتَّى ضَجَّ مِنْ لَغَبٍ        نِضْوِي، وَلَجَّ بِعَذْلِيَ الرَّكْبُ

وَتَلَفَّتَت عَينِي، فَمُذ خَفِيَت          عَنِّي الطُّلُولُ تَلَفَّتَ القَلبُ».

في اليَومِ التَّالِي زُرتُ قَبرَ والِدَتِي بِصُحبَةِ خالِي، فَبَكَيتُ كَطِفلٍ وأَنا راكِعٌ، أُلقِي رَأسِي على الرُّخامَةِ البارِدَةِ، وأُناجِيها بِالحُرَقِ المَكبُوتَةِ، في صَمتِيَ الكاوِي!

أَمسَكَنِي خالِي مِن كَتِفَيَّ، وقال: قُمْ يا ابنِي، قُمْ. طالَ رُكُوعُكَ. رَحِمَها الله!

***

قَضَينا نَهارًا مُشمِسًا دافِئًا مِن أَواخِرِ نَيسانَ، أَنا وأَصحابُ الصِّبا مِن قَريَتِي، في جِوارِ «عَيْنِ البُستانِ»، وقد تَزَوَّدنا زادًا ذَكَّرَنا بِأَيَّامٍ خَوالٍ، ولم نَنْسَ قَنانِي العَرَقِ البَلَدِيِّ القادِرِ أَن يَنقُلَكَ إِلى دُنيا الأَحلامِ الوَردِيَّةِ، والخَدَرِ الدَّفِيء.

كان نَهارًا مِن أَروَعِ أَيَّامِ حَياتِي، سَيَبقَى مُؤْنِسِي كُلَّما أَسلَمتُ رَأسِي لِسُلطانِ النَّوم.

يَومَها أَدرَكتُ بِعُمْقٍ حَرارَةَ المَشاعِرِ الَّتي انتابَتِ الشَّاعِرَ الياس فَرحات حين خاطَبَ صَدِيقَهُ الشَّاعِرَ القَرَوِيَّ رَشِيد سَلِيم الخُورِي، عِندَ اعتِزامِ القَرَوِيِّ العَودَةَ إِلى أَرضِ الوَطَنِ لُبنانَ، بِالآتِي:

«أَمَّا الغَدِيرُ فَزُرهُ حِينَ صَفائِهِ     وَابعَثْ إِلَيَّ بِجُرعَةٍ مِن مائِهِ».

قَصَدتُ طَرابُلُسَ وَحدِي. تَنَقَّلتُ بَينَ المَطارِحِ القَدِيمَة. ذَهَبتُ حَيثُ مَدرَسَتِي الَّتِي ضَمَّتنِي بَينَ جُدرانِها سَنَواتٍ ثَلاثًا. تَمَشَّيتُ في الشَّارِعِ الَّذي تُوجَدُ فِيهِ غُرَفٌ سَكَنتُها. ما تَرَكتُ مَكانًا دَرَجَت فيه خُطايَ في ذلك الزَّمَنِ الجَمِيلِ إِلَّا وَحَجَجْتُ إِلَيهِ. كان زَمَنَ الصَّباباتِ، والهَوَى المُتَّقِدِ، والصَّبايا الحِسان!

اختَلَيتُ بِخالِي في اليَومِ الَّذي سَبَقَ رُجُوعِي إِلى أَمِيركا، فَجَلَسنا مع «رَكْوَةِ» القَهوَةِ نَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيءٍ، ونَتَحَدَّثُ في شُؤُونِ القَريَةِ، وناسِها. راحَ يُعَدِّدُ مَنْ ماتَ مِن أَبنائِها، وجُلُّهُم مِنَ المُسِنِّينَ، ويَتَحَسَّرُ على مَن كانُوا أَصحابَهُ، أَو رَبَطَتهُ بِهِم مَوَدَّة. فَتَلَوتُ عَلَيهِ قَولَ الشَّاعِر:

«ثُمَّ انقَضَت تِلكَ السِّنُونُ وأَهلُها         فَكَأَنَّها وكَأَنَّهُم أَحلامُ»،

فَاهتَزَّ لَهُ تَأَثُّرًا، وقال: صَحِيحٌ، صَحِيح!

قَبلَ أَن أُغادِرَهُ أَخرَجتُ مِن جَيبِي حَوالَتَين(2) مالِيَّتَيِن تُقبَضانِ مِن «بَنك سُوريا ولُبنان BSL BANK». قَدَّمتُ لَهُ الأُولَى وهي بِاسمِهِ، وقِيمَتُها عَشرَةُ آلافٍ مِنَ الدُّولاراتِ الأَمِيركِيَّة. نَظَرَ إِلَيها بِاستِغرابٍ، وقال: وَلِمَ هذه؟ فَقُلت: لَقَد تَكَلَّفتَ كَثِيرًا على عِلاجِ أُمِّي في مَرَضِها وفي مَماتِها، وهذا غَيْضٌ أَمامَ فَيْضِ ما دَفَعت.

إستَنكَرَ الأَمرَ، واعتَرَضَ بِشِدَّةٍ، وحاوَلَ إِعادَتَها إِلَيَّ، فَرَجَوتُهُ أَن لا يَفعَلَ، وأَن يَقبَلَ بِها لِأَنَّ هذا عَزاءٌ مُهِمٌّ لِي.

حَدَّقَ إِلَيَّ مَلِيًّا وقال: ولكِنِ المَبلَغُ كَبِيرٌ يا عَزِيزِي، وأَضافَ ضاحِكًا «بتعطيني الجمل كلّو وأنا ما تكلَفت إلّا إدنو».

فَأَجَبتُه: لا، يا خالِيَ الحَبِيب، لَقَد قُمتَ بِما لا أَستَطِيعُ أَن أَرُدَّ نَزْرًا مِنهُ إِلَيك.

تَنَهَّدَ بِحَسرَةٍ، وتَمتَم: ولكن، لا تَنسَ يا «شاهِين»، أَنَّ أُمَّكَ هي أُختِي أَيضًا. رَحِمَها الله…

عِندَئِذٍ ناوَلتُهُ حَوالَةً ثانِيَةً بِقِيمَةِ خَمسَةَ عَشَرَ أَلفًا، فَانتَفَضَ قائِلًا: وما هذه؟ فَقُلتُ، مُبتَسِمًا: هذه سَتُتعِبُكَ قَلِيلًا، فَلِي، لِقاءَها، طَلَبان:

أَلأَوَّل: أَن تُصلِحَ كُلَّ الأَعطالِ في مَنزِلِنا، مِنَ القِرمِيدِ، إِلى الجُدرانِ، إِلى الطِّلاءِ، إِلى الأَبوابِ والنَّوافِذِ، إِلى الحاكُورَةِ المُلاصِقَةِ لِلبَيتِ. وأَتَمَنَّى عَلَيكَ أَن تُحافِظَ على التِّينَةِ والرُّمَّانَةِ والعَرِيشَةِ، وحَتَّى خُمِّ الدَّجاجِ المُتَداعِي. ولَن أَزِيدَ فَأَنتَ تَعرِفُ أَكثَرَ مِنِّي ما يَلزَم.

ألثَّانِي: أَن تُنَسِّقَ مع لَجنَةِ الوَقْفِ المَسؤُولَةِ عن الكَنِيسَةِ والمَقابِرِ، فَتُصلِحُ أَشياءَ كَثِيرَةً جارَ عَلَيها الزَّمَنُ والإِهمالُ مَدَى عُقُودٍ، والَّتِي لاحَظتُها عِندَما زُرتُ الكَنَيسَةَ، وقَبرَ والِدَتِي. وأَرجُوكَ أَن لا تَقتَصِدَ أَبَدًا، وإِذا تَبَيَّنَ أَنَّ المَبلَغَ غَيرُ كافٍ، فَاكتُبْ لِي وَسَيَصِلُكَ ما يَفِي وأَزْيَدُ.

ابتَسَمَ، واحتَضَنَنِي طَوِيلًا، ثُمَّ قال مُمازِحًا: والباقِي مِنَ المَبلَغِ ماذا أَفعَلُ بِهِ؟

فَضَحِكتُ وقُلت: عِندَما أَعُودُ في المَرَّةِ القادِمَةِ أَستَرجِعُهُ مع الفائِدَة…

***

في العامِ 1959 تُوُفِّيَ عَمِّي «نِيل» عن عُمرٍ ناهَزَ الثَّمانِيَةَ والسَّبعِينَ، فَتَسَلَّمتُ مَقالِيدَ الشَّرِكَةِ بِالاتِّفاقِ مع «رُوزمارِي»، على أَن تَملِكَ هي قِسمًا مِن أَسهُمِها، وتَحصَلَ على حِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن الأَرباح.

هي بَقِيَت عَزباءَ، وتَعِيشُ في شُقَّةٍ اشتَرَتها. أَمَّا نَحنُ، أَنا وعائِلَتِي، فَقَد تَمَلَّكنا بَيتَ عَمِّي بِالتَّراضِي مَعَها.

بَعدَ سَنَتَينِ مِن زِيارَتِي القَريَةَ، عُدتُ إِلَيها ثانِيَةً خِلالَ العُطلَةِ المَدرَسِيَّةِ الصَّيفِيَّةِ، مع أَفرادِ عائِلَتِي، حَيثُ قَضَينا أُسبُوعَينِ كانا مِن أَجمَلِ الأَيَّام. فَـ «صُوفِيا» والطِّفلَتانِ فَرِحا كَثِيرًا في أَجواءٍ جَدِيدَةٍ لَم يَألَفُوها، وفي بَيتٍ قَرَوِيٍّ حَمِيمٍ أَتقَنَهُ خالِي، ولَم يَترُكْ نَقْصًا فِيهِ، وفي بِلادِي الَّتي عَرَّفتُهُم على الكَثِيرِ مِن جَمالاتِها.

***

كَرَّتِ السِّنُونُ. تَقَدَّمتُ في العُمرِ، وغَزَتِ الغُضُونُ أَسارِيرِي.

إِبنَتِي الكُبرَى «نِيلَّا» أَتَمَّت دِراسَتَها الجامِعِيَّةَ بِنَجاحٍ، مُتَخَصِّصَةً في إِدارَةِ الأَعمالِ، وانضَمَّت إِلى فَرِيقِ العَمَلِ في شَرِكَتِنا. وتَزَوَّجَت في أَيَّارَ مِن العامِ 1970، مِن زَمِيلٍ لَها، ذَكِيٍّ نَشِيطٍ مُخلِصٍ، وَلَهُما أَربَعَةُ أَولاد.

وأُختُها الصُّغرَى «مارغرِيت» تَخَصَّصَت في الإِخراجِ الإِذاعِيِّ والتلفزيُونِيِّ، وتَزَوَّجَت في تِشرِينَ الثَّانِي مِن العامِ نَفسِهِ، مِن أُستاذٍ جامِعِيٍّ عالِي الثَّقافَةِ، دَمِثِ الأَخلاقِ، ورُزِقا خَمسَةَ أَولاد.

صَفَّينا الشَّرِكَةَ في العام 1980، فَخَلَدتُ لِلرَّاحَةِ بَعدَ مَسِيرَةٍ طَوِيلَةٍ مِن الكِفاحِ، مُتَوَّجَةٍ بِالنَّجاحِ الباهِرِ، وبِرَصِيدٍ كَبِيرٍ مِن المال.

***

استَفَقتُ مِن غَفلَتِي الطَّوِيلَةِ العَمِيقَةِ على يَدٍ صَغِيرَةٍ تَهُزُّنِي، يَدِ حَفِيدَتِي، وهي تَصِيحُ بِفَرَحٍ كَبِير: Grandpa! Come on! Hurry up! It is time to open the gifts – جَدِّي! تَعالَ! أَسرِعْ، حانَ الوَقتُ لِنَفتَحَ الهَدايا.

ابتَسَمتُ لَها، فَتَرَكَتنِي وراحَت تَقفِزُ عائِدَةً إِلى الطَّابَقِ الأَرضِيّ.

تَبِعتُها، مُتَثاقِلًا، مُنساقًا لِأَوامِرِها، بَيْدَ أَنَّ قَلبِي وعَقلِي وعَينَيَّ بَقِيَت هُناكَ، في مَكانٍ بَعِيدٍ بَعِيد!

ــــــــــــــــــ

(1): «أَلزَّلاغِيط» هي جَمْعُ «زَلْغُوطَة»: المُرادِفُ العامِّيُّ لِلكَلِمَةِ الفَصِيحَةِ «زُغرُودَة».

زُغْرُودَة: الجَمْعُ: زَغارِيدُ. هي صَوتٌ خاصٌّ تُصدِرُهُ المَرأَةُ بِتَحرِيكِ لِسانِها بِسُرعَةٍ في فَمِها

مع التَّصوِيتِ في المُناسَباتِ السَّارَّةِ، تَعبِيرًا عن الفَرَح.   (مُعْجَمُ المَعانِي الجامِع)

(2) :الحَوالةُ : صَكٌ يُحوَّل به المالُ من جهة إلى أُخرى.

 

حاشِيَة

وُلِدَت فِكرَةُ هذهِ الأُقصُوصَةِ في ذِهْنِي غِبَّ قِراءَتِي لِلقِصَّةِ أَدناهُ الَّتِي وَرَدَت بِتارِيخِ 31 أَيَّار مِن العامِ 2018، في وِكالَةِ « أَبُو ظَبِي – سكاي نيُوز عَرَبِيَّة»، وبِتارِيخِ 5 حَزِيران مِن العامِ 2018، في جَرِيدَةِ «الأَنوار» اللُّبنانِيَّةِ، العَدَدُ 19818. أَمَّا مُقَوِّماتُها الأُخرَى فَإِنَّها مِن عَمَلِ الخَيالِ والذَّاكِرَة.

القِصَّةُ كَما وَرَدَت، بِالحَرْف

عثر مصري، يزور الولايات المتحدة، على 10 آلاف دولار في شكل عملات ذهبية، داخل حقيبة اشتراها من أحد المتاجر، وبدلا من الاحتفاظ بها، أمضى أسبوعا كاملا في تعقب المالك الأصلي للقطع المعدنية.

وتعود تفاصيل القصة حين اشترى أحمد محمد فهمي يوسف حقيبة من أحد متاجر التوفير أثناء التحضير لرحلة العودة إلى الوطن، بعدما أمضى سنة دراسية في جامعة كولورادو بولدر كعضو هيئة تدريس زائر. وعندما وصل إلى المنزل، لاحظ أن الحقيبة غير متوازنة، ففتح جيبا داخلها، وعثر على مغلف يحتوي على 10 آلاف دولار من العملات الذهبية، يحمل اسم «جيمس نوبل» وعنوانا له.

ونقل موقع kdvr عن أحمد قوله إن إيمانه بالإسلام كان دافعا للبحث عن صاحب الحقيبة وإعادتها إليه. وأضاف «يجب تسليم الحقيبة إلى الشخص المناسب، مهما كان الجهد أو الوقت. أنا أتبع أخلاقي».

وأمضى الباحث أسبوعه الأخير في الجامعة في محاولة العثور على مالك القطع النقدية. وخلال أيام عدة اتصل بـ 76 شخصا مختلفا، ودقق في هوياتهم وطرح أسئلته، لكنه لم يسمع الإجابة التي كان يبحث عنها. وأخيرا، عثر أحمد على فورست نوبل، ابن جيمس نوبل، الذي عاش في مدينة بولدر.

وقال فورست: «تلقيت مكالمة هاتفية من رجل سألني عما إذا كنت جيمس نوبل. وهذا والدي الذي توفي قبل 4 سنوات. وكنت حذرا من أن يكون الاتصال بغرض الاحتيال».

وأضاف «قال (أحمد) إنه يجب مقابلتي شخصيا، وهذا أمر غريب. فاعتقدت أن طلب المقابلة يتخطى مجرد مكالمة احتيالية، وافقت على لقائه في مكان عام». والتقى الاثنان في فندق حيث طرح أحمد على نوبل المزيد من الأسئلة.

نوبل، من جانبه، تحدث عن ظروف وفاة أمه مؤخرا، وأنه وأخوانه كانوا «يتبرعون بأغراض والديه إلى متاجر التوفير في المنطقة». وعندما سمع أحمد هذه الكلمات، عرف أنه عثر على الشخص المطلوب. وتابع نوبل: «قال (أحمد) إن لديه شيئا من أجلي، وأخرج كل هذه العملات الذهبية. أعادها لي، ولم أستطع تصديق ما يحدث. كنت أبكي. كان أمرا لا يصدق».

وعلق أحمد، من جانبه، قائلا: «هذه تجربة رائعة في حياتي»، معربا عن ارتياحه بعد العثور على نوبل قبل مغادرته الولايات المتحدة.

اترك رد