مِنَ القدِّيس فرنسيس إلى البابا فرنسيس

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

لو شئْنا أَنْ نقرأَ زيارةَ قداسة الحبر الأَعظم إلى دولة الإمارات العربيَّة على ضوْءِ الوثيقةِ التي وقَّعها قداستُه وشيخُ الأَزهر لَوَجدْنا أَنَّ لهذه الزّيارةِ أَبْعادًا كثيرةً أَقفُ عنْدَ ثلاثة منها، وهي البُعْد الرُّحيُّ والبعْدُ الإنساني. وقبل الدُّخولِ في تَوْضيحِ هذه الأَبعاد، أَعودُ بالذَّاكرةِ إلى ما حصلَ منذُ ثمانماية سنة يومَ جاءَ القدِّيس فرنسيس الأسيزي إلى الشَّرْق الأَوْسط بعد زمنٍ منَ الحُروب دامتْ أَكثرَ من مئَتي سنة يذكرُها التَّاريخُ باسمِ الحروبِ الصليبيَّة، وكان ذاك القدِّيس قد وجدَ أنَّ العنفَ لا يجرُّ إلَّا العنف وأَنَّ الإشكالات لا تُحلُّ بالقوَّة بل بالمحبَّة، فقابلَ الملك المصريَّ وعانقهُ وأَظهرَ له كلَّ الحبِّ عملًا برسالةِ معلِّمه السيِّد المسيح الذي أَوْصى بالمحبَّةِ للقريب والبعيد حتَّى وصل إلى الأَعداء. 

وكأَنَّ التَّاريخَ يُستحضَرُ ليجمعَ فرنسيس الحبر الأَعظم مع شيخ الأزهر المصريِّ المرجعيَّة الاسلاميَّة، وبعد لقاءاتٍ وحوارات كانت وثيقةُ الأُخوَّةِ الإنسانيَّةِ التي تجمعُ بين أَسطرِها العقلَ المنفتحَ والقلبَ المُحبَّ والرُّؤْية التي تسعى إلى السَّلامِ بين النَّاسِ مهما فرَّقت بينهم الأَديانُ واللُّغاتُ والأَعراقُ والأَعراف.

أَعودُ إلى الأَبعادِ الثلاثة التي ذكرْتُها أَعْلاه.

قلتُ، للزيارةِ بُعْدٌ روحي، والجميعُ يعرفُ أَنَّ المسيحيِّين في الخليج يفوقُ عددُهم المئَةَ والخمسين أَلْفًا، وقد أَتوا للعملِ هناكَ من بلدانٍ عديدة، فكانَ عملُ الرُّوحِ أَنْ أَنْعمض عليهم الله بزيارةِ بطرس الكنيسة ليزيدَ على فرحِهم فرحصا وعلى إيمانِهم ثباتًا وعلى انْتظاراتِهم آمالًا. هناك صلَّى هؤُلاء مع قداسةِ البابا واستمعوا بقلوبِهم إلى كلماتِه المنبعِثة من حبٍّ كبيرٍ لهم ولسائِرِ الجماعات يغمرُ قلبَه النَّابض بقوَّة الرُّوح الذي يجعلُنا ننادي الله أَبانا فنغدو كلُّنا إخوةً ولنا أَبٌ واحدٌ هو الخالق ومخلِّص واحدٌ أَحد هو سيِّدُنا يسوع المسيح، الذي افتدى جميعَ البشر، بمَنْ فيهِم أُولئِكَ الذين لا يُؤْمنون به ابْنًا لله وفادِيًا للبشر، جميع البشر، أَجل، لأنَّ الكنيسةَ تؤْمنُ أَنَّ النَّاسَ أجمعين من طبيعةٍ بشريَّة واحدة وهي هذه الطَّبيعة التي تجسَّدَ المسيحُ بها وافتداها حامِلًا خطايا البشر كلَّهم، وحاملًا عقوبةَ تلك الخطايا، فماتَ على الصَّليبِ وقامَ ليُعيدَ كلَّ الرعيَّة إلى راعٍ واحد. من هنا كان عنوانُ الوثيقةِ الأُخوَّةَ الإنسانيَّة.

ثانيًا البُعد السياسي، ونحن نعرفُ أَنَّ السياسةَ بمفهومِها الرَّاقي هي حسْنُ تدبيرِ شُؤُون النَّاس، وهي أَسْمى ما يُحْكى أَنْ يقومَ به الإنسانُ على هذه الأَرض، لأَنَّها تهدفُ إلى خَيْرِ النَّاسِ وسعادتِهم. وهكذا كن لزيارةِ قداستِهِ هدفٌ واضحٌ وهو سلامُ النَّاسِ وفرحُهم على هذه الأرض مهما استشرت الخصومات وباعدتْ بينَ الأُمم.

وهذا السلام لا يكونُ سلامَ القوَّةِ والقَهْرِ إنَّما سلام الحوار والتَّفهُّم والتَّفاهُم، إيمانًا من قداستِه أَنَّ الله وهَبَنا العقلَ والنُّطْقَ ليكونا أداةَ التَّفاهُم وطريقًا لحلِّ كلِّ النِّزاعات، والتَّعاطي مع كلِّ المجتمعات على أنَّها مجتمعات عاقلة يُزيِّنُ كيانَ أَفرادِها أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم هو صورة الله، حتَّى وإنْ كانَ هذا الفردُ لا يؤْمنُ بأنَّه صورة، ولكنَّه يتحلَّى بالعقلِ والنُّطْقِ وله القدْرةُ أَنْ يلْقى فيه أَخاه الإنسان قواسمَ مشترَكة تجمعُه به مثل الرَّحمة والحكمة والاحترام وحماية المظلوم والاهتمام بالمريض والطّفل والعجوز، وكلُّ هذه وردت في الوثيقةِ لتزيدَ بُعْدَها السياسيَّ بُعْدًا إنسانيًّا.

ثالثًا، البُعد الإنساني، مَنْ تابعَ تصاريحَ قداسة البابا ودعواته المتكرِّرة إلى رفْعِ الظُّلْم والقَهْر والمَوْت عن الأَبرياءِ والقاصرين والنّساء خاصَّة، يَرَ أَنَّ قداستَه لم يتركْ سانحَة إلَّا ونادى بالرّفْقِ وذكر بالاسمِ العراق وسوريا واليمن وفلسطين وكلَّ بقعةٍ ساخنة في الأرض يعاني أبناؤها الوَيْلات. ونادى كما نادى أَسلافُه من الأَحبارِ القدِّيسين، أَنَّ جميعَنا مسؤولون عن جميعِنا، وأَنَّ التَّضامُنَ بين النّاسِ، مَهْما اختلفتْ آراؤُهم الثقافيَّة أَو معتقداتُهم الدينيَّة، واجبٌ على كلِّ واحدٍ من النَّاس، من أَجْلِ خَيْرِ الفَرْدِ والإنسانيَّةِ جمعاء. كما نادى بالإنماءِ الرُّوحيِّ والماديِّ للمجتمعاتِ المعوزة، لأنَّ الإنماءَ هو الاسمُ الجديدُ للسَّلام، كما قال السَّلَفُ الصَّلحُ البابا بولس السَّادس.

كلُّ هذا جاءَ في الوثيقةِ ومَنْ شاءَ المزيدَ فليقرأْها.

francisssss

اترك رد