“صدى الروح”: عمقُ روح ميشلين مبارك وشغفها بالحبيب والأرض

صدى الروح” الإصدار الثالث للشاعرة #ميشلين_مبارك، صادر عن دار نلسن، طبعة أولى 2019، بيروت.

وما صدى روحِها غيرُ صلاتِها. تقول في إهدائها: “إلى أريج السماء/ وهمس الريح/ في ندى الفجر/ في صلاة القصيدة/ أناديكم” (ص 5) وأيضًا: “…الى رشميّا/ الساكنة روحي…”. (ص 7).

عندما نصغي الى صدى غناء ميشلين مبارك، ندرك وجود حُبَّين في حياتها لا يفارقان قلبها وفكرها، تقسم صلاتها بينهما مناصفة؛ حبّها للحبيب، وحبّها للوطن، للأرض الممتدّة “بين دمشق وبيروت”: “بين دمشق وبيروت/ سفرُ ليلٍ طويل،/ يزور الشعر مدن الحزن/ يتّكئ على نور القمر/ وعيون صغيرة لاجئة/ منذ ألفي عام ويزيد.” (ص16). هذا الحزن المرافق كلّما رفرف الفكر ناحية الوطن، الوطن المجبول ترابه بدماء الأحبّة: “لي في بيت جدّتي/ ضحكةٌ زرعتها،/ مضى عليها زمن/ روتها يدٌ/ من المياه الحمراء/ فاختنقت الضحكةُ في بيت جدّتي.” (ص 30).

بين أمس واليوم، ونحن نقرأ صدى روح ميشلين مبارك، نلاحظ أنّها تنتقل، وتنقلنا معها، الى عالم جديد غير العالم الذي اعتدنا أن نراها فيه. وكأنّها انطلقت من مرفأ الشعر لتبحر مع المبدعين، ماخرة عباب سمائهم اللّامحدودة، التي يخطّون على صفحتها ما يطيب لأجنحتهم الجامحة أن ترسمه، فتشعّ في أثير الشعر نجومُهم المنمّقةُ ببريق عشقهم وجنونهم وإحساسهم المرهف الرطب العود، أسيرِ رياح وعواصف العواطف، ومطوّعِها في آن!

عالم ميشلين مبارك الشعري مزيج من بوح يشوبه خفر، وجرأة تتحدّى الذات “على عتبة الباب”: “من فتحة الباب الضيّقة/ دعاني/ حتى التصقت به/ زركني/ رقص لهاثي/ سكرت من خمرة أنفاسه/ قدّم لي وليمة حنان/ وكأس عشق معتّق/ خجلتِ القبلةُ من أن تكتفي/ ونحن بعدُ/ على عتبة الباب.” ( ص 33). كفراشة، تمزّق شرنقتها وتتوثّب باسطة جناحيها للانطلاق والتحرّر من قيود الخجل. تتعرى من خوفها لتكتسي ثوب بَوْحِها الجميل، كاشفة عن حبّها، كما عن تصدّيها لحب غريب: “دعاني الى فنجان قهوة في الحمرا/ اعتذرت/ انتظرني/ تأسّفت/ كتب لي قصيدة/ تجاهلت/ بردت القهوة/ احترق اللقاء.” (ص 37).

في “صدى الروح” تكشف ميشلين مبارك أيضًا، عن نرجسيّتها، بجرأة وبدون تحفّظ: “ألم تعرف أنّني والقصيدة توأمان/ خلقتك عاشقًا/ فقط لإلهام/ وأنا كلّ ليلة أخون القصيدة/ وفي عرين أشعاري أخونك/ ولنفسي فقط/ أعلن الوفاء.” (ص 48). كما أنّها في قصائد أخرى تُظهر ساديّة العالم وفظاعته: “نارُ/ دمُ/ ودموع،/ ندوب جرحي/ تجذّرت بذاكرتي/ نسيَت الطفلة أن تكبر.” (ص 55).

هكذا تنقلنا ميشلين في قصائدها نقلة العصفور من غصن الى غصن، فتحطّ حينًا على غصن يانع نضر ننتشي بحلاوة برعمه، وحينًا آخر على جذع محروق يابس، نشتمّ من دخانه رائحة الموت. قد يكون هذا التحوّل السريع من حالة الى حالة، بين نصّ وآخر، هو نتيجة هذا الصراع الذي تعيشه نفس الشاعرة المرهفة، المتحفّزة دائمًا للحب، إلّا أنّ بشاعة هذا العالم تهدّد أمانها، وتنقلها من دون استئذان من عالمها المخمليّ الى الواقع العنيف المؤلم. وقد تكون قصيدتها “ناداني البكاء” أصدق تعبير عن الصراع الذي تعيشه: “ناداني البكاء/ تجاهلت/ تناسيت/ رسمت للحزن ألوان (كذا)/ أصرّ النداء/ مشرّعًا الأبواب،/ تمرّدتُ/ تألّمت/ سكبت دموعي في شمعة مضيئة/ فأزهرت في عيونك قصيدة.” (ص 46).

“صدى الروح” يكشف لنا الصورة الحقيقيّة لروح ميشلين مبارك، ويولّد فينا الرغبة بالاستزادة. ولكنّنا نتمنى على الشاعرة أن تولي كتاباتها، مستقبلا، الوقت الكافي والعناية اللازمة، لتقدّمها لقرّائها بأبهى حلّة، من دون أن تشوبها شائبة، أكان بسبب خطأ طباعيّ أو لتقصير في التدقيق. فخمرة شعرك ميشلين مبارك، لذيذة الطعم مُسكرة، وتستحقّ أن تقدَّم في كؤوس الذهب.

****

(*) جريدة النهار 3-12-2018

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: