العراق إذ يغرق في دوامة الحروب الأهلية

  

كثر الحديث أخيراً عن أخطار انزلاق العراق إلى حرب أهلية مذهبية، بعد التظاهرات التي انطلقت في أكثر من منطقة عراقية، ضد الحكم القائم وضد إيران أيضاً، على قاعدة مطالب اجتماعية تتصل بتأمين الماء والكهرباء والخبز. والجديد في الحراك الأخير كونه انطلق من منطقة ذات طابع مذهبي شبه كامل، ذي طابع شيعي، اعتبرتها إيران قاعدة انطلاقها للهيمنة على البلد. بدا المشهد مقبلاً على حرب أهلية شيعية– شيعية، وهو ما استنفر القيادة الإيرانية بشكل مذهل، فانطلقت أبواقها منددة بالمؤامرة الأميركية– الإسرائيلية، التي تريد إخراج ايران من العراق.

في العودة إلى تاريخ العراق الحديث، يمكن القول انه كان يعيش دوماً حرباً أهلية، كامنة في مراحل معينة، ومندلعة ساخنة في مراحل أخرى. في العصور التي تلت انقلاب عام 1958، الذي انهى الحكم الملكي، خضع العراق لسلطات ديكتاتورية، حكمته بالدم والنار والقتل والسحل، ووحدت النسيج العراقي بالقوة. تحت هذا التوحيد كانت السلطات القائمة تمارس تمييزاً طائفياً قام في شكل خاص ضد المكوّن الشيعي، وإثنياً ضد الأكراد في شكل خاص وسائر المجموعات الموجودة على أرض العراق.

تكرّس هذا التمييز طوال حكم البعث الذي استمر إلى عام 2003 زمن الاحتلال الأميركي. غلّفت السلطات الديكتاتورية سلطتها بخطاب أيديلوجي سمته القومية العربية والوحدة واستعادة فلسطين. ساعد هذا العامل الايديولوجي الممزوج بالقمع العاري، في منع التنافضات من الانفجار على السطح.


تشكل مرحلة الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 تاريخاً مفصلياً، ما يزال يلقي بثقله على البلد حتى اليوم. بمجرد انهيار حكم البعث، انفجرت التناقضات العراقية الكامنة أصلا. واندلع صراع كان في بعض طروحاته الأيديولوجية يستعيد صراعاً بين الفرق الإسلامية في الزمن الغابر، صراع حول الخلافة، مقترناً بصراع على الموارد. استعيدت طروحات ترى ضرورة الثأر عن خلاف عمره 1400 سنة، يريد أصحابه تسويته الآن. لعب الاحتلال الأميركي دوراً مركزياً في تأجيج هذه الصراعات وإدارتها. وهو مهد لها في الأصل عبر حل الدولة العراقية، سواء عبر تسريح الجيش أو الإدارات. كما رعى الاحتلال إنشاء ميليشيات مذهبية تقوم بعمليات االثأر ومصادرة الأملاك وتهجير السكان، في إطار سياسة تعيد تركيب البلد في مناطق طائفية صافية، قدر الامكان. وتلك سياسة بدأت عام 2003 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

لم تكن الولايات المتحدة وحيدة في تأجيج نار الحرب الأهلية، بل دخلت ايران، ومنذ اليوم الأول للاحتلال وعلى حاملة الدبابات الاميركية، لتقطف ثمار الاحتلال. كانت إيران ولا تزال صاحبة مشروع يقوم على إلحاق العراق بها، خصوصاً أنه المدى الحيوي الأهم لها. في بلد عادت أقسام واسعة من مكوناته قروناً إلى الوراء لتتموضع في زمن حروب القبائل على السلطة والموارد، أتى المشروع الإيراني ليلهب هذا الحنين إلى الماضي، ويشحنه بقوة أيديدلوجية ومادية مسلحة. دخلت إيران إلى جميع مرافق الدولة واستولت على معظم مفاصلها، من العسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية… وغيرها. مارست سياسة احتلال وقهر حقيقيين ضد العراقيين، ولم تأخذ في الاعتبار وجود حساسيات قومية. فالعراق، ذو الأصل العربي والمشبع بعروبته يواجه القومية الفارسية المحكومة بعقدة خسارة امبراطوريتها عل يد العرب في القرون الغابرة. وهو ما جعل العراقيين، خصوصاً من أبناء الطائفة الشيعية مذهولين من الممارسات الإيرانية ضدهم وبالجملة. أما سائر المكونات العراقية من سنية وكردية ومسيحية، فحدث ولا حرج عن الاضطهاد والتهميش لها. هذا الواقع دفع الصراعات الأهلية خطوات متسارعة.

شكل احتلال «داعش» لمناطق عراقية، خصوصاً الموصل، محطة نوعية في تعميق الصراع الأهلي. كان «داعش» صنيعة النظام العراقي والإيراني على السواء. وكان له مهمة تدمير مناطق محددة في العراق ذات طابع مذهبي محدد، يرى فيها النظام الايراني والقوى الصاعدة في العراق خطراً سياسياً وديموغرافياً على المشروع الطائفي المذهبي لنظام طهران. تم تسهيل احتلال هذه المناطق من قبل الحكومة العراقية بقيادة رجل طهران نوري المالكي. وبعدها، جرى التهويل بدور «داعش» في امكان احتلال البلدان العربية واقامة الخلافة عليها، ما استدعى تحالفاً دولياً بقيادة الولايات المتحدة لإنهاء موقع هذا التنظيم الإرهابي الذي تشاركت قوى اقليمية ودولية في رعايته.

عامل إضافي لعب دوراً ولا يزال في إغراق العراق بدوامة الحرب الأهلية، إنه القوى السياسية التي استولت على الحكم في العراق وحكمته برعاية اميركية وإيرانية. أثبتت هذه القوى انعداماً في الاهلية السياسية والوطنية.

تواطأت مع الاحتلالين الأميركي والإيراني في نهب ثروات العراق، ومنع إعادة إعماره، وإهمال الخدمات الضرورية لسكانه، بحيث استشرى الفساد في شكل رهيب، لم يعرفه العراق يوما في حياته على هذا المثال، حيث يكثر الحديث عن البلايين المتراكمة لهذا السياسي او ذاك.

لذا لم يكن غريبا ان يتصدر شعار محاربة الفساد ضد الجميع من القوى، رأس المطالب في الحراك الاخير. لم يكن للاحتلالين أن ينجحا في الهيمنة والعبث بموارد البللاد وإفقار العراق، لو لم يتأمن لأميركا وإيران هذه الممرات والقنوات الداخلية.

إذا كان المشهد العراقي يتوقف اليوم على استعادة إيران النفوذ وتركيب السلطة لصالحها، بعد الحراك الأخير، فإن هذا المشهد يبقى رجراجاً ومحكوماً بالتطورات المقبلة على صعيد الصراعات بين القوى السياسية.

بعد الحراك، تسود حملة اعتقالات ضد المتظاهرين، كما تنفّذ تصفيات جسدية. والحشد الشعبي، وهو ميليشيات تقودها إيران، أعلن عن تجنيد عشرة ألوية للوقوف وفي وجه التظاهرات ضد إيران. هي مؤشرات دالة لا تبشر بسلم أهلي قادم بمقدار ما توحي بتجدد للحرب الساخنة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: