“البابا فرنسيس رجل كلمة” يغوص في إسرار الكرسي الرسولي

الفيلم الأول من نوعه في تاريخ الفاتيكان  بطله الحبر الأعظم نفسه

منذ تسلمه سدّة البابوية، رفع البابا فرنسيس شعار التواصل مع فئات الناس كافة، فاتسمت قيادته الدينية بالتواضع ودعم الحركات الإنسانية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الحوار والتواصل بين مختلف الخلفيات والثقافات، هذه الشخصية الفذة  ستكون، للمرة الاولى في تاريخ الفاتيكان، بطلة فيلم سينمائي، أراد القيمون من خلاله نشر مدرسة البابا فرنسيس القائمة على تكريم معاني الإنسانية في عصر باتت فيه المعلوماتية والتكنولوجيا تسيطر على كل شيء حتى على الإنسان نفسه.

قضايا وأسئلة

“البابا فرنسيس رجل كلمة” عنوان الفيلم  الذي يغوص في إسرار الكرسي الرسولي وفي عالم البابا وفي مسائل حياتية عامة، من إخراج الألماني ويم وندرز (حائز ثلاثة ترشيحات لجوائز الأوسكار)، وسيبدأ عرضه  في الولايات المتحدة الأميركية في 19 أيار المقبل.

في الفيلم، يتوجّه  البابا فرنسيس مباشرةً  إلى العموم، متحدّثًا حول مواضيع الهجرة والبيئة وتوزيع الثروات ودور العائلة والاستهلاك والعدالة الاجتماعية. كذلك يجيب على أسئلة شريحة واسعة من الناس، خصوصًا الفئات الفقيرة والمحتاجة، مثل المزارعين والعمّال واللاجئين والأطفال والمسِنّين والمساجين.

أيضًا، يظهر البابا فرنسيس في الفيلم وهو يجوب العالم في صور من الأرشيف، فضلا عن  الكلمات التي ألقاها خلال هذه الجولات وعلى المنابر، لا سيما في الأمم المتحدة والكونغرس الأميركي.

قبل أن تنطلق عمليات التصوير عقد  المخرج لقاءات مطولة مع البابا، تعرف فيها عن قرب إلى نواحٍ في شخصيته كإنسان وكرجل  دين بغية رسم صورة شاملة وكاملة عنه في الفيلم الذي وصفته “شركة فوكس فيتشرز” الموزعة له، بأنه تاريخي غير روائي. يذكر أنها المرة الثانية التي يتعاون فيها الفاتيكان مع مخرجين ومنتجين خارجيين، والمرة  الأولى التي يتم التعامل سينمائيًا مع البابا مباشرة.

مقاربة للعالم العصري

يتمحور فيلم “البابا فرنسيس رجل كلمة” حول صورة البابا الأرجنتيني، أنتجه الألماني ويم وندرز، بالتعاون مع مركز تلفزيون الفاتيكان، بحسب ما ورد في مقال أعدّته آن كوريان من القسم الفرنسي في “زينيت”. أمّا الإعلان عن هذا الوثائقي فقد أتى على لسان الشركة الأميركية “فوكوس فيتشرز” التي ستعرض الفيلم  في السينما، وورد في إعلانها: “الفيلم الأوّل الذي سيتكلّم فيه حبر أعظم مباشرة مع الناس، وهو ليس عن البابا بل معه، تمّ تصويره خلال المقابلات العامة، ويضمّ مشاهد حصريّة تمّ سحبها من أرشيف الفاتيكان”.

ضمن إطار “مهرجان الجمال المقدّس” الذي يُقام على هامش “مهرجان كان”،  شرح المونسنيور داريو إدواردو فيغانو، رئيس أمانة سرّ التواصل في الفاتيكان،  أنّ المشروع وُلد بعد حفل افتتاح يوبيل الرحمة (8 كانون الأول 2015) في الفاتيكان، حيث كان وندرز موجودًا، بالتزامن مع اقتراح مركز تلفزيون الفاتيكان القاضي بتصوير فيلم يصف مقاربة البابا حيال العالم العصري عبر أجوبة عن أسئلة طرحها رجال ونساء من جميع الأوساط.

أضاف ان المخرج، من خلال  افلامه الوثائقية، يدفع إلى التفكير  في ما آلت إليه حال الإنسانية اليوم، لذا دعي للمشاركة في حفل افتتاح اليوبيل الاستثنائي للرحمةواعتبر أن ويندرز، أراد من خلال إخراج هذا الفيلم الدعوة إلى بناء غد أفضل وعالم أكثر تسامحًا، لذا جاءت تجربته في الفيلم مكثفة ورواية شاهد عيان وهو البابا نفسه الذي أخد على عاتقه أن يكون جسر تواصل لمختلف الأديان والجنسيات والأعراق والثقافات والمفاهيم الاجتماعية أو السياسية.

أمّا بالنسبة إلى وندرز فإنّ البابا فرنسيس مثال حيّ لرجل يحترم كلمته. وقد أشار وندرز إلى أنّ الحبر الأعظم في الفيلم يخاطب المُشاهد مباشرة بصراحة وعفويّة، قائلًا إنّه أراد أن يكون الوثائقي موجّهًا للجميع، بما أنّ رسالة البابا عالميّة، وتعاطفه وإنسانيّته شاملان. ولفت إلى أن البابا تقبّل أسئلة أناس من مشارب مختلفة وردّ عليها بتواضع وصدق ولم يهرب من أي سؤال  بل على العكس شمل الكل بعنايته واهتمامه واحترامه.

تابع: “لأن رسالة البابا عالمية، كان لدينا الحظ، من خلال التعاون الكامل  مع الفاتيكان، في أن نستقبل اتصالات من القارات الخمس، وأن نظهر تعاطف البابا وانسانيته العميقة”.

في 13 مارس 2013 ، أصبح كاردينال بوينس آيرس ، خورخي ماريو بيرغوليو  (مولود في العاصمة الأرجنتينية في كانون الأول 1936 )، البابا 266 للكنيسة الكاثوليكية، وهو أول أميركي لاتيني يتبوأ السدة البابوية في الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها 1,2 مليار شخص. ومنذ توليه حبريته جعل من التواصل عنصرًا حيويا للكنيسة وعنصرًا رئيسًا في عمله للإصلاح.  من هنا يشكل الفيلم حوارًا حميمًا ومتعمقًا مع البابا في ما يتعلق بعمله كسفير عالمي للإيمان الكاثوليكي وزعيم العدالة الاجتماعية، وهو إن صح التعبير “سيمفونية الأسئلة” التي تعزف على وتر معاناة الإنسانية المتزايدة.

يوحنا بولس الثاني

اهتمام السينما لا سيما الوثائقية بالبابوات ليس حديث العهد، بل عمد المخرجون في السنوات الماضية إلى مواكبة أعمال البابوات، وقد شكل البابا يوحنا بولس الثاني مادة خصبة لهم نظرًا إلى  حركته الدائمة وأسفاره في أنحاء العالم والظاهرة التي شكلها والمستمرة حتى بعد وفاته. ففي الذكرى العاشرة لغيابه، أنتجت “منظمة فرسان كولومبوس”، فيلمًا وثائقيًا في عنوان “يوحنا بولس الثاني في أميركا: توحيد قارة”،  يتمحور حول الزيارات الرسولية الاثنتين والعشرين التي قام بها البابا إلى أميركا الشمالية والجنوبية، خلال حبريته، في محاولة منه لتوحيد شعوب القارة من خلال الإيمان.  كذلك يسلط الفيلم الضوء على ما يُعرف بـ”جيل يوحنا بولس الثاني” والتأثير الذي تركه في عالمنا المعاصر، فضلا عن مقابلات مع شخصيات عايشت البابا من بينها المدير السابق لدار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي خواكين نافارو فالس.

وفي مناسبة إطلاق الفيلم أصدر المعلم الأكبر لـ “فرسان كولومبوس” كارل أندرسون بيانًا أكد فيه أن يوحنا بولس الثاني حمل معه تجدد الثقة والفرح في عيش الحياة المسيحية، وهذا ما تبين من خلال احتفال تقديس خوان دييغو في مكسيكو سيتي وفي مناسبات أخرى، شأن الأيام العالمية للشبيبة في بوينوس أيريس بالأرجنتين، دنفر بالولايات المتحدة وتورونتو بكندا.  كذلك أطلق البابا الراحل نداء متجددًا للحفاظ على الكرامة البشرية ونشر إنجيل الحياة واحترام حقوق السكان الأصليين، فضلا عن تعزيز الالتزام لصالح الفقراء في أميركا الشمالية والجنوبية.

دعوة للتواصل

في معظم رسائله وعظاته يركز البابا فرنسيس على أهمية التواصل، ففي رسالته لمناسبة سنة الرحمة المقدسة (2016)، وتحت عنوان “التواصل والرحمة: لقاء مثمر” قال: “إننا مدعوون للتواصل كأبناء الله مع الجميع، من دون استثناء. وعلى وجه الخصوص، فإن من ميزات لغة الكنيسة وأعمالها إيصال الرحمة، لتلمس هكذا قلوب الأشخاص وتعضدهم في المسيرة نحو ملء الحياة التي يسوع المسيح، المرسل من الآب، جاء ليحملها للجميع. يعني أن نقبل في داخلنا وننشر من حولنا دفء الكنيسة الأم، كي يكون يسوع معروفًا ومحبوبًا؛ ذاك الدفء الذي يعطي جوهرًا لكلمات الإيمان ويشعل في البشارة والشهادة “الشرارة” التي تحييهما”.

أضاف: “للتواصل القدرة على بناء جسور وتشجيع اللقاء والاندماج، مغنيًا هكذا المجتمع. ما أجمل أن نرى أشخاصًا ملتزمين بأن يختاروا بعناية كلمات وأعمالا لتخطّي سوء الفهم، وشفاء الذاكرة المجروحة وبناء السلام والتناغم. باستطاعة الكلمات أن تمدّ جسورًا بين الأشخاص، والعائلات، والمجموعات الاجتماعية والشعوب، وذلك سواء في البيئة المادية أو الرقمية. وبالتالي، فلتكن الكلمات والأفعال تلك التي تساعدنا على الخروج من الحلقات المفرغة للإدانة والانتقام والتي لا تزال تحاصر الأفراد والأمم، وتقود إلى التعبير برسائل كراهية. إن كلام المسيحي، في المقابل، يقصد تنمية الشركة، وحينما يكون عليه أيضًا إدانة الشرّ بحزم، يسعى لئلا يقطع أبدًا العلاقة والتواصل”.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: