طريق السماء…

    

أحد الأبرار والصدّيقين متّى 25، 31-46

نتأمَّل، في هذا الأحد المبارك، بعطيَّة الله الكبرى التي وهبها لمحبِّيه البشر، وهي أن يشاركوه في المجد السماوي إلى الأبد، ونقف عند أمرين اثنين:

1- ما هي الطريق إلى السماء؟

حين قال المسيح: «أنا الطريق والحقّ والحياة»، رسم لنا من حيث ندري أو لا ندري، الطريق المؤدِّية إلى الخلود بجوار الله الآب. لقد وصف المسيح هذه الطريق أكثر من مرَّة في أحاديثه مع الناس يوم كان على الأرض بالجسد، فحينًا وصفها بالضيِّقة والصعبة، لأنَّ السهولة وطلب الرخاء بالعيش وتلبية كل ما تشتهيه النفس، يبعد بعض الناس عن السبيل المستقيم.

لمن شاء أن يتعلَّم كيف يسير على هذه الطريق قال: «تعلَّموا منِّي، أي من سيرتي وسلوكي وكلامي وأفعالي. فالمحبَّة بلا حدود ونجدة المظلوم وإطعام الجائع والمسامحة حتَّى للجلاَّدين والابتعاد عن كلِّ ما يدنِّس هيكل الروح القدس والكلام المعزِّي البنَّاء وترك البغضاء والحسد والغيرة القاتلة، كلُّها أمور تساعد الإنسان على الوصول إلى الطريق المؤدِّية إلى السماء. أمَّا الحدث الذي لا غنى عنه لدخول عالم الخلود في المجد السماوي فهو الإيمان بأنَّ المسيح هو ابن الله الحي فادي البشر والمعموديَّة بالروح القدس.

يعتقد البعض لا بل كثر من الناس، أنَّ الحياة الرهبانيَّة في الأديار والمحابس، أو الكهنوتيَّة في الخدمة والصلاة، تفتح الطريق إلى السماء. لا شكَّ في أنَّ هذه الحياة المكرّسة هي إحدى الطرق التي تساعد الإنسان على خلاص نفسه، لكنَّها ليست الطريق الوحيدة، لأنَّ كلَّ إنسان حيث هو، في العائلة مع شريكه في الحياة والاولاد، في العمل حيث يجاهد من أجل لقمة العيش الشريفة، في الحقل حيث يزرع ويحصد، في المدرسة حيث يربِّي ويعلِّم، وفي ميادين العمل كالمهن والحرف والوظائف، يستطيع أن يعيش الفضائل الإلهيَّة والقيم الإنسانيَّة التي تساعده، إلى جانب الإيمان بالمسيح الفادي، إلى دخول المجد السماوي والعيش مع الأبرار والصدِّيقين إلى الأبد. وحين سُئِل قداسة البابا عن عدد الطرقات التي تؤدِّي الى السماء أجاب: إنَّها على قدر عدد جميع الناس.

2- كيف يتبرَّر الإنسان؟

يتساءل كُثُر: هل يستطيع الإنسان الخاطئ أن يدخل السماء؟ وكيف يتبرَّر ويتطهَّر من خطاياه؟ حين تجسّد المسيح ابن الله وأخذ الطبع البشري ومات على الصليب فداء عن كلِّ الناس، وقام معلنًا انتصاره على الخطيئة والموت والشيطان، بيَّن لنا، بشكل لا يقبل الشك، أنَّ الانسان الخاطئ يتبرَّر بعمل الفداء الخلاصي الذي أتمّه المسيح محبَّة لجميع الناس.

أمَّا الخطايا التي يقع فيها الناس لغاية اليوم وتعيق دخول الإنسان إلى جنّة أبينا السماوي، فلم يتركها المسيح من دون علاج، لذلك أوجد لنا الأسرار التي نعيشها في انتمائنا إلى الكنيسة المبرَّرة المقدَّسة لأنَّها جسد المسيح. فبالمعموديَّة تغفر خطيئة الطبع البشري التي وثناها عن آدم الخاطئ، وبالتوبة والاعتراف تغفر الخطايا الشخصيَّة التي يقع فيها الانسان. فالتوبة والاعتراف دليل على رحمة الله الواسعة التي لا تريد موت الخاطئ بل عودته عن خطئه ليدخل حظيرة الأمان.

بالتوبة والاعتراف يعود الإنسان إلى حالة البرارة التي اكتسبها بالمعموديَّة، لذلك دعانا المسيح مرارًا إلى أن نكون مستعدِّين لأنَّنا لا نعرف متى تأتي الساعة، فإن كنَّا على استعداد دخلنا المجد السماوي وعشنا مع الأبرار والصدِّيقين إلى الأبد.

هذا وقد أوجدت رحمة الله المطهر الذي حين يعبره الخاطىء يتطهَّر ويتنقَّى عملاً بكلام الرؤيا: بالنار سوف يُمتحن كلُّ شيء. ولا بدَّ من الطهارة الكاملة لدخول السماء، لأنَّ الظلمة الآتية من الخطيئة لا يمكن أن تلتقي بالنور السماوي.

اترك رد