ليلى

 

 

الصفحة 136…

البهوُ صالةٌ واسعةٌ تناثرتْ بها الأشياءُ البسيطةُ بشكلٍ منسقٍ، بيانو أسود في الزّاوية، أمامهُ كرسيٌّ من نّفس اللّون يناسبُ حجمهُ، أريكةٌ ومكتبٌ صغيرٌ ومدفَأةٌ ولوحاتٌ وصورٌ على الحائط، تلفازٌ مسطحةٌ مشدودةٌ إلى الحائط تكادُ تلامسُ الأرضَ.

تجلس أمامها ليلى ذات الأربع سنوات، تتفرّج على رسُومِها المتحركة، حركاتها تظهرُ وصوتها يكاد لا يُسمع. عيناها اللوزيتان تنوسانِ بين التّلفاز وبين العجين الذي تطّوعه بيديها مُشكِّلَةً به مجسمات تُحاكي أشكال الواقع. ألعابٌ أُخرى على الطاولة الصغيرة، أَيّباد أسود صغير بحجم كتاب الجيب، تقضي مُعظم وقتها هكذا، حينما تكون في البيت، تلعبُ وهي جالسة أو منبطحة. تتفرّج على التلفاز أو ترسم على لوحة الآيباد. غالبا ما ترفع نظرها نحوي، انشغلُ عنها بقراءة رواية بين يداي، الصفحة 139، الرواية جلبتها معي، بين أغراض سفري، أرفعُ نظري نحوها أجدُها هي الأخرى تريدُ أن تقول شيئا ما… تبتسمُ، وأرد الابتسامةَ بابتسامةٍ أكبر، أودّ أنْ أسأَلها: ـ كيف تسمعين رُسومك بذاك الصوت الذي لا يُسمع؟

أود أن أسأل، لماذا تضعون التلفاز على الأرض في حين نعلقه نحن فوق رؤوسنا. لكن، كيف لي أن أترجم، كأنها عرفت أني أريد أن أقول شيئاً، فتركت لُعبها واتجهت نحوي بابتسامةٍ مشرقةٍ تقصدني، براءةً يافعة تتحرك نحو مكتبي، ملاكٌ أبيضُ الوجه، أشقرُ الشّعر، يتجهُ نحوي بخُطى لا تكاد تُسمع، في حين تجاهلتُ خيالها، لماذا هذا المكر؟ !!

الصفحة 143 من الرواية، أقرأ بشفتين مُتحركتين، كأني أمضغ هواءً وذهني منشغلٌ، يقرأ ما تقوم به ليلى من حركاتٍ، إنّها تتوجه نحوي بوجهٍ متسائل والعجينُ بين يديها بألوان مختلفة، وقفتْ على مكتبي، عيناها تنوسان بين صفحات الرواية المفتوحة على منتصفها وسحنة وجهي. أتحاشاها لا أزال، منشغلا بأحداث الرواية بين يدي، الصفحة 144، في حين ظلت متسمرةً في مكانها تتفرّس قسمات وجهي وتنظر نَحْوَ الكِتاب الذي يَشْغَلُنِي عنها، كأنّ لسانَ حالها يَقُولُ: ما الذي يُشْغله بهذا الشّكل ؟ لعلّها تَقُول ذَلك، أحقيقة تودّ سَمَاعَ مَا أقرأ؟ الصفحة 144، شرعتُ بالقراءة بصوتٍ مُرتَفِعٍ، فتحتْ عينيها براءةً أكثر على اتساعهما، مُنبهرةً، متوثبةً لسماع المزيد، شجّعني اهتمامُها بأنّ أقرأ بصوتٍ مُرتفعٍ. الصفحة 145، تماهيتُ وأعجبني صوتي يتردد في آذن صاغية، ويردّد البّهو أصواتي، بعدما كان يردّد فقط أصواتَ اللّغة الإسبانية، غدا صوتي مسموعاً، أجدُ له معنى الآن لدى ليلى، أقرأ اهتماما في مَلامحها، تتلوّن بحسب مَعاني أحداثِ الرواية، ينقبضُ تنفسها حين أصلُ إلى مقطعٍ يَكُون فيه البَطل مُنقبضاً وتنفتح سريّرتها حين تنفرج ظُروف البطل… أحقاً تعرفُ اللّغة العربيّة؟!! … إنهّا تفهم !! 

الصفحة 147، بطلُ الرواية في أزمة، انشغلتُ عن ليلى بالبرنامج السرديّ للرواية، تماهيتُ أكثر، انغمستُ مع لذةِ البطل وهو يتلذذُ بتعذيب ذاته، أهمّ مقطعٍ في الرواية، أقرأه الآن، لعلّ ليلى الآن تبكي مُتأثرة بما يجري، وحين فرغتُ من المقطع وجدتُ ليلى رجعتْ إلى تلفازها الصّامت تُداعب عجينها…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: