اللجوء الفلسطيني في لبنان: واقع العيش وإرادة التقدم

في عام 2016، أصدرت «لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني» كتابها بعنوان «اللجوء الفلسطيني في لبنان: كلفة الأخوة في زمن الصراعات». استكملت اللجنة هذا العام إصدار الجزء الثاني بعنوان: «اللجوء الفلسطيني في لبنان: واقع العيش وإرادة التقدم». وقد سعت في الجزءين إلى اعتماد المعلومات والمعطيات الدقيقة حول واقع اللجوء الفلسطيني بديلاً من اللغة الأيديولوجية التي سادت طويلاً من مختلف الضفاف في التعاطي مع هذا الواقع. يتركز الجزء الثاني على العناوين الحيوية في قضايا ومشاكل عيش اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. صدر الكتاب عن «دار سائر المشرق» في بيروت في آب (أغسطس) 2017.

إذا كان الجزء الأول من تقرير اللجنة تطرق إلى الإطار السياسي العام لنشوء القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين بفعل سيطرة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، فإن الجزء الثاني يتناول الحالة المعيشية للاجئين الفلسطينيين على الصعد الاجتماعية والمعيشية والصحية والتعليمية والمهنية وغيرها. لا يفصل تقرير اللجنة الواقع الفلسطيني عن السياق اللبناني والإقليمي العام، فالضغوط على البلدان العربية والمضيفة للاجئين تطاول في حيز كبير منها الوجود الفلسطيني. يترافق ذلك مع الإصرار الإسرائيلي على رفض الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بل تعطيل سبل الوصول إلى حلول عادلة تضمن توفير الحد الأدنى من الحقوق المعترف بها دولياً.

يتعرض التقرير إلى الأوضاع الاجتماعية في مخيمات اللاجئين، فيشير إلى أن واقع الفلسطينيين لا يُقرأ بمعزل عن سياق تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. فمنذ النكبة في عام 1948، ومعها الانتشار الفلسطيني، ظلت السمة الثابتة هي المعاناة من الفقر والحرمان وتدني مؤشرات التنمية. سعى الفلسطينيون في السنوات التالية وحتى اندلاع الحرب الأهلية إلى التركيز على التعليم لتحسين أوضاعهم وتسهيل إمكانية الهجرة إلى الخليج. ولعب التعليم في المجتمع الفلسطيني كرأسمال اجتماعي، دوراً في حفاظ الفلسطيني على هويته الوطنية وعدم الذوبان في المجتمعات المضيفة. وشكلت الحرب اللبنانية منعطفاً في الوجود الفلسطيني في لبنان. زال الشعور بالاستضعاف والدونية ليحل محله إحساس بالكرامة والقوة من خلال قتال العدو الإسرائيلي، ولاحقاً من خلال العمل المسلح على الأرض اللبنانية. في هذه الفترة، وحتى الانسحاب الفلسطيني في عام 1982، تم ضخ موارد مالية كبيرة في المجتمع الفلسطيني، وتراجعت أولوية الشان المعيشي بمعناه الاقتصادي والاجتماعي الإنتاجي لمصلحة أولوية الشأن السياسي والعسكري والأمني. بعد الخروج الفلسطيني الكبير، حصل تراجع في مستوى المعيشة، وفي القدرة على التعامل مع متطلبات الحياة التي ارتفعت أكلافها في شكل مطرد بعد الحرب.

في ما يتعلق بالخصائص السكانية العامة، فإن أكثر من نصف اللاجئين يعيش في المخيمات، فيما يتوزع الباقون على المدن والبلدات اللبنانية. يعيش معظم سكان المخيمات أوضاع سكن وصحة وبيئة صعبة. فمعظم البيوت تعاني نقصاً في الصيانة وسوء التهوية والرطوبة وتسرب المياه، فضلاً عن مشكلة النفايات وصعوبة التخلص منها، وغياب شبكات الصرف الصحي، ونقص المياه الصالحة للشرب، وتقطّع التزود بالكهرباء.

وعندما نتناول واقع القوى العاملة الفلسطينية، تبرز أمامنا صورة عما يواجه العاملون من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة ومعقدة. إن هذه الظروف الصعبة ناجمة، في جزء منها، عن آليات الاقتصاد اللبناني، ولكنها في جزء آخر وأساسي ناتجة من القيود التشريعية اللبنانية، وبعض الممارسات التي تحول دون وصول العاملين الفلسطينيين إلى فرص عمل لائقة. وفي حال حصول اللاجئ على فرصة عمل، فإنه محروم من الحماية الاجتماعية وخصوصاً من الضمان الاجتماعي، وتوقيع عقد عمل مكتوب ومصرّح عنه وفق الأصول، إضافة إلى الأجر الأقل مما يناله العامل اللبناني. تجدر الإشارة إلى أن حجم القوة العاملة الفلسطينية هي بحدود 90 ألف عامل، من أصل عدد اللاجئين المقيمين في لبنان والذي يصل إلى 200 ألف لاجئ.

لاتزال قضية تملُّك الفلسطينيين مثار جدل في لبنان. قبل عام 2001، كان يحق للفلسطينيين تملُّك عقارات من دون ترخيص مسبق وبحدود معينة وفق قانون اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية. لكن بعد الحملة التي سادت حول مسألة التوطين واتخاذها أبعاداً واسعة خلال الحرب الأهلية وبعدها، عمد المجلس النيابي إلى إقرار قوانين جديدة جرّدت الفلسطينيين من حقهم السابق في اكتساب الملكية العقارية، باعتبار أن هذا التملُّك يتعارض مع الدستور الذي بات يرى في أي تملّك وسيلة باتجاه التوطين.

من المعروف تاريخياً الاهتمام الذي يوليه الفلسطينيون بالتعليم، يراه البعض تعويضاً عمّا لحق بهم من إجحاف وخسائر وطنية ومادية ومعنوية بفعل الاحتلال والتهجير من أرضهم. في لبنان، تتولى «الأونروا» توفير خدمة التعليم للاجئين الفلسطينيين. لا تتضمن البرامج التعليمية التي يتابعها الطلاب الفلسطينيون، سواء في الأونروا أم في المدارس الخاصة أي سياسة تربوية فلسطينية ذات توجُّه في بعدها العام الوطني والثقافي العام. هذا الغياب يحرم الفلسطينيين من اكتساب ثقافة ووعي يعززان انتماءهم لقضيتهم الوطنية، بوصفها قضية صراع ومواجهة تاريخية وحضارية وثقافية. فالأونروا تعتمد مناهج الدول المضيفة، لكنها استطاعت أيضاً إنتاج كتب مدرسية ومواد تعليمية إضافية، تركز على التراث الوطني الفلسطيني وعلى القيم والتقاليد الفلسطينية. في المقابل، يواجه التعليم والحصول عليه بالنسبة إلى الفلسطينيين ظروفاً وأوضاعاً صعبة يرتبط بعضها بمستوى الخدمات التعليمية التي تقدمها الأونروا، وبعضها الآخر بالأوضاع الأمنية داخل بعض المخيمات.

في الانتقال إلى الأوضاع الصحية في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، يشير التقرير إلى ما تعانيه المخيمات والتجمعات الفلسطينية من مشكلات صحية مركبة ومتعددة الأسباب. فهناك تدنٍّ في المستوى المعيشي ومعه مستوى الدخل، وحال الحرمان والفقر السائدة في المخيمات وفي أوساط اللاجئين عموماً، وهو أمر يؤثر سلباً في الأوضاع الغذائية والصحية. إضافة إلى ذلك، هناك المشكلات الصحية الناجمة عن بيئة السكن غير الصحية في المخيمات عموماً، والتي تعاني في الأصل من نقص الخدمات وتدهور نوعيتها، ومن الاكتظاظ السكاني ووضع السكن السيء. يضاف إلى كل ذلك المشكلات الناجمة عن سوء الرعاية الصحية. فاقم الأمر سوءاً في السنوات الأخيرة تقلص خدمات الأونروا الناجمة عن نقص الدعم الذي كانت تقدّمه بعض البلدان، وهو ما أصاب خدمات الأونروا وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بمشكلات فاقمت الوضع الصحي في شكل كبير.

نتيجة تشتت الشعب الفلسطيني بعد نكبة عام 1948، وما رافقه من تجزئة وحدته السياسية والقانونية، حاول الفلسطينيون عبر مجتمعات الشتات التي انتشرت في البلدان الموجودين فيها، ومنها لبنان، إيجاد آليات وديناميات للتكيف مع الواقع الجديد، حفاظاً على بقائهم واستقرارهم. في هذا المجال، لعب المجتمع الأهلي، المستند إلى الأواصر العائلية التقليدية دوراً أساسياً في الحفاظ على قيم التعاون والتعاضد والتماسك الاجتماعي. كما ساهمت اللجان الشعبية والروابط الطالبية والنقابية والجمعيات في تمتين اللحمة والتماسك.

يشكل تقرير لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني المنشور في هذا الكتاب مرجعاً مهماً في الإضاءة على حال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خصوصاً أنه استند إلى الموضوعية وانعدام التحيز، السلبي أم الإيجابي، في قراءة الوقائع ومترتباتها. وهو يسدّ ثغرة مهمة، خصوصاً أن هذا الموضوع لايزال مدار تلاعب أيديولوجي وفزاعة يجرى استحضارها في الصراع السياسي اللبناني الداخلي في شكل دائم.

 

اترك رد