التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا

لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا، إن الأدب الكلاسيكي الروسي، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة العالمية. فهو يحتوي على عدد كبير من الروائع الأدبية، التي لا زالت تحتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي.

وهذه حقيقة يعترف بها كل متذوق للأدب الرفيع، أتيح له الدخول الى العالم الساحر لعمالقة الأدب الروسي، عالم  العواطف الجياشة والمصائر التراجيدية، الزاخر بالقيم الإنسانية، والأخلاقية، والروحية المشتركة بين البشر، بصرف النظر عن العرق والدين والثقافة، لذا فهي مفهومة وممتعة لجميع محبي الأدب الحقيقي في العالم حتى يومنا هذا.

عندما اطلع القارئ الغربي على الأدب الروسي الكلاسيكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقع في عشق هذا الأدب. ولم يمض وقت طويل حتى شرع نقاد الأدب في أوربا ومن ثم في أميركا، يتناولونه بالبحث والدراسة، وأخذ عدد كبير من الكتاب الغربيين يتعلمون منه تقنيات الكتابة.

كان  القرن الماضي، قرن الأدب الروسي الكلاسيكي  في الرواية، والقصة، والمسرح، والسينما. قرن تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف، ولم يستطع أي أدب،  قومي او وطني في ابعد زاوية من عالمنا الفسيح، أن يتجنب تأثير هذا الأدب الملهم، الذي ترجمت روائعه الى أكثر من (170) لغة من لغات العالم مرات عديدة، وصدرت في طبعات متلاحقة، وحولت الى افلام سينمائية ناجحة في هوليود وفي بقية انحاء العالم. ويكفي ان نقول ان السينما العالمية أنتجت (234) فيلماً، مستوحاة من قصص ومسرحيات أنطون تشيخوف، منذ ظهور السبنما الصامتة وحتى اليوم .

الأدب الكلاسيكي الروسي ، هو أدب “الموضوعات الأزلية” ، فقد حاول الكتّاب الروس الإجابة عن أسئلة الوجود الأساسية: معنى الحياة ، وطبيعة الإنسان، والخير والشر،  ووجود الخالق . وحاول كل منهم الإجابة عن تلك الأسئلة بطريقته الخاصة، وتجسيد البطل النموذجي لزمانه .

لن نستطيع أن نفهم روسيا، وكيف وبماذا يفكر الروس، من دون أن نقرأ لهؤلاء ولغيرهم من كبار الكتّاب الروس. حقاً لقد تغيّر الواقع السياسي ، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي في روسيا كثيراً منذ ذلك الحين، نتيجة للأحداث العاصفة، التي شهدتها خلال تأريخها الحديث، ولكن ( الروح الروسية ) بقيت تقريباً كما كانت في العصر الذهبي للأدب الروسي في القرن التاسع عشر، لأن تغيير الإنسان أصعب من تغيير الواقع المادي.

الإنسان – أي إنسان – لا يتغير، الا ببطء شديد. فقد أخفق البلاشفة في خلق انسان سوفيتي وفق مقاييسهم القيمية طوال (73) عاما من التلقين الأيديولوجي. ولن نفهم روسيا اليوم، ولا الروح الروسية، الا بالرجوع الى الأدب الروسي الكلاسيكي، وهذا صحيح الى حد كبير بالنسبة الى بقية شعوب العالم،  فالأدب الحقيقي يعكس العالم الروحي لأي شعب وثقافته.

كان الأدب الروسي هو المعبر الحقيقي عن الواقع الروسي، وعن تطلعات الجماهير وطموحاتهم وآمالهم، وعن أفكار العصر التقدمية، ولعب دوراً اساسياً في تشكيل وعي جمعي  يناهض الظلم، ويسعى الى الحرية والعدالة الاجتماعية. وهو الذي هيأ المناخ العام للثورتين الروسيتين في شباط، واكتوبر 1917. ولعل ابلغ دليل على ذلك هو أن زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين، كتب قبل ثورة اكتوبر أربع مقالات عن أدب وآراء ليف تولستوي، ودوره المؤثر في الأدب الروسي والعالمي، وفي تنوير واستنهاض المجتمع الروسي، وبضمنها مقاله الشهير تحت عنوان “تولستوي كمرآة للثورة الروسية”. وكثیرا ما كان لينين يهاجم خصومه عن طريق مقارنتهم بشخصیات غیر محبوبة وأحیانا ھامشیة استمدھا من الأدب الروسي .

كان الكتّاب الروس دوما معلمي الشعب، و”مهندسي الروح البشرية”. وكانت أعمالهم الأدبية بمثابة غذاء فكري وروحي للنخب الثقافية. ولما كانت المعارضة السياسية، وكل وسائل التعبير عن الرأي، تقمع بشدة في ظل الأنظمة الروسية المتعاقبة، فإن الأدب أصبح المتنفس الوحيد للمثقفين. ولعل هذا الدور العظيم الذي نهض به الأدب الروسي هو الذي دفع تلك الأنظمة الى توظيف الأدب كسلاح سياسي لخدمة مصالحها وأهدافها.

كان القياصرة الروس وحكام الكرملين قراءً  نهمين للأعمال الأدبية – ليس لأنهم كانوا من هواة القراءة – بل من اجل فرز الأعمال (المضرة) بالنظام القائم – من وجهة نظرهم – عن تلك التي يمكن توظيفها لترسيخ وتعزيز هيمنتهم على السلطة. وحاولوا تحويل الادب الى اداة سياسية قوية، وسنرى في الفقرات اللاحقة كيف جرى التوظيف السياسي لأهم الأعمال الأدبية الروسية الكلاسيكية.

بوشكين

القيصر رقيباً على شعر بوشكين

لم يكن أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين ( 1799 – 1837 ) على وفاق مع السلطة القيصرية، بسبب تأييده لانتفاضة ( 14 ) ديسمبر 1825 ، التي تحدت تنصیب القیصر نیكولاي الأول. ومارس هذا الأخير شخصيا، بعد توليه السلطة دور الرقيب على نتاجات بوشكين، ومنع نشر بعضها. وعانى الشاعر من النفي والتضييق. ويقال ان السلطة كانت وراء مصرعه في مبارزة خطط لها القصر الإمبراطوري بذكاء للتخلص منه.

النظام السوفيتي ثمّن عالياً قصائد بوشكين، التي تغنى فيها بالحرية والعدالة، منتقداً النظام القيصري: “أيها الحاكم المتغطرس أكرهك وأكره عرشك” وتأييده للديسمبريين ( ثوار انتفاضة ديسمبر 1825 )، كما أشاد البلاشفة بملحمته الشعرية الرومانسية “غافريليادا” التي كتبها الشاعر في عام 1821، عندما كان في ريعان الشباب، وهي محاكاة ساخرة ولطيفة لبعض الأحداث الواردة في الكتاب المقدس حول (حواء وآدم ) و( السيدة العذراء )، وفيها مقاطع إيروتيكية رائعة عن الحب والجمال الأنثوي. وكان هدف النظام السوفيتي من هذه الإشادة هو الإيحاء للقارئ بأن بوشكين كان ملحداً، وهذا تفسير مغرض لهذه الملحمة البديعة بصورها الأخاذة، وطابعها المرح اللطيف، حيث تتجلى فيها عبقرية بوشكين المبكرة . أما قصائده الوطنية، التي يمجّد فيها روسيا القيصرية مثل قصيدة “الى المفترين على روسيا” و قصيدة “رجاء المجد والخير” فكان النظام السوفيتي يزعم ان الشاعر قد كتبها تحت ضغط الرقابة القيصرية.

وفي عهد بوتين نجد  تقييماً  يناقض تماماً، التقييم السوفيتي للمنجز الشعري لبوشكين، حيث يرى النظام الحالي ان قصائد بوشكين الوطنية، التي مجّد فيها روسيا العظيمة، هي انجازاته الشعرية الحقيقية. أما مناداته بالحرية والعدالة، والدفاع عن الثوار الديسمبريين، وعن المضطهدين في روسيا والعالم، ومحاكاته للكتاب المقدس، فهي في نظر النظام الحالي، من طيش الشباب، ومن أخطاء الشاعر الفظيعة. ويزعمون ان الشاعر نفسه قد ندم على كتابتها.

تولستوي

القيصر ليف تولستوي

كتب الكاتب والناشر أليكسي سوفورين (1834 – 1912 )  في دفتر يومياته بتأريخ 29 أيار 1902  يقول “لدينا قيصران : نيكولاي الثاني ، وليف تولستوي. أيهما أقوى؟”. إن نيكولاي الثاني ، لا يستطيع ان يهز عرش تولستوي، ولا أن بفعل شيئاً ضده، في حين أن تولستوي قادر بكل تأكيد على هز عرش نيكولاي وسلالته. انهم يلعنون تولستوي. والسينود، أي (المجلس المسكوني) غاضب عليه. ولكن بوسع  تولستوي ان يرد عليهم بمنشور سرعان ما يتلقفه الناس في روسيا، وينشر في الصحف الأجنبية. جربوا! من يستطيع أن يمس تولستوي بشعرة؟

ان التأثير الطاغي لعملاق الأدب الروسي، لم يقتصر على الشرائح المتنورة في المجتمع، بل شمل معظم افراده. حتى الفلاح البسيط ، الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، كان يعرف ان تولستوي كاتب عظيم ومصلح اجتماعي مهيب.

كانت علاقة تولستوي بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية سيئة. وكان يقول إن “الدين نبع ماء صاف، ولكن رجال الدين يلوثونه، ثم يقولون للناس تعالوا أشربوا من هذا الماء”.

كشف تولستوي زيف رجال الدين، والكنيسة، التي اتهمها بعدم مناصرتها للفقراء والوقوف مع القياصرة والظلم. فكفرته الكنيسة وأبعدتهُ عنها وأعلنت حرمانهُ من رعايتها عام 1901.

وبطبيعة الحال فإن السلطة السوفيتية اعتبرت هذه العلاقة السيئة أمراً ايجابياً. اما اليوم فإن نظام بوتين – المتحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية – يرى عكس ذلك تماماً، ويعد موقف تولستوي من الكنيسة أمراً سلبياً للغاية. ولعل ابلغ دليل على محاولة بوتين التقرب من الكنيسة، هو ان الدولة تجاهلت الذكرى المئوية لوفاة تولستوي (1910 – 2010 ) انصياعاً لموقف البطريركية الأرثوذكسية، التي رفضت عودة تولستوي اليها، رغم اعترافها بعبقريته.

دوستويفسكي

دوستويفسكي بين ستالين وبوتين

كان ستالين قارئاً نهماً، ويقال إن مكتبته الشخصية في الكرملين كانت تضم نحو (30) ألف كتاب، ومكتبته في بيته الريفي نحو (10) آلاف كتاب في شتى حقول المعرفة، بينها أهم الأعمال الأدبية الكلاسيكية الروسية والعالمية. وكان يردد غالباً اقتباسات من نصوص الكتاب والشعراء الروس العمالقة، ولكنه لم يكن بوسعه أن يغفر لدوستويفسكي رواية “الشياطين”. وهي رواية صدرت عام 1872، وترجمها سامي الدروبي الى العربية نقلاً عن اللغة الفرنسية في الستينات من القرن الماضي، تحت إسم “الموسومون”. ويشير الاسم إلى السياسيين المهوسين بالعنف، ويشبههم الكاتب بالذين أصابهم مسٌ شيطاني

تعد “الموسومون” من أفضل الروايات السياسية، التي تتناول علاقة التنظيمات الثورية المعارضة بالطبقة الاستقراطية الحاكمة في الإمبراطورية الروسية، حيث يصور فيها دوستويفسكي بعمق  سايكولوجي لا نظير له، مدى توغل الأفكار اليسارية في المجتمع الروسي، والصراع المرير بين طبقات الشعب. رواية تدين سفك الدم، وإحراق المنازل من اجل احداث التغيير. وتسخر من المعارضة والليبراليين. وتعد هذه الرواية  نبوءة تستشرف سلبيات الثورة البلشفية قبلَ وقوعها، ولهذا مُنعت الرواية وصودرت في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الإشتراكي. وقد حاول البلاشفة بكل السبل، التعتيم على عظمة دوستويفسكي، وعدم اعادة نشر هذه الرواية والعديد من اعماله الادبية الأخرى.

كما منع البلاشفة نشر (يوميات الكاتب)، التي تتضمن هجوماً عنيفاً على الراديكالية الثورية. ولقيت رواية دوستويفسكي “مذكرات من البيت الميت”، إنتقاداً شديداً، لأن المعتقلات القيصرية كانت تذكّر القراء بالمعتقلات السوفيتية.

كان مما يقلق دوستويفسكي، الإلحاد والاباحية والانحلال، لذا كان مؤلف “الجريمة والعقاب” يعد رجعيا في نظر الحزب الحاكم، ومصيره التجاهل والإهمال. وكانت التهم الموجهة اليه، هي: التشاؤم، الموقف العدائي من الثورة ، اللاعقلانية، والتدين. وهي الاسباب ذاتها التي تجعل من دوستويفسكي اليوم الكاتب المفضل لدى بوتين.

ان “الجريمة والعقاب” و “العبيط” و”الشياطين” و”الأخوة كارامازوف” ليست مجرد روايات، بل مؤشرات على ما يمكن أن يحدث لروسيا اذا لم تعد الى جذورها، الى ما قبل عهد بطرس الأكبر.

التوظيف السياسي لأفكار دوستويفسكي

لا تمتلك روسيا البوتينية أيديولوحية عالمية مغرية وجاذبة، كالتي كان الاتحاد السوفيتي يواجه بها الغرب الرأسمالي، لذا فإنها تستعين بأفكار وآراء عدد من الكتّاب والفلاسفة الروس، التي يمكن استخدامها لغايات سياسية.

يبدو بوتين أمام الكاميرات وفي لقاءاته مع الكتاب والشعراء الروس – على النقيض من ستالين – مفتونا بدوستويفسكي، ويحاول استغلال رواية “الموسومون” في محاربة المعارضة، الليبرالية منها واليسارية على حد سواء، وضمان تأييد الناخبين الروس الذين ما زال أغلبهم يبجلون عمالقة الأدب الكلاسيكي.

وهذا الافتتان الظاهري بدوستويفسكي، هو الذي جعل الساسة والصحافيين في الغرب يعتقدون ان فلاديمير بوتين يؤمن بأفكار دوستويفسكي. ولكننا نرى أن الأمر مجرد استغلال لبعض جوانب أعمال هذا الكاتب العظيم لخدمة النظام الحالي في روسيا، وهي الجوانب ذاتها التي انتقدها النظام السوفيتي. حيث كان الكاتب العظيم يعتقد ان لروسيا رسالة سامية، وهي تحرير الشعوب السلافية، وتوحيدها بزعامة روسيا. بوتين يحاول اليوم تحقيق هذا الهدف بمعونة الكنيسة الأرثوذكسية، وبالترويج لبعض آراء وأفكار دوستويفسكي، التي تنسجم مع سعي بوتين من اجل استعادة روسيا لدورها كدولة عظمى في العالم.

خلال الحرب الروسية التركية (1877- 1878 )، أكد دوستويفسكي أن الحرب قد تكون ضرورية، إذا كان من وراءها الحرية والخلاص. وأعرَب عن أمله في استعادة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية.

وذكر دوستويفسكي في مُذكَراته، أن الشعب والقيصر يجب أن يكونا صفّاً واحداً: “بالنسبة للشعب، القيصَر ليس سلطة خارجيّة، أو سُلطة لبعض الناس … بل هو قوّة وسلطة للجميع، ولتوحيد جميع الناس”.

ان ما يجذب بوتين في دوستويفسكي ليس العمق السايكولوجي لروايات الكاتب العظيم، بل افتتانه بدوستويفسكي البيزنطي، الذي طوّر في” الأخوة كارامازوف” وجهة نظر التصوف الأرثوذكسي، الذي يحلم بانتصار الكنيسة، والقضاء على الإلحاد الثوري ، الذي يهدد دور ونفوذ الكنيسة في المجتمع.

ذات مرة وفي اجتماع عقده الرئيس بوتين مع محافظي الأقاليم في الإتحاد الروسي ، أوصاهم بضرورة قراءة روايات دوستويفسكي. وقال: “عليكم بتصفح كتابات دوستويفسكي حول العامل الافرو آسيوي في السياسة الروسية ، فهي ممتعة للغاية ، وكأنها كتبت اليوم”. وقد تبدو هذه النصيحة غريبة للغاية.

ما علاقة مضامين تلك الروايات – التي كتبت قبل حوالى قرن ونصف – بإدارة الأقاليم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟. لقد كان لدوستويفسكي حسساسية بالغة ازاء التيارات الليبرالية والعدمية التي اجتاحت الثقافة الروسية والغربية، ونصيحة بوتين دعوة صريحة لعدم التسامح مع مثل هذه التيارات في ايامنا هذه.

لا يشير بوتين الى تولستوي إلا نادراً ، ويركز على أقوال دوستويفسكي ، الذي كان يؤمن بالتفوق الروسي. وهذا يناقض تماماً اعتقاد تولستوي بعالمية التجربة الإنسانية ، بغض النظر عن القومية، والثقافة، والدين. بوتين اختار دوستويفسكي، الذي كان يعتبر روسيا أكثر الدول المتطورة روحياً. ولا يقتصر تركيز بوتين على أفكار دوستويفسكي، بل غالباً ما يشير في خطبه الى أقوال الفلاسفة الروس مثل سولوفيوف، وبيردايف، وخاصة ايلين، الذين وقعوا تحت تأثير أفكار دوستويفسكي القومية .

أما تولستوي فقد كان وطنياً أحب شعبه دون مغالاة، أو إحساس بتفوق الروس على الشعوب الأخرى  كما هو واضح في ” الحرب والسلام “. وآمن بأن لكل شعب من شعوب العالم ثقافته المتفردة.

 

اترك رد