إيلي مارون خليل (25)

 

كيف يكون ذلك!؟

بأن يكون الانتظارُ مليئًا! بأن يكون ذا معنى. بأن يكونَ مُلَوَّنًا، قيّمًا، مُشَوِّقًا، مُثيرا، مؤثِّرًا، موحِيًا، خصْبًا، مُخْصِبًا…

وكيف يكون مليئًا، أو ذا معنى، أو ملوَّنًا، أو…!؟

ألانتظارُ الملآنُ هو أن تكون، أنتَ المنتظِر، منتظِرًا منتظَرًا معًا. فإنْ تنتظِرْ، فقط، تكنْ منطفئًا: نفسًا ونوايا ورؤى، وعلى كلّ صعيد! في هذه الحالة، لا معنى للانتظار. لا دَور. لا قيمة. فهو ليس انتظارًا، إنّما هو شكلٌ من أشكال فَراغِ النّفس والرّوح. وإن تُنتظَرْ، فأنت مُشْرِق، مُشتعلٌ. ألمُشرِقُ يجعل سِواه، هو الآخر، مُشرِقًا، نافِذًا، على كلّ شيءٍ قادرًا ناجحًا، منتظِرًا تلك السّاعةَ، “الانتظارَ” الفَرِحَ المُفرِح. مِثْلُ هذا الفرحِ يَغسِلُ النّفسَ ويَصقُلُها، فتتوهَّجُ مُشتعِلةً مُشْعِلةً، مُضاءةً مُضيئةً، ما يجعلها راقيةً مُرَقِّية، إذًا منتظَرةً بالحُبّ الإشراقيّ الأصيل النّبيل.

هذا الانتظارُ الملآنُ ذو معنى، بل مَعانٍ! “حَمّالُ أوجُهٍ”! لكنّها، هنا، إيجابيّةُ الوجوه. وجه الفرح. وجه الطّموح. وجه الإرادة. العزم. النّشاط. التَّفاؤل. هي وجوهُ الحُبِّ والحقّ والخير والجَمال. للحُبّ معاني التّضحيةِ المُسامحةِ الخدمةِ. في التّضحيةِ المُحِبّةِ انتظارٌ شَغِفٌ لتضحيةٍ جديدة! وفي المسامحة، أنت تنتظر تُسامِحُ من جديد! وكذلك في الخدمة! فِعلٌ خيِّرٌ، هو هذا النّمطُ من الانتظار. وتاليًا، به تستدعي أنت، وسِواك، والإنسانيّة جمعاء، كلَّ مرّةٍ، فعلَ خيرٍ جديدًا! وهذه الـ”كلّ مرّة”، لا نهائيّة. والحياةُ فتراتُ انتظارٍ حيويٍّ، بهيٍّ، أخّاذٍ، رصين.

وإنّ هذا الانتظارَ الملآنَ بالمعاني العديدةِ، انتظارٌ ملآنٌ بالألوان. فماذا نعني بالألوان؟

إنّها ألوانُ الفكر والنّفس والرّوح والخيال، بما فيها ولها من اتّجاهات وإشكاليّات وصُوَر وإيحاءات… يختلف بعضُها عن بعضها، ويُكمل بعضُها بعضَها الآخر، ويتفرّع بعضُها من بعضها، كالشّجرةِ تبقى واحدة، بجذعها الواحد، وتربتها الواحدة، وأغصانها العديدة، وازهارها الكثيرة. لا تُخفي أزهارَها عن أحد، ولا تمنع ثمارَها عن أحد. إنّها الشّجرةُ الواحدة المتعدّدةُ، الوحيدةُ الكثيرة. وانتظارُ الفكرِ انتظارٌ لألوانِه، تُطِلُّ جديدةً، مميَّزةً، لافتةً… ولثماره متدرِّجةً في النّضوج والطّعم، تُتَذوَّق وتُشتهى، و… تُنتَظرُ تَهلُّ في موسمٍ أبَدٍ!

وإنّ ألوانَ الفكر إنّما هي تنبثق، حُرّةً، جريئة، متوهّجةً، من نفسٍ أنوفٍ، عزيزة، أبيّة، ذاتِ عنفوان لا ينحني، ولا تكون هذه، إلّا نموذجًا عن روحٍ تُعانقُ المستحيلَ، لا تُشيرُ إلّا إلى الإباءِ والعنجهيّةِ، تَشْحَنُهُ  

شخصيّةٌ قويّةُ البناءِ، عميقةُ التّأثير، أخّاذةُ الإيحاء! يَردُف هذا كلَّه، خيالٌ بعيدُ المَدى، غيرُ مقفَلٍ، مفتوحُ الآفاق، لا يُحَدُّ…

ألانتظارُ! الانتظارُ! حياةٌ ثانيةٌ، حلوةٌ قيّمةٌ، هو. حياةٌ ثانية لأنّك، بوساطته، تحيا لحظاتِك غيرَ مَرّةٍ. بالفكر تحياها، وبالخيال. وقيّمةً تجعلها! لو كنتَ لا تُحِبّ مَن تنتظر، أو ما، لَما انتظرتَ. وإنّك، عَبْرَ انتظارِك، تَهَب المنتظَر قيمةً أهمّيّة دَورًا. تجعل المنتظَرَ حيًّا قبل حُلولِه! وبكونه قيّمًا، فهو يُحَبُّ في حالتَي انتظاره وتَحَقُّقِه.

والانتظارُ مُشَوِّقٌ، مُثيرٌ. فأنت تشتاق إلى مَن تنتظر، إلى ما تنتظر. تنتظر حبيبًا، تنتظر أمًّا، أو أبًا، صديقًا، قريبًا، موعدًا، وظيفةً، حفلةً، مسرحيّة، كتابًا، فيلمًا… أيّا كان موضوع انتظارك، فأنت تشتاقُ إليه. شوقُك هذا يُضاعفُ إحساسَكَ بالحياة، وفرحَك، وشعورَك… وهو، أيضًا، يُثيرُك، يُثيرُ حماستَك، تستعجل حضورَ المنتظَر. إستعجالُك، هذا، يُثير عاطفتَك، فكرَك، خَيالَك… وهذان الشّوقُ والإثارةُ يؤثّران فيك: تفكيرًا وخَيالًا، ويُساهِمان في الإيحاء، يُخصِبان قِواكَ، يجعلُك تتناغم مع الموجودات، تنسجم معها، تحتفل بها… وإذا حُضورُك عيدٌ دائمٌ، وحياتُكَ السّعادةُ كلُّها!

ألانتظار حياةٌ حقّة، وشَغفٌ هائلٌ إليها، وأنت لن تفقد هذا الشَّغَفَ الأكبر!

ألجمعة 12 آب 2016

 

اترك رد