إيلي مارون خليل (22)

 

كثيرًا ما أخذتُ أتساءلُ: “ما الحُبُّ؟ ما الجنسُ؟ أمِن علاقةٍ بينهما؟ ما هي؟ هل تدوم؟ لماذا؟”

هذه أسئلةٌ، ومثلُها كثيرٌ، كانت تطرأ علينا في جلساتنا الحميمة، لكنّنا ما كنّا لنفكّر كثيرًا في الأمر. يطرح واحدُنا السّؤال بسرعة، ولا يُلِحُّ على الجواب. قد يجيب الآخرُ إجابةً سريعة يُرضي من خلالها، ذاتَه والآخَر، وقد لا يركّز، فيأتي الجوابُ هَشًّا، على شيء من طَرافة، أحيانا، فنبتسِمُ، تتلألأُ، مُشرِقة، عيونُنا، فرحًا، تتشابك النّظراتُ والأيدي، وتتواصلُ الآهاتُ والمُلامَساتُ، فننسى الزّمان، وننسى الأحوالَ، وننسى ما يُنسى، وما لا يُنسى، فيفرغُ ذِهنُنا إلّا ممّا يُجدّدُ فينا ما نكونُ فيه، فنسمو معًا، نَرِقُّ، نَشِفُّ، ننصهرُ، نذوبُ، نفيضُ…

وما كان الجنسُ، بذاتِه، ليعني لنا الكثيرَ الأثيرَ المُثير. صحيح! ما كان ليَغيبَ، تمامًا، عنِ البال، لكن لم يكن أوّليًّا في حياتنا، وما كنّا لنحْسَبَه في عِداد غاياتِنا والرّغائب. وظَلَلْنا بعيدَين منه، وبقناعةٍ كلّيّةٍ. كلانا معنيٌّ بالطّهارة. نعدُّها، كنّا، نعمةً أوّليّةً كُبرى، ما كنّا نرغب إلّا في تثبيتِها ما بين ما به نؤمنُ، وإليه نريدُ أن نرتقي، بصرف النّظر عمّا إذا ما كان ذلك من “وصايا” اللهِ أو لا. ما كنّا ننتبه للـ”وَصايا”! كان الأمرُ قناعةً ثابتة عندنا. فالحُبُّ أوّل! وهو، بالنّسبة إلينا، نعمةُ النِّعَم، خُلاصةُ القِيَم.

نِعمةُ النِّعَمِ، هو!؟ كيف لا، وهو يضمُّها ويحتضنُها جميعًا!

فهو صَفْحٌ وتَسامُحٌ ونَقاء، وهو صِدْقٌ وصَراحةٌ ورجاء، وهو طُهْرٌ وتَقوى وصَفاء!.. ما من نِعمةٍ ساميةٍ، عُلْوِيّةٍ، إلّا وجدناها في الحُبّ. فأنت، حين تُحِبُّ، تصفح عن أيّة إساءة وُجِّهتْ إليكَ من أحدهم، مهما كانت، وعمَّن وَجَّهَها! ألحُبُّ يشفي الجسدَ والنّفْسَ. تُحِبُّ؟ يَنْقَ ضميرُك والقلبُ، فكرُكَ والنَّوايا. تمتلك الحُبَّ؟ لا! لا يُمتَلَكُ، هو. ألمادّيُّ يُمتَلَك! هو يمتلِكُك، يوجّهُك، يُصَفّيك، يصهرُك! ويُقَوّيك! أنت تقوى بالحُبّ، إذًا، أنت مُشرِقٌ بنعمتِه! فالصّفْح استتبعه التَّسامُح، استتبعه النّقاء!  

تُحِبُّ؟ تَصْدُقْ قولًا وفعلًا وحياة. يمتلكُك الحُبُّ، فلا تستطيعُ إلّا أن تكونَ الصّدقَ والصَّراحةَ، ما يعني الجرأةَ الثّقةَ الرّؤيا. يُقوّيك الحُبُّ، فتشمخ به، نعمةً كبرى، وإذا الصّدقُ استتبع الصّراحة، والصّراحة استتبعتِ الرَّجاء!

تُحِبُّ؟ فأنت مؤمنٌ. ألحُبُّ إيمان. إيمانٌ بالإنسان، بالنّعمة، بالله! والمؤمنُ تقيٌّ، طاهرٌ، إذًا مُتَحَدٍّ، مواجِهٌ، غيرُ خائفٍ. يُقوّيك الحُبُّ، حُبُّك! فتسمو صامِدًا، عزيزًا، مكافِحًا، ناجحًا. وإذِ الإيمانُ يستتبع التّقوى، والتّقوى تستتبع النّقاء!

إذًا، أفَلا يكونُ الحُبُّ “نِعمةَ النِّعَمِ”؟   

وعليه، فما الجنسُ، وما علاقتهما ببعضهما، وحَتّامَ هي تدومُ، ولماذا!؟  

ألجنسُ آليّةُ لذّةٍ جسديّة، قد تبقى جسديّة إذا كانت ناتجة عن غريزة، أو شهوةٍ، أو ما شابههما. وهذه اللّذّة تنتهي بانتهاء الآليّة المادّيّة، وشبعِ الغريزة، أو انطفاءِ الشّهوة. وهاتان الغريزة والشّهوة تستفيقان إذ تلتقيان بشريك يُشتهى لجمال جسد، لفتنة قامة، لإغراء حسٍّ، وقد لا يكون لعاطفة الحبّ غيرِ القائمةِ، أيّ تأثير. وتاليًا: هذان الشّبع والانطفاء محدودان بعاملَي الحسّ والزّمان، لذلك فمدّتُهما محدودة. هذا نقصانٌ للحبّ. كلُّ نقصانٍ “خطيئة”! كما قد تكون هذه الآليّةُ، آليّةُ الجنس، نتيجةَ نعمةِ الحُبِّ الخَلاصيّ. أقول “نعمة الحُبّ الخلاصيّ”، بما في كلمتَي: “نعمة” و”خَلاصيّ” من معنى قُدسيّ سامٍ. هكذا لا تكون “آليّةً” بل “حَتْميّة” تتويجِ “نعمة الحُبّ الخَلاصيّ” بما هو منها وفيها ولها ويُكمِلُها، وإلّا، فـ”النّعمة” مُصابَةٌ بالنّقصان. كلُّ نقصانٍ “خطيئة”!  

ألّلهمَّ! هبْنا أن نستمرّ في “نِعمة الحُبّ الخَلاصيّ”، فنستمرّ بك وفيك وإليك ومعك إلى الأبد. آمين!

ألجمعة  5- 8- 2016

     

اترك رد