قراءة في كتاب “يا سادة يا كرام قراءة في 60 رواية عربية” للناقد والشاعر سلمان زين الدين

ميشلين حبيب

(أديبة وقاصة وشاعرة وإعلامية- لبنان)

يمتاز سلمان زين الدين برؤية نقدية موضوعية، صريحة ومتجرّدة، تنعكس في أسلوب سلس وسهل يضيء للقارئ جوانب الرواية ويدخله في جوّها فيفهمها حتى لو لم يكن قد قرأها بعد.

وسلمان زين الدين الشاعر الذي لا يسمح للناقد فيه أن يتسلّط على الشاعر ويقتله بأوامره ونواهيه والذي يقول أن لا أحد يستطيع أن يُبدع ومسدّس النقد مصوّب إلى رأسه، هو نفسه سلمان زين الدين الناقد الذي لا يسلّط مسدس النقد على النص خلال قراءته النقدية له. فلا يذهب زين الدين إلى تحليل غير ضروري وتأويلات لا تخدم العمل الروائي، بل إنه يفنّد هذا العمل دون أن يشرّحه أو يقتل الإبداع فيه.

هو يؤمن “أن الموضوعية، والمنهجية، وحسن التأويل، وتفكيك عناصر الرواية، وربطها بالواقع، واستخلاص الرسالة الروائية، هي بعض مقوّمات النقد الروائي، وهي تختلف عن مقومات الناقد الروائي وتتقاطع معها في آن. المهم أن يكون ثمة تجرّد في النقد، وأن نفصل بين الخاص والعام، وألاّ نهمّش الأسماء المغمورة، ونقع، تحت سطوة الأسماء الكبيرة، أو نسقط في فخ الانبهار بها”.

نجد هذا بقوة في عمله الخامس في النقد الروائي “يا سادة يا كرام قراءة في 60 روايةً عربية”، الصادر عن منشورات ضفاف اللبنانية، ومنشورات الاختلاف الجزائرية، ومكتبة كل شيء الفلسطينية، ودار النشر كلمة التونسية، حيث يقع القارئ تحت تأثير سحرين، ألا وهما الاستمتاع بالقصّ الروائي ونقد هذا القصّ، الذي يُدخله في عالم التحليل والقراءة النقدية البعيدة عن التزلّف والمسايرة والصرامة الأكاديمية الجافّة.

“يا سادة يا كرام” هو مجموعة متابعات نقدية لستين روايةً سبق نشرها في صحف لبنانية وعربية، تضيء المشهد الروائي العربي في الأعوام الثلاثة الأخيرة، والأسئلة التي يطرحها.

ميزة قراءات هذه الروايات، المختلفة مضمونًا وبناءًا هي عدم الإطالة واللغو. تنتهي كل قراءة في صفحات خمس يوفّر الكاتب في بداية غالبيتها نبذة عن الرواية والفكرة التي تتمحور حولها دون التطرّق إلى التفاصيل، حيث أنه يوجز القصة بطريقة تُدخل القارئ في جوّها وتشعره كأنه قرأها حتى لو لم يكن قد اطّلع عليها قبلًا. وينتقل بعد ذلك إلى عملية النقد ممسكًا بنصه بترابط مستحوذًا على اهتمام القارئ التام حتى النهاية. من الممكن أن يظنّ البعض أن ذلك عائد إلى طبيعة النصوص التي كُتبت أصلًا بصيغة مقالات يُلزَم الكاتب فيها بمساحة متاحة معيّنة. إنما الحقيقة هي أن تلك ميزة يمتلكها سلمان زين الدين وتتّسم بها كتاباته النقدية كلها سواء جاءت في مقالات أو كتب. وقد استطاع زين الدين الإبقاء على وتيرة واحدة ونمط واحد في قراءته لهذه الروايات الستين، مع العلم أنها كتبت في فترات غير متقاربة. وهذا أمر ليس بالسهل يُشهد به لزين الدين.

في هذه القراءات حرص سلمان زين الدين على شيء من التوازن بين الحكاية أي المضمون، والخطاب أي البناء الفني. لكنه برأيي أولى اهتمامًا أكبر للبناء مركّزًا على كيفية نسج الكاتب للرواية من حيث الشخصيات، واللغة، والزمن، وترابط الأحداث وتسلسلها، وعمل الراوي الذي يُعدّ أمرًا مهمًا جدًا إذ غالبًا ما يقع الروائي في فخ الأنا على لسان الراوي. وقد جاء هذا التركيز على دراسة البناء مُتَعمّدًا، فبحسب قوله، هو يهتم بالخطاب الروائي إذ يعتقد أن النقد عليه أن يهتم بالبنية الفنيّة لأنه من السهولة التطرق للمضمون أو الحكاية. لكني أعتقد أن التوازن بين البناء والمضمون في النقد أساسيّ إذ أن الرواية ذات المضمون الضعيف القائم على بناء قوي ليست إلّا زخرفة ورقية، والمضمون القوي القائم على بناء ضعيف ليس إلا رواية هزيلة. ولا يمكن للرواية أن تُصنّف تحت هذا النوع الأدبيّ إلّا إذا استوفت القوة في الإثنين.

مما لا شك فيه أن سلمان زين الدين ناقد بارع، مالك أدواته، أنيق في أسلوبه ومقاربته للنص. أضف إلى ذلك قدرته على جعل القارئ يندمج في عملية النقد والتحليل، وذلك أمر حِرفيّ ومهم يُشهد به أيضًا لزين الدين. وقد تجلّت هذه القدرة بشكل كبير في عمله النقدي الأخير هذا حيث اتّبع فيه منهجًا يثير اهتمام القارئ من خلال التغيير الموجود في النصوص مع المحافظة على نمط واحد في المقاربة والتحليل والقراءة النقدية. “يا سادة يا كرام” كتاب يصلح لأن يكون مرجعًا يستعين به الدارسون وأيضًا طلاب الجامعات والمدارس للتدرّب والاضطلاع في العملية الأدبية والنقدية من خلال نص وجيز وشامل في الوقت عينه.

 

اترك رد