«كيفك يا ليلى؟» في مسرح مونو- بيروت… سيكودراما تمزج بين تناقضات الذات والمجتمع

كلود أبو شقرا

ممثلة واحدة وخشبة خالية من أي بهرجة إنما تعتمد على قدرة الأداء وقوة الممثلة في السيطرة عليها، هذان العنصران وحدهما ترتكز عليهما مسرحية «كيفك يا ليلى» للمخرج ميشال جبر، التي تعرض راهناً على خشبة مسرح مونو في بيروت (تستمر حتى 5 فبراير)، مع ذلك وصلت الرسائل التي نجحت الممثلة نيللي معتوق في نقلها إلى المشاهد بطريقة أقرب إلى العفوية والطبيعية ومن دون تصنع، بل بلغت حد تسمية الأشياء والمواقف بأسمائها هكذا كما هي في الواقع، غامزة من قنوات عدة: آثار الحرب التي عصفت بلبنان على تبدل العلاقات الإنسانية، والمشاكل النفسية المترتبة عن ظروف اجتماعية قاهرة، ومفهوم الذكورة والأنوثة…

لأنها ممثلة ومغنية تتقن الغناء الأوبرالي، وحائزة درجة ماستر في العلوم الموسيقية والتربية الموسيقية في الجامعة الأنطونية في بيروت وعضواً في جوقة الجامعة الأنطونية منذ أكثر من 12 سنة، عرفت نيللي معتوق كيف تترجم أفكار مؤلف المسرحية ومخرجها ميشال جبر وتأسر انتباه المشاهد مدة عرض المسرحية، فكان يلهث معها لمعرفة تفاصيل حكاية هذه المرأة التي تدعى ليلى، ممثلة ابتعدت عن مهنتها خلال فترة حملها، ومرّت بحال من الاكتئاب بعد الولادة، قررت بعدها العودة إلى حياتها المهنية والمشاركة في تجربة لدور امرأة بدينة، لجأت إلى علاقات مشبوهة فوضوية والى الإدمان، لتنسى وجعها والتعويض عن عقدة نقص. بناء على طلب المخرج، تبدأ بالارتجال حول هذا الموضوع، فتغتنم الفرصة لمراجعة حياتها الممزقة التي ذهبت هباء، من خلال الغوص في الأعماق، بأسلوب البسيكودراما المتميز بأداء يجمع بين المتناقضات.

المرأة- الضحية

فقدان المعايير الأخلاقية، وتفشي ظاهرة الإدمان بين الشباب، هما إحدى النتائج السلبية للحرب اللبنانية. يضاف الى ذلك جهل الأهل في التعاطي مع أولادهم، والأحكام المسبقة والمفاهيم التي تتحكم بالعلاقة بين الرجل والمرأة، كلها مواضيع تهم جمهور الأهل والشباب، تطرق إليها الكاتب والمخرج ميشال جبر بواقعية جارحة إلى حد الصدمة أحياناً، ولا يخلو الحوار بين ليلى وبين ذاتها من أسلوب تهكمي مؤلم يبين أن المرأة لا بد من أن تكون على الدوام ضحية الرجل: الأب، الأخ، الصديق، العشيق، الزوج… ولا بد من أن توجه إليها أصابع الاتهام بالخيانة في حال فعلت ذلك هرباً من واقع معين، في حين أن الخيانة عند الرجل شطارة…

من خلال طريقة سردها لواقعها الذي هبت عليه رياح عاتية حملتها إلى أماكن ومواقف وظروف لم تخطط لها، بل وجدت نفسها في قلبها، يتيبين للمشاهد أن تصرفات ليلى كانت ردات فعل على أفعال قهرتها وتركت في نفسها وفي قلبها آثاراً لا تندمل، وأن هذه المرأة الواقفة على المسرح، من دون قفازات أو أقنعة، إنما تبحث عن حنان وعن عاطفة صادقة، تلمستهما، في نهاية المطاف، عند تاجر الممنوعات الذي كان ينظر إليها نظرة ابوية لمست شغاف قلبها وجعلتها تتكلم عنها بنبرة مغايرة عن النبرة التي تعتمدها في سرد فصول حياتها.

صوّر المخرج ميشال جبر أدق مشاعر المرأة إزاء المواقف الصعبة التي تواجهها ومدى قوتها في مواجهتها رغم صعوبتها، لذا يحمل العنوان «كيفك يا ليلى؟»، رغم بساطته، معاني ودلائل، ذلك أن هذا السؤال لا يوجه إليها في الغالب، مع أنها طالما تمنت سماعه من الناس، بل توجه إليها أسئلة حول الزوج والأولاد والأهل… ولا سؤال واحداً عنها.

هنا تكمن أهمية المسرحية وأهمية أداء نيللي معتوق التي عرفت كيف تلفت الانتباه حول هذا الأمر بنبرة صوتها وبحضورها على المسرح، مرتدية فستاناً أحمر بسيطاً لا تصنع ولا تكلف فيه وتسريحة شعر طبيعية، لأنها تريد أن تكون ذاتها على المسرح.

رؤية إخراجية

الذكورية والنسوية، الحرية والعبودية الأنثوية الجنسية، الإدمان كوسيلة منحرفة للتعبير عن الذات أو للتعويض عن نقص، هي مواضيع تتناولها المسرحية من خلال تجربة بطلتها ليلى، بأسلوب «الغروتسك» السيكولوجي ، الذي يجمع تناقضات المسلك الإنساني… كل ذلك بلغة صادقة تتميز بالتنوع في الأداء بين الكوميدي الساخر والمأساوي، مع لحظات هروب إلى عالم موسيقى الريكي.

نبذة
ميشال جبر، حائز دكتوراه في المعهد الوطني للفنون المسرحية موسكو، أستاذ في معهد الدراسات المسرحية السمعية المرئية والسينمائية، جامعة القديس يوسف (من مؤسسيه)، وفي معهد الفنون الجميلة- الجامعة اللبنانية.
له مسرحيات عدة من إعداده وترجمته وإخراجه من بينها: «قصة حديقة الحيوانات» للكاتب الاميركي إدوارد ألبي (1983)، «في عرض البحر « للكاتب البولوني سلافومير مروجيك – مهرجان الشباب العربي – الرياض (1984)، «هذيان ع خط النار» للكاتب الفرنسي أوجين يونسكو (1985)، «حكاية كوخ» « مسرحية دمى للأطفال (1987)، « أنشوفة ونمرود «مسرحية للاطفال (1991)، «ألف لعية ولعبة» مسرحية للأطفال (1993)، «برناردا ألبا» للكاتب الاسباني فريدريكو غارسبا لوركا (1995)، «المهاجر» للكاتب اللبناتي جورج شحادة (1995)، «عاشقة الله» لنداء أبو مراد (1996)، «هي في غياب الحب والموت» للكاتب الروسي إدوارد رادزينسكي (1997-1998)، «الحياة حلوة» للكاتب الروسي نقولا أردمان (1999-2000)، «كبسة زر» لمروان نجار (2001)، «شي غريب» اقتباس عن قصص صغيرة لتشيخوف(2009)، «الصياد والسمكة الذهبية» مسرح دمى مقتبس عن قصة الكاتب أكسندر بوشكين (2014)

*****

(*) جريدة الجريدة 

 

 

 

اترك رد