طريقُك إلى الآخَر! (5)

ألمحبّة

elie

إيلي مارون خليل

(أديب وروائي وشاعر- لبنان)

مَن يفكّر في “كيف يفكّر”، يعجزْ عن التّفكير! فالتّفكيرُ أمرٌ عفويٌّ، بسيط، تلقائيّ، بعيدٌ من التَّكَلُّف والصَّنعة. فقط “يهبط” عليك موضوعٌ، أو تتخيّل مشهدًا، أو تهلّ فكرة، أو تتراءى لك صورة، أو تسمع كلمة، أو تلمسُ حدثًا، أو تتذوّق “حالة”، أو تشمّ ذكرى، أو عاطفة…

وقياسًا: مَن يُفكّرْ في “كيف يُحِبّ”، يعجز عن المحبّة! فالمحبّة، هي أيضًا، أمرٌ عفويٌّ، بسيطٌ، تَلْقائيٌّ، بعيدٌ من التَّكَلُّف والصَّنعة. فقط “يهبط” عليك “الحبيب”، أو يهلُّ أمامك، أو تحلُم بصورته، أو تسمع منه كلمة ـ رأيا، أو يُصوّر حدثا، أو “تتذوّق” له، “حالة”، أو تتنسّم ذكرى، أو عاطفة…

وتاليًا: مَن يفكّر في لماذا أُحِبُّ “هذا الحبيب”، وليس آخر، لن ينتهي إلى إجابة واضحة، ثابتة، بعيدة من التَّأَرجُح والسَّفْسَطة. فإنْ أدام المحاولات، كثرت الإجابات، وتضاربت في بعض الفِكَر، وتلاقت في بعضها الآخر، ما يُصيبُ بالحَيرة بَدَلَ التَّثَبُّت، بالقلق بدلَ الطّمأنينة، بالشّكّ بَدَلَ اليَقين.

والسّؤالُ، الآن: لماذا؟

ليس هذا السّؤال من باب “تَجاهُل العارِف”! لا! إنّه السّؤالُ الّذي يتطلّبُ الإجابة! ألسّؤالُ الجِدّيُّ الرّصينُ. فكيف لا نجدُ له الإجابةَ الّلازمةَ، الصّادقةَ، الصّحيحةَ، المُطَمْئنة!؟

ألأسبابُ شتّى. منها أنّه لا حدودَ للمحبّة، إذًا فلا تحديد. وما لا تحديدَ له، لا نفقه، كلّيًّا وتمامًا، طبيعتَه. يستمرُّ أبعدَ، أو فوق كلّ تحديد.

لكنّنا يُمكن أن نحاولَ، مهما استمرَّ الجوابُ ناقصًا، أو بعيدًا، أو غائمًا، أو ضَبابيًّا… ما يوحي إلى الثَّراء والخصب والتَّنَوُّع.

إنّ المحبّةَ مجموعةُ صِفاتٍ ـ قِيَم. ما يَعني أنّها قيمةُ القِيَم. فلا بُدَّ أنّك واجدٌ إحداها، ما لم يكن أكثر، في “آخر” ما. إذًا، فإنّ ميزةً ما، ولو واحدة، في إنسانٍ ما، يُمكِنُ أن تكون طريقك إليه! فكيف، إذًا، إذا كانت هي “المحبّة”!

أنت تُحِبُّ!؟ فأنت، إذًا، تكاد تكون مِثاليًّا.

كيف يحدث أن يحصُل هذا!؟

بعفويّةٍ، يحصُل، ببساطة، بتلقائيّة، بشفوفيّة، من دون تفكيرٍ، ولا قَصْدٍ، ولا غاية. أنت تُحِبُّ!؟ فأنت، إذًا، مُسامِح، غَفور، تنسى ما يُسيء به إليك “آخَر” ما. فالتَّسامحُ يُشير إلى نُبْل نفْس، وعزّتِها، وأصالتِها، وعُنفُوانِها الأخلاقيّ المميَّز. بها تنفرج طريقُك إلى هذا “الآخَر”. وتتّسع. وتحْسُن. والغُفرانُ يَسمو بكَ، به تلتئمُ جراحُك، لا تعودُ قائمة. ما يقودُك، بإنسانيّة عفويّة، عميقة، قويّة، صادقة، غنيّة، إلى النّسيانِ كنِعمة تؤدّي بك إلى النّعيم. والنّعيمُ، ابنُ النّعمةِ هذا، هو أيضًا، طريقٌ لك نحو “آخَر” يلتقيك وتلتقيه في بستان هذه المحبّة الصّافحة النّاسية.

أنت تحبُّ!؟ فإذًا أنتَ، إلى التَّسامُح والغفران والنّسيان، ترحمُ. ترأف. ألرّحمةُ، مُستغرِقة في قلبك، تجعلُك تتّضِعُ، فتنفحك براءةٌ مشتعِلة بوساطتِها تُشفِقُ على “الآخر”، فتقصر طريقُكَ إليه، وتنعم، وتهنأ، وتنظف، فتكون آمنة. والرّأفةُ، في قلبك والفكر، تعمل في كيانك كلِّه، فتنحني على الآخر، تأخذه إليك، تَحميه، تُحِبُه أكثر. هنا تنتبه: كلُّ آخر معشوق. والمعشوقُ كاملٌ. مثاليٌّ بالنّسبة إليك كعاشق. إذا، فطريقُك إليه قصيرٌ وسَهل، ما يجعله جميلًا وآمِنًا. ألمرغوبُ فيه، بالنّسبة إليك، ممحوّة أخطاؤه، خطاياه، شَوائبُه، نَواقِصُه. تفعل هذا، لكونك “رحومًا” و”رؤوفًا” ترحم وترأف. إذًا، فهو أيضًا كاملٌ مِثاليّ. هذا ما يجعل طريقَك إليه حسنةً في عينيك، وكذلك طريقه إليك.        

أنت تُحِبُّ!؟ فأنت واصلٌ، حتمًا، إلى حيث تبتغي، إلى “الآخر”، أيّ آخر: فكرًا وقلبًا، مادّة وروحًا، جسدًا ونفسًا، بما يملأ الفراغَ المُدوّي في كِيانكَ… فإذا فكرُك يعمق ويشعّ، وقلبُك يَطهر ويتّسِع، ومادّتُك تشفّ، وروحُك تُحلِّق، وجسدك يكتنز، ونفسُكَ ترتقي، فإذا بك والآخر، كائنان في واحد، ممتلآن نِعمًا، مُضيآن نورًا حيًّا، مُحْيِيا، لا يختفي، لا ينطفئ، لا يزول.

لا شكّ في أنّ المحبّة، كاملة وتكتملُ! ألآخرُ هو اكتمالُك، وأنت، بالمحبّةِ، تصل لا تتأخّر!    

ألاثنين 28- 3- 2016                                                                                 

elie.khalil@hotmail.com

www.eliemarounkhalil.com

charity- vector

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: