رحيل منير أبو دبس… مبتكر حالة مسرحية الممثل فيها هو النص

mounir abou debs 1

منير أبو دبس

كلود أبو شقرا

إلى حي الفنانين بفرنسا، حيث يقطن «جان بول سارتر»، وصل ذات يوم من سنة 1951، شاب لبناني حاملا معه حلمه الكبير بأن يكون له موقع في الحركة المسرحية العالمية، هذا الحلم الذي سكن عقله وقلبه منذ كان طفلا يحبو في قريته الفريكة في جبل لبنان، ويلاعب الضوء في خان الحرير الذي كان يملكه أهله… لم يتأخر الشاب منير ابو دبس في عاصمة النور باريس ليبرز، فما إن تخرج حتى خطا خطواته الأولى الناجحة في التلفزيون الفرنسي، وفي السينما والمسرح، في فرنسا ثم في لبنان، وارتبط بصداقة مع سارتر وتأثر بفلسفته.

المسرح بالنسبة إلى منير أبو دبس ( 1928 – 15 يوليو 2016) تجربة تجسد الفكرة ذاتها والسؤال ذاته والحلم ذاته سواء كان في بيروت أو في أي مكان في العالم… وقد أتاحت له «مدرسة بيروت للمسرح الحديث» التي أنشأها عام 1960 تأسيس حركة مسرحية في لبنان، هدفت إلى خلق واقع مسرحي، فقدمت عروضاً في بعلبك وجبيل ودير القمر وطرابلس وصيدا… وأرست أسس مهرجانات سنوية في المناطق كافة.

انتسب إلى مدرسة «بيروت للمسرح الحديث» معظم الممثلين الرواد الذين قامت على أكتافهم الحركة المسرحية في لبنان من بينهم أنطوان كرباج، أنطوان ملتقى، ريمون جبارة، رفعت طربيه، مادونا غازي، رضا خوري… في ما بعد صار هؤلاء مسؤولين في مسارح أخرى ومحركين لها، فأصبح للمسرح الحديث فروعاً في لبنان، وقد ظلّ منير أبو دبس يردد طيلة حياته أن الحركة المسرحية التي اسسها في لبنان عزيزة على قلبه.

في فرنسا فعل خياراً مماثلا، رغم الخيبات أحياناً كثيرة، فأوجد مساحة يتفاعل فيها أشخاص راغبون في إعادة النظر بالعمل المسرحي، وميداناً اختبارياً ليس فقط للتمثيل حيث يواجه الممثل الجمهور إنما كيف يتفاعل ممثلون يحكون ذات الكلمات في لغة واحدة…

al malek yamout

مشهد من الملك يموت

الممثل هو النص

عام 1952 بدأ منير أبو دبس دراسات مسرحية في باريس، وتقدم للدخول إلى مدرسة «روجيه غايار للتمثيل» ومدرسة «بونسوليتس للتمثيل» قبل أن يُقبل في الكونسرفتوار الوطني للموسيقى في باريس. درس المسرح الكلاسيكي في جامعة السوربون وأعجب بالمسرح الإغريقي، كذلك درس الموسيقى في «سكولا كوانتاريوم»، والرسم في «أكاديمية الفنون الجميلة» في باريس. وفور تخرجه أخرج مسرحيات للتلفزيون الفرنسي من ثم للتلفزيون اللبناني.

«لا معنى للنص في المسرح.. الممثل هو النص»، بهذه الروحية أسس مدرسة المسرح الحديث في بيروت، وهي أول مدرسة للمسرح في لبنان، أرادها تكملة أو حلقة ضمن تيار المسرح الحديث في العالم، وكان لها دور أساس في تفعيل الحياة الثقافية في لبنان.

وبدعوة من مهرجانات بعلبك التي تأسست عام 1956، تولى الإدارة الفنية للمهرجانات لغاية 1970، وقدم فيها مسرحيات: «أوديب»، «ملوك طيبا»، «الملك يموت» و «فاوست»…

بعد انفصاله عن مهرجانات بعلبك، تخلى عن فكرة المسرح الضخم، واتجه نحو السحر والغرابة في مسرحياته التي قدمها في ما بعد.

أخرج منير أبو دبس أكثر من 40 مسرحية في أنحاء العالم، لسوفوكل وشكسبير وغوته وبرشت وهولدرلين وجبران. لديه أكثر من 11 كتاباً، اثنان خصصهما لمفهومه حول عمل الممثل. جالت مسرحياته في أوروبا والشرق وقُدمت في أهم المهرجانات المسرحية.

بعد غربة طويلة عن وطنه بسبب الحرب التي عصفت به سنوات طويلة، عاد أبو دبس إلى لبنان عام 1997، وأسس «مهرجان الفريكة» السنوي عام 1999، واستأنف إعطاء دروس في المسرح في محترفه الجبلي الذي خرّج في ما مضى ممثلين كباراً مثل ميراي معلوف وأنطوان كرباج. وقدم مسرحيات من بينها: «ساعة الذئب» و”دائرة سليمان”…

min faoust

من مسرحية فاوست

الطوفان

“الطوفان”، من ابرز المسرحيات التي اخرجها منير أبو دبس وهي عبارة عن نصوص طقوسية، صوفية، دينية، مختارة من نشيد الأناشيد، والمزامير، وعظة السيد المسيح على الجبل، تعتمد على مرونة الممثل وعفوية جسده، وتقوم على الشعر والغرابة والحركات التعبيرية.

في هذه المسرحية نفذ منير أبو دبس فكرة طالما راودته حول جعل مسرحه محاطاً بالأسرار… يتحرك الممثل لمعانقه طقوسه ويضفي على المتفرج لذة الاستمتاع بلغة الكلام التي يبطل معها النص المسرحي القائم على الحوار التقليدي…

حول هذه التجربة قال منير أبو دبس في حوار معه: “استهلكني النص القديم. تركته وأسست الاحتفال المسرحي الذي يبنى على التقاء الكلمة، بجسم الممثل وبالايقاع، ضمن دائرة تغمر الممثل والجمهور معاً. بمعنى آخر، صار كل شيء في “الطوفان” يأخذ معناه الجديد. أصبح للتمثيل معنى آخر، وللنص معنى آخر وللكلمة أيضاً، صارت الكلمة في “الطوفان” سؤال الممثل، الذي يجيب عليها بانفعال ونحن نجيب عليها بدورنا، أصبحت الكلمة المسرحية سؤال الممثل والممثل سؤال لنا”.

روحانية شرقية

تأثر منير أبو دبس بالروحانية المشرقية التي تربى عليها، فطبعت في ما بعد مسرحه، وسخرها في إيجاد علاقة وثيقة بين الممثل على المسرح والجمهور، قوامها الاحتكاك الصادق من دون بهرجة أو اقنعة يضعها الممثل، بل يظهر كما هو بعفويته متقمصاً شخصية الممثل الحقيقي ومتمتعاً بمرونة الروح والعاطفة والأحاسيس…

كل العناصر في مسرح منير أبو دبس تقوم على الممثل، ويساهم انعدام المسافة بينه وبين الجمهور، إلى تكوين حميمية لحظة لحظة في المعنى الأخير للمسرحية: الجمهور يقترب من الممثل والممثل يقترب من الجمهور، تتصبب نقاط العرق من جبين الممثل لكثرة الحركة والتفتيش عن مجاهل الجسد وأحاسيسه، والجمهور يتسمر على مقاعد “المسرح الفقير” ويدنو من هذا العرق المتصبب بهدوء، ومن التشنجات الجسدية والتأوهات المتصاعدة التي لا تهدأ الا بانتهاء الاحتفال.

mounir abou debs 2

منير أبو دبس

جبران خليل جبران

كان لجبران خليل جبران مكانة خاصة عند منير أبو دبس، كيف لا وهما يلتقيان على الغوص في الروحانية الشرقية والتعلق بالحقيقة والصدق والعفوية بعيداً عن اي بهرجة أو زيف أو اصطناع، فأخرج أبو دبس مسرحية “جبران خليل جبران” وهي تجربة فكرية وشعرية لكتبه وأعماله، وعمل كوميدي يتفكك في الحدث المسرحي ويرتكز على الأشياء والتقاء العناصر بعضها ببعض، وذلك تكملة لبعض المحاولات الكوميدية التي بدأها مع مسرحية “الملك يموت”. ايضاً أخرج مسرحية “بابل” التي تتمحور حول الخلاص الفردي والجماعي للإنسان.

عام 1981، اختار كتاب “يسوع ابن الانسان، منطلقا ً لعرضه المسرحي. ولم يلق العرض النجاح الذي كان من المفترض ان يلقاه عرض لمخرج كان في طليعة المسرحيين الذين اسسوا المسرح اللبناني الحديث…

اليوم، يغيب منير أبو دبس ويسافر في رحلته الأخيرة إلى ما وراء الأفق، يسكن الفجر الطالع من رحم المعاناة، عينه ساهرة من بعيد على المسرح الذي التحم به طوال حياته، واصبح متنفسه الوحيد في عالم يضج بالمآسي، تاركاً إرثاً ضخماً، على امل أن يحمل مشعله طلابه الذين آمنوا برؤيته الإخراجية ومدرسته التي خرجت أجيالا من الشباب تشربوا نهج منير أبو دبس القائم على تمجيد الإنسان والإنسان وحده في عالم يتصارع لإلغاء هذا الإنسان ويعبد الآلة التي اقتحمت كل شيء وحلت محل الإنسان وباتت تهدد حتى المسرح…

****

(*) جريدة الجريدة 

theatre vector

اترك رد