ألان ديكو “صوت التاريخ”…  بهره بولس الرسول في حياته ورسائله

كتب “ثورة الصليب” وأعاد رسم شخصية”يوحنا بولس الثاني”  

alain decax

كلود أبو شقرا

“خضت معركة جيدة، أنهيت السباق، حافظت على الإيمان”… هذه الكلمات لبولس الرسول رددها ألان ديكو بحب مختتماً المحاضرة التي ألقاها في فترة الصوم 2009 تحديداً  الأحد في الأول من أذار  في كاتدرائية “نوتردام دو باري” ، ضمن  السنة المكرسة للقديس بولس. وفي عيد الفصح الأحد 26 أذار 2016، انتقل إلى  ديار الآب المؤرخ والكاتب (L’avorton de Dieu, une vie de saint Paul و La révolution de la Croix. Néron et les chrétiens) ، والأكاديمي ورجل المسرح (Jean-Paul II) والسينما ألان ديكو عن 90 عاماً، بعد مسيرة من الانتاج الأدبي والبرامج الإعلامية على مدى نصف قرن، وبعد عمر قضاه في البحث في حياة بولس الرسول وتعاليمه، تخلله تأسيسه مجلة  “التاريخ للجميع” (1960)،  انتخابه عضواً في الأكاديمية الفرنسية  (1979)،  وعضوا في المجلس الأعلى للفرنكفونية (1985) وتعيينه وزيراً للفرنكفونية (1988 -1991)،  إبان عهد رئيس الوزراء روكار.

بولس الرفيق

منذ طفولته عشق  ألان ديكو بولس الرسول، أسرته حياته وارتداده إلى المسيحية، وازداد تعلقاً به في مراهقته،  بعدما استمع إلى محاضرة حول تاريخ المسيحية من مرشد الشبيبة المسيحية الكاثوليكية، ومع مرور السنوات رأى في بولس رجلا استثنائياً، مؤثراً بإيمانه، مؤسساً للمسيحية، كما  جاء في محاضرته  في صوم 2009.

كان  موعده مع قداس الأحد ثابت ولم تثنه مسؤولياته التي تولاها عن المشاركة فيه، وكثيراً ما تأمل في رسائل بولس الرسول، وعندما ترسخت تعاليمه في قلبه وفي عقله وعندما فهم عمق رسالته، أصدر كتابه الشهير L’avorton de Dieu, une vie de saint Paul، الذي يعتبر من أكثر الكتب مبيعاً في العالم.

FILES-ACADEMIE-FRANCAISE-DECAUX-OBIT

ألان ديكو في الأكاديمية الفرنسية

بالنسبة إلى آلان ديكو بولس  رجل عظيم، مجنون بالمسيح، مؤثر بإيمانه، في البداية اضطهد المسيحيين، بشكل لا يرحم، وكانت أساليبه تفوق اساليب رجال المخابرات في القرن العشرين، كما جاء في الكتاب.  عرف بولس  ابن الله على طريق دمشق عندما  توجه إليه المسيح بالسؤال: لماذا تضطهدني؟،  وقال بولس : “خاطبني أنا القزم، أنا الأكثر وضاعة بين الرسل”…  غامض، مخطط، مضطرب، تألم الف مرة  خصوصاً  عندما كان يشك بقناعاته ورافضاً التنازل عنها. كان بولس الأول الذي فهم أن المسيحية لا مستقبل لها إلا إذا توجه إلى الوثنيين. كاتب رسائل مهم، مرتد كبير، مهندس المسيحية، ويعتبره البعض مؤسس المسيحية، فرض نظرته عن المسيح الذي لم يعرفه، حدد  قوانين المسيحية، قبل أن  تكتب الأناجيل.

تردد  ديكو على مدى 20 سنة، قبل أن يؤلف كتابه هذا لأن الموضوع كان شائكاً، فتش عن بولس في الطرقات التي سار عليها الرسول من طرسوس إلى أورشليم، من أنطاكيا إلى قبرص، من انطاليا إلى اليونان حتى روما حيث قتل، رآه مسجوناً، معذباً بأوامر من نيرون، يقول “أحيانا شعرت بالاستياء، لكنني لم أشك يومأً بأنه  فريد واستثنائي”.

رحلة ألان ديكو مع بولس عمقت معرفته  بالمسيح، فكتب مسرحية “يسوع كان اسمه” (1992)،  وكتاب “ثورة الصليب، نيرون والمسيحيين”،  وهو قصة درامية رائعة وفيه أن يسوع الناصري ونيرون لم يلتقيا أبدأً: الأول مات سنة 30 والثاني ولد سنة 37، مع ذلك تحت حكم الأمبراطور الروماني انطلقت في أورشليم، مجموعة من اليهود غير المعروفين خضعوا لأوامر المسيح بتبشير الأمم، رويداً رويداً انتشروا في الأمبراطورية  وتعرضوا لاضطهاد الرومان لهم. عصر نيرون هو عصر القديس بطرس ايضاً.   

البابا يوحنا بولس الثاني وحياته الحافلة التي غيرت مسار بلدان بما فيها تحرر بلده من الشيوعية وغيرها…   أسرت آلان ديكو، فترجم إعجابه بهذا الرجل العظيم  في مسرحية “يوحنا بولس الثاني”  (2007)، إخراج روبرت حسين. تبدأ المسرحية من لحظة تعرض يوحنا بولس الثاني للاغتيال في 13 أيار 1981، على فراشه في المستشفى  يسترجع كارول فويتيلا حياته، شبابه كممثل مسرحي، حياته ككاهن، ثم اسقف في كراكوفيا، من ثم بابويته…

l'avorton-de-dieu.-1j-pg

محطات مضيئة

ولد آلان ديكو في  23  تموز 1925 في ليل شمال فرنسا، ودرس القانون في باريس ثم التاريخ في السوربون، الذي عشقه منذ طفولته وقرر أن  يكون مهنته. ففي الحادية عشرة منة عمره

وفي أثناء قضائه فترة نقاهة بعد خضوعه لجراحة تعافيه في الزائدة، قرأ  كتاب “الكونت دو مونتي كريستو” والفرسان الثلاثة. طيلة سنوات حياته التي تجاوزت التسعين تيقن بأن فهم العالم يأتي من استيعاب دروس التاريخ، وأن المعارف الدقيقة أو الإنسانية لا بد من  أن تدخل من باب التاريخ.

سمح تطور الراديو والتلفزيون لـ ألان ديكو  بأن  يشارك الناس عشقه للتاريخ معتبراً أن الأخير يصبح مهماً عندما يتوجه إلى جمهور واسع  عبر وسائل الإعلام،  فقدم في الخمسينيات من القرن العشرين  البرنامج الإذاعي Tribune de l’histoire، وفي السبعينيات قدم في التلفزيون “ألان ديكو يروي”.  أما في المسرح والسينما، فكان  ألان ديكو رجل المعارك الكبرى: حماية حقوق المؤلفين، ترميم تعليم التاريخ في المدرسة، الدفاع عن اللغة الفرنسية،…

تمرده على طريقة تدريس التاريخ في الثانويات والجامعات الفرنسية مطلع خمسينيات القرن الماضي، دفعت ألان ديكو  لبلورة تصور جديد، يقضي بمصالحة المواطن الفرنسي العادي والطلاب مع التاريخ عبر انتهاج أساليب سرد جديدة لوقائع التاريخ   من خلال   أسلوب قصصي فوامه التشويق والحركة…

guilaf

اعتبر   Tribune de l’histoire (انطلق في 18 تشرين الأول 1951) أحد أطول برامج الإذاعة الفرنسية عمرا (أكثر من 46 سنة من البث )،  فيما استمر برنامجه التلفزيوني 30 سنة، فاستحق ألان ديكو لقب أفضل رواة التاريخ أو صوت التاريخ.

خلال استضافته أساتذة جامعيين للحديث عن التاريخ،  تألم ألان ديكو يتألم من الطريقة التي كان الضيوف يقاربون بها التاريخ، وهي طريقة جدية للغاية وجافة، فيما التاريخ بالنسبة إليه علم رائع وحافل بالحياة، فأخذ على عاتقه مهمة جعله بسيطاً في متناول الجميع، وألا يستحوذ الأكاديميون وحدهم  على فرص الاقتراب منه”.

البرنامج الذي صنع مجد آلان ديكو، كان في الأصل محطة أسبوعية موجهة للناشئة، إلا أن  نجاحه فرض على معده ومنتجه أن ينتقل به إلى مستويات أخرى من الإبداع الإذاعي، فقرر  آلان ديكو مسرحة  الأحداث التاريخية عبر إدماج ممثلين يؤدون بشكل مباشر مواضيع الحلقات المتمحورة حول شخصية أو حدث تاريخي معين. استمر البرنامج في احتلال موقعه في الخريطة البرمجية للإذاعة الفرنسية من 1951 إلى 1997.

في منتصف السبيعينات استغلت  القناة الفرنسية الثانية نجاح آلان ديكو في الإذاعة، فعرضت عليه فكرة برنامج تلفزيوني لا يقل نجاحا، استمر لعقدين كاملين وحمل اسمه  آلان ديكو يحكي…

affiche.j jean paul 2

الدفاع عن اللغة الفرنسية، من أبرز الرسائل التي أراد ألان ديكو تقاسمها مع الجمهور، وكان الهم الفرنكفوني دافعه الأول، مع أنه لم يكن يحب أن يصنف كسياسي، ولم يكن محترفا للسياسة حتى وهو يشغل منصباً وزاريا في حكومة ميشيل روكار نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه أعطى المنصب الوزاري  بعدا اجتماعيا وإنسانيا، إذ فتح أبواب وزارته لفعاليات المجتمع المدني.

في الوزارة كما في الأكاديمية الفرنسية، خدم ألان ديكو  القضية التي آمن فيها طوال حياته: الثقافة الفرنسية والتاريخ.  لم يشغل باله بالبحث عن المناصب بل هي التي أتت إليه، لم يسعَ إلى إضافة مشوار سياسي  إلى حياته الفكرية القيمة. أراد أن يكون مجرد رجل يتحدث إلى المستمعين والمشاهدين  حول التاريخ والثقافة.

شكل التاريخ  محور كتاباته ومنشوراته التي تعتبر ذات قيمة نادرة، وبعد  دخوله الأكاديمية الفرنسية، تكلفت بنشر بعضها من بينها: ” الملفات الجديدة للتاريخ”،  “المغامرات الكبرى للتاريخ “، “دوماس العجيب”، ” التواريخ الفرنسية”، “دانتون و روبسبيير”، فضلا عن مؤلفات موجهة للأطفال لتقريبهم بطرق مبسطة وفعالة من التاريخ الفرنسي إجمالا وتاريخ الثورة الفرنسية تحديداً .

ساهم  ألان ديكو في إعداد وإخراج  مسرحيات مستمدة من تاريخ فرنسا  من بينها:”دانتون وروبسبيير”، “البؤساء”،، “يوليوس قيصر”، “قضية مبعوث ليون” التي كتبها بمعية روبير حسين .

عام 1979 ترأس آلان ديكو لجنة  “جائزة الكتاب” التي منحت جائزتها الأولى للكاتبة الفرنسية بياتريس بيك عن روايتها “لاديشارج”، وفي 2005 شارك في معرض  الكتاب الفرنكفوني في بيروت مع مجموعة من المفكرين الفرنسيين،  وقبل ثلاث سنوات، منحته اليونسكو جائزة مؤسسة بيير لافو عن مجمل أعماله .

من محاضرة ألان ديكو  في صوم 2009

يقول ألان ديكو: “لكتابات  بولس الرسول أهمية قصوى، إنها أقدم شهادة على قيامة المسيح، وأول مصدر مسيحي مكتوب، كتبت الرسائل إلى  الكورنثيين بين سنتي 55 و57، فيما اول الأناجيل، أنجيل مرقص، كتب بين 65 و70…

مهنة المؤرخ،  كما فهمتها، في ما بعد، قادتني إلى أن اسافر كثيراً: قبل الكتابة، احب أن أرى، وأضحى بولس المسوّغ الرئيس لاختياري البلدان. هكذا زرت الأماكن التي قطعها، توقف فيها، بشر فيها… هكذا ملأت فكري بصور لبولس في حين  كنت أوثق مواضيع أخرى

ماذا نتعلم من يسوع من خلال بولس؟  الأهم قصة العشاء الأخير،  وقد وصلت إلينا في شكل دقيق “هذا ما تسلمته من الرب، وأنني أنقله لكم”، يقول بولس.

ووفقا لبولس، ولد  يسوع من امرأة تخضع للقانون، يتحدر  بالجسد من سلالة داود، ومات على الصليب”. ومن الواضح أن هذا هو الأهم بالنسبة إليه،أما بالنسبة إلينا، ونحن نسأل دائما لماذا تجاهل بولس  الصيادين في  بحيرة طبريا، قواربهم وشباكهم، شفاء الأعمى، قيامة لعازر، التجار في الهيكل…. وغرها من الوقائع التاي حدثت في حياة يسوع.  في أي وقت من الأوقات تردد الرسائل: “أحبوا بعضكم كما أنا أحببتكم”، “تعالوا الي يا حاملي الأثقال وأنا أريحكم “، “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله”. لا يعرف بولس  حتى  كلمات يسوع الأخيرة على الصليب: “يا أبتاه، لماذا تركتني؟ “

أنا معجب بتحليل اتيان تروكمي، أستاذ فخري في جامعة مارك بلوخ في ستراسبورغ، لشخصيّة  بولس: ” رجل  استثنائي،  يتمتع بأصالة كبيرة بالمقارنة مع يسوع، ومنحته الأجيال التالية  دوراً حاسماً، إنها معطيات  تتفق مع النظريات التي تجعل بول مؤسس المسيحية الحقيقي. .”

اترك رد