حَدَثَ في الرمادي وتدمر

الباحث خالد غزال

في مدى زمني لا يتجاوز الأسبوع، صدرت قرارات عراقية وسورية للقوى النظامية الموجودة في khaled-ghazalالرمادي العراقية وتدمر السورية، بالانسحاب من مواقعها وتسليم المدينتين الى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

تبدو حجج النظامين متهافتة في تبرير سقوط المدينتين، لأن قيادات رسمية عراقية تتحدث علناً عن تخاذل فيما يذهب بعضها في وصف ما حدث بأنه خيانة. وما حدث في المدينتين يعيد الى الذاكرة ما جرى في فلسطين عام 1948، عندما أعطيت الأوامر الى الجيوش العربية بالانسحاب وتسليم فلسطين الى العصابات الصهيونية.

بالمعنى الاستراتيجي، يعتبر سقوط المدينتين في يد «داعش» خسارة كبرى، فسقوط الرمادي يشكل أحد الأخطار الفعلية لتمدّد التنظيم المتطرف الى بغداد وكربلاء، بل يقوّي من مركز التنظيم في العراق بعد أن سيطر على الموصل. أما سقوط تدمر، فبصرف النظر عن التهويل بالأخطار على الآثار، فإن سقوط المدينة أتاح للتنظيم توسيع مساحة سيطرته في سورية، وربط المساحات الجغرافية الجديدة بالعراق، ما يعطي التنظيم موقعاً قوياً ومدّ سلطة دولته وإلغاء الحدود التي صنعتها اتفاقات سايكس بيكو في مطلع القرن الماضي. إذا كان النظامان العراقي والسوري، يدركان معاني ودلالات سقوط المدينتين، فلماذا سمحا بهذا السقوط، بل وعملا على إنجاحه؟

بالمعنى السياسي والاستراتيجي، يمكن الحديث من دون وجل عن مؤامرة موصوفة كانت وراء سقوط المدينتين. عراقياً، يكمن وراء الموقف قرار إيراني واضح الأهداف. فالعراق اليوم، وعلى رغم تغيير رئيس الوزراء نوري المالكي لصالح العبادي الذي يجري إلباسه ثوب الاستقلالية النسبية عن إيران، إلا أن الواقع على الأرض يشي يومياً بأن القيادات العسكرية والأمنية ذات ارتباط إيراني أكثر منها عراقي. فور سقوط الرمادي، أسرع وزير الدفاع الإيراني بالمجيء الى بغداد، مصحوباً بمعلومات عن دخول قوات نظامية إيرانية الى العراق. ما يؤشر الى مسؤولية النظام الإيراني عما حصل في الرمادي، أن إيران التي تعتبر العراق مدى حيوياً أساسياً لنفوذها السياسي والاقتصادي والمذهبي، تتوسل تسعير الصراع المذهبي لتكريس سيطرتها.tadmor 2

إن هزيمة الجيش العراقي أمام «داعش»، جرى اعتبارها هروباً لجيش ينتمي الى «المذهب السني» المتعاطف مع «داعش»، وأن خلاص العراق وهزيمة «داعش» لن يقوم بهما سوى القوى المنتسبة الى «المذهب الشيعي»، عبر القوات الإيرانية وبالتعاون مع ما يُعرف بـ «الحشد الشعبي» في العراق ذي الانتماء المذهبي الشيعي أيضاً. فور سقوط المدينة، ارتفعت الأصوات المنادية بالمساعدة الإيرانية المباشرة، وبتجييش الحشد الشعبي للذهاب الى الرمادي وتحريرها من «داعش». ستضمن هذه الخطة مشروعية الهيمنة الإيرانية في العراق، وتقديم نفسها المخلّص للشعب العراقي من الإرهاب.

لا يبدو الأمر بحاجة كبيرة الى تفسير السلوك السوري في تسليم المدينة. كان «داعش» صناعة سورية بامتياز، وكان هدفه إظهار انتفاضة الشعب السوري حركة إرهابية. وقد نجح النظام الى حدّ بعيد في مخططه. اليوم، وفي ظل تهاوي مواقع النظام العسكرية وتهديد نظامه نفسه، دفع بخطته صعوداً من خلال مدينة تدمر. فالمدينة تستثير وضعاً دولياً بالنظر الى موقعها التاريخي والآثار التي تتضمنها، وتوسع «داعش» جغرافياً لن يكون له الأثر السلبي في النظام بمقدار ما يؤثر في وضع المعارضة عبر تقطيع طرق إمداداتها، خصوصاً أن النظام بات محدداً لجغرافية سيطرته الحالية ويسعى الى الحفاظ عليها فقط. من ناحية أخرى، يضع النظام التحالف الدولي والعالم أمام الابتزاز الذي يتقنه: إما حماية النظام السوري ومساعدته، وإما سيطرة الإرهاب وتمدّده. لقد نجح سابقاً في تقديم هذه المعادلة، وهو اليوم يعيد المسلك نفسه.

في هذه المعمعة، لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية ومعها التحالف الدولي، في قلق كبير مما يحصل. فالسلوك الأميركي لا يزال يتعاطى مع المعركة ضد الإرهاب بمنطق إدارة هذا الإرهاب وتقنين مواطن التدخل بما لا ينهي المعركة، سواء من خلال التلكؤ في دعم القوى العراقية في الأنبار، أو من خلال حجز التسليح النوعي عن قوى المعارضة السورية التي يمكن لها أن تغير موازين القوى على الأرض. تتصرف الولايات المتحدة وفق منطق عدم الاستعداد لدفع كلفة بشرية من قواتها أو قوات التحالف، وليستمر التقاتل على الأرض وليجر إنهاك جميع القوى، فلا أخطار من انفلات أي منها خارج السرب الأميركي. فهذه المعارك تستنزف المجتمعات العربية في بشرها وثرواتها وبناها التحتية… والشركات الأميركية جاهزة لاحقاً لإعادة الإعمار

لا يمكن هزيمة «داعش» ومن معه من دون إسقاط النظام الأسدي، فكل واحد يتغذى من الآخر، وهما وجهان لعملة واحدة: «داعش» هو النظام والنظام هو «داعش». كما لا يمكن هزيمة «داعش» في العراق من دون انكفاء إيران عن تدخلها وطموحاتها في جعل بغداد عاصمة لإمبراطوريتها. كما في سورية، النظام الإيراني و «داعش» وجهان لعملة واحدة.

 

اترك رد