إحلم، يا رجل! (25) … وأخيرًا!

الأديب إيلي مارون خليل

elie وأخيرًا، ماذا بعدُ!؟

كتبتُ وقرأتم! ولربّما تأمّلتم ما كتبتُ، ورأيتم أنّه “فَشّة خلق”! وماذا بعد؟

إنّما يكتب الأديبُ لهذه الـ” وماذا بعد”!؟

صحيح، كتبتُ في قضايا اجتماعيّة، إنسانيّة، فكريّة… قصد إيصال رأي، تعبير عن مكنونات صدر، بثِّ روحِ الحلمِ الجميلِ، مُثيرِ فِتنةِ الطّموح، مُحَرِّضِ خصبِ الإرادة… لتعاندَ الإرادةُ وتَنسجَ خيوطَ الطّموحِ المُعانِدِ المُغالِبِ، فيتحقّق الحلمُ الجميل…

ولكن، هل حدث ذلك، كلُّه، أو شَيء منه، ليبدو أن ّللكتابة أهمّيّة تأثيرٍ، أو تَمَيُّز دَورٍ، أو سلامة توجيه، أو سداد رأيٍ، او صحّة تقدير.

وما الهَمُّ!؟

لا هَمّ! نعتبر، نحن جماعة الكتّاب والشّعراء، أنّ الأدب يُخلِّصُ العالم، أو الجمال، أو الفنّ، أيُّ فنٍّ جميل! هذا من باب النّرجسيّة. فالفنّان يحسبُ نفسَه شريكَ اللهِ في خلقِه. يظنّ الفنّانُ أنّ الله يُباشرُ وهو يُكمِل! يُكمِل بالزّخم عينِه، بالخيال عينِه، بالرّؤيا عينِها… وإلّا فمن أين هذي الجمالاتُ كلُّها!؟ ألفنّان يُحيي الجَمادَ، ينفخ فيه روحًا من روحِه، حياةً من حياتِه. إسألوا الخشب كيف يتحوّل آلاتٍ موسيقيّةً تسمو أنغامُها بالأرواح. إسألوا الصّخورَ البرونز الحديد… كيف تُصبح أجنحة، حركةً، وكيف تتمايل بليونة الرّوح! إسألوا الأجسادَ كم تتأثّر، إلى أيِّ مدًى تحسّ، حين تقرأ أدبًا جميلًا، لا يُضاهيه إلّا قُدرةُ الإيحاءِ فيه!

ولكن، هل الأدبُ فنٌّ جديدٌ وُلِدَ في أزمنتنا الحديثة!؟ نتذكّر أشعارَ الأوّلين وصلواتِهم. هل الرّسم فنٌّ جديدٌ، أو النّحتُ والرّقصُ والموسيقى!؟ نتذكّر رسومَ الأقدمين وشعائرَهم ومنحوتاتهم ورقصَهم وغناءهم لآلهتهم!

إذًا، فالفنون قديمة قِدمَ الإنسان! ولكن ماذا غيّرت!؟ بل قبل: هل غيّرت في طِباع الفنّانين، فمسحت عنها غبارَ الحسد، وسوادَ الحقدِ، وأنانيّة الكُرْهِ، وعنجهيّة التّكَبُّرِ، ويباسَ الرّوحِ، وعبادةَ الـ”أنا”!؟

فإذا كان الفنّانُ نفسُه لايتأثّر بما يُنتِج من جمالات إبداعات راقية كلّها، فكيف يتأثّر المتلقّون!؟ وثمّة سؤالٌ ينخر في فكري، يؤلمني، يؤرّقُني، يهزّ كياني كلَّه، هو: هل يؤمن الفنّان: الكاتب، الشّاعر، الرّسّام، النّحّاتُ، الموسيقيُّ… بما يفكِّر فيه!؟ أم هو يفكّرُ ليؤمنَ سواه!؟

ومنذ الأزلِ يُنتِجُ الفنّانُ فنًّا راقيًا، وتنتج الحروب؛ يُنتج الفنّانُ، ويستمرّ الظّلمُ القهر القتل السَّحْل المَكْرُ الحسد الحقد الذّبْح التّكفيرُ العُهْر…

فلمَ الفنّ، إذًا؟ ما فائدتُه؟ وإذا كان “لم يقدّم ولم يؤخّر”، فما جدوى إنتاج الفنون، والكتابيّة في مقدّمها!؟ ولمَ يستمرّ الأديب يكتب، والرّسّام يرسم، والنّحّات ينحت، والموسيقيّ يوقِّع الألحان…!؟

لأنّه لا ييأس! “يفشّ خلقَه”! يعبّر عن ذاته ومجتمعه ووطنه والإنسانيّة جمعاءَ. ولمَ هذا العناد في استمرار الكتابة والرّسم والنّحت والموسيقى و…!؟ وما القيمة؟

لا تكمن قيمةُ الفنّ في ما “قال”، بل في ما يطمح إلى قوله! فهل يستطيع!؟ لذلك، فهذا “الإنتاج” لا يعدو كونه “محاولات”. وستستمرّ، فالـ”محاولةُ”، مهما سمت، لا تكتمل! لكنّها، إلى بعضِها، تراكمُ ما نُسمّيه بالتّراث الإنسانيِّ، وننسبُ إليه الحياةَ، نقولُ: ألتُّراثُ الحيُّ! وهو يشكّل الجزءَ المهِم”َ من الحضارة الكونيّة.

إحلم، يا رجل! هلمّ لنحلمَ معًا. فالأحلام دروبُ الفرح والطّموح والإرادة والثّقة. لا تنسَ الثّقةَ، يا رجل! واحلمْ تحيَ!

(ألأربعاء 15 10- 2014)

 

اترك رد