الفساد

البروفسور الأب يوسف مونس

mouanesالمآكل فاسدة في وطن المآكل الشهية الطيبة. والدواء فاسد في أرض الهواء العليل والماء السلسبيل ومستشفى العالم العربي.

الماء لا بأس إن أتى مع المجارير والقمامة.

التزوير والبرطيل والغش ترفع لها الرايات في جميع الأمكنة والمعاملات والدوائر.

الكذب سيد المواقف، والنفاق نهج حياتي نتن الرائحة غامض اللحظات.

أيها الفساد المجد لك. كذب! كذب! كذب… منشور يلوث كرامة أهل هذا الوطن الأعزاء الذين عاشوا الشرف والإباء. فالصدق عندهم ممهور بخاتم شعرة من الشوارب، وليس على أوراق مطبوعة على الغش والخداع وترمى في سلة المهملات.

الخبز عليه الدود والحشرات، والسكر مجبول بفضلات الجرذان والفئران وعفن الظلمة وانتفاء التهوية.
السمك محقون بالملونات ليبان كأنه الآن أتى من قاع البحر، وهو قد أكل المازوت وشرب من بقايا البواخر التي أفرغت زيوت محركاتها في الموانئ البحرية وتكرمت الرياح بنقلها الى الشواطئ البعيد ة مع أكياس النايلون والقناني الفارغة.

الكل يفنّص على الكل، ويكرم الله بشفتيه، وقلبه بعيد.

الضمير مات وأكله النتن والدود. وهو أيضاً فاسد ضربه نقص المناعة والسرطان.

الفساد شفيع عجائبي لجميع المعاملات والسلوكيات. تخطى الأعراف والقيم، وأصبح نمطاً ونموذجاً يومياً، ولا حياء ولا خجل.

التلوث طال البيئة والهواء والماء، حتى انه طال الأخلاق والضمير والخوف من الله. وصارت عبادة إله المال هي الأساس. إنه الزنى بمفهوم الكتاب المقدس أي خيانة الله، وخيانة الانسان.

غريب هذا الانحطاط اليوم في لبنان. النقص كان يرافق تاريخ المجتمعات لكن تفجره اليوم بهذا الشمول، جعله كثورة وهياج بركاني قاتل.

قليل عندنا من كان يقال عنهم الأطهار الذين لا يدنسون والانقياء الأوادم المعتصمون بالله والضمير والحق وحياة الانسان دون مرض أو ظلم أو خديعة. وقليل أيضاً من يصلّون لا تدخلنا في التجارب واجعل حظنا مع الضحايا وليس مع الجلادين.

يسرقون سيارات الآخرين كأنها حلال لهم، وينهبون الدراجات كأنها إرث من آبائهم وأمهاتهم، يصنعون المخدرات كأن أولاد الآخرين ليسوا كأولادهم بل جراء كلاب وهررة. يغتصبون ويخطفون الناس لفرض فدية أو يخطفون الأطفال لبيع أعضائهم. وحدها وحوش البراري وحيتان البحار تصنع ذلك.

علينا أن نعيد أصول تنشئتنا وتربيتنا الى مسؤولية الخير العام، واحترام حق الآخر في صيته وكرامته وحقه ورزقه، ونكتب على جباهنا وفي قلوبنا وسلوكنا وصايا الله، خاصةً لا تكذب، لا تسرق، لا تزني. لا تشتهي مقتنى غيرك.

وعلينا أن نتعلم بعد الفاجعة الأخيرة أن البحر يعود ويأخذ ما له وما انتزع منه، والطبيعة تسترجع ما اغتصب منها، والرزق سيصرخ دوماً الى صاحبه!

والفرق كبير بين ادارة الشأن والخير العامين، والخزعبلات والفساد والكذب التي نعيش فيها.

*****

(*) أمين سر اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام

اترك رد