العمارة الشرقية في لوحات المستشرقين خلال القرن التاسع عشر

بقلم: الباحثة ضحى عبدالرؤوف المل

 تنعكس نمطية الفن في القرن التاسع عشر على حركة المستشرقين التي سجلت مفارقات متعددة في فن العمارة الشرقية،  وتصوير المزايا العربية، doha_almil وما تحمله من تصوير معماري مميز لفترات تاريخية ذات حقبة زمنية اكسبت فن العمارة المعاصر رؤية معاكسة نتجت عن المنظور الهندسي القديم ، ومقارنته بالرؤية الغربية لفن العمارة،  وما نتج عنه من نظريات ظهرت في أعمال الفنانين المستشرقين وانطباعاتهم عن الملامح الشرقية،  وما تحتويه من زخرفات ومنمنمات وأسلوب  يزدهي بتفاصيل هندسية دقيقة منظورياً من حيث الأنماط البنائية،  والتشكيلية البسيطة والمعقدة من حيث الارتفاع والقناطر،  والجمال الداخلي والخارجي المرتبط بالتزين والزخرفة والتكوين ذي الطابع الخاص المتجانس زمنيا مع متطلبات الانسان اليومية ، وهذا ما نلمسه من خلال ما نراه في لوحات المستشرقين الفنية .

يحاول فنان العصر الحديث رسم صورة مغايرة لفن عمارة يختلف بمؤثراته الحيوية من حيث القدرة على خلق جمالية تتناسب بكل متطلباتها للإنسان الحديث ، وتحافظ على تراثيات شرقية لها مواصفاتها التصويرية ، كالأقبية والعقود المرتبة الحسنة المظهر المستوحاة من الطراز الروماني،  والموجودة بكثرة في الكنائس والأديرة حيث نجد الأضلاع المتقاطعة والأشكال النصف دائرية،  وحتى الدائرية في قبة المساجد الإسلامية الممزوجة بتراثيات تتميز بالبساطة،  والأسقف الأنيقة المتداخلة فنياً أحياناً في بعض اللوحات التي تظهر فيها المساجد والكنائس والعقد الحجري المبروم .

تحقق الفنون التشكيلية  في أعمال المستشرقين عملية الإدراك الفني من حيث توصيل الصورة الانطباعية عن العمارة الشرقية.  لأزمنة تركت من تراثها ما هو ملائم لتلك الأحياء والشعوب من حيث المظهر والجمال.  لتخاطب الإنسان بتناسقها وتناغمها،  وتصويراتها العمرانية ذات المساحات الواسعة،  والعلو المدروس تقنياً،  فالسمات الأساسية اقتصرت على خلق انطباعات ذات بناءات تشكيلية جمالية تحتل قيمة حضارية تتجلى معالمها في طراز الأسطح والزخرفات،  والمخرمات وما إلى ذلك من تأثيرات عمرانية تداخلت مع فن العمارة الشرقي،  وأنماطها  المألوفة آنذاك.

تعتبر الطبيعة العربية والبيئة الشرقية الزاخرة بالألوان والزخرفات،  المحفز الأساسي لريشة المستشرقين التي نقلت للغرب رسوماتها المبنية على انطباعات واقعية،  وتخيلية تزدهي بتفاصيل جمالية تثير الحواس،   وتعتبر مصدراً للتراث الفني ولكلاسيكية ذات ابعاد وخطوط،  ودلالات تسمح بتكوين مفهوم  يوضح لنا فنون الهندسة الشرقية،  وما نتج عنها من حركات تشكيلية حافظت على روحية الكنائس والمساجد،  ودور العبادة والأبنية ذات الاقبية المتميزة،  والقباب بمناخاتها والوانها وهندسيتها الجمالية التي برهنت على فلسفة ممزوجة بحضارات سابقة كانت بمثابة المنبع الاساسي لفن العمارة المعاصر فيما بعد.   noel-harry-leaver-1889-1951

أعمال فنية قديمة ذات منظور بصري عفوي،  مقرون بجمال أبنية جذبت بمستوياتها أحاسيس فنية اختلفت في معاييرها، ورؤيتها التي تقوم على مبادئ رياضية أحياناً ،  في ما يخص الأبنية الخاصة،  كالقصور والكنائس والمساجد المرتسمة في ذهن المستشرق قبل أن ترسمها ريشة الفنان وفق انطباعات لا تخلو من تخيلات مضمونية مرهونة بالمادة البنائية ، وبقدرتها على التشكيل الهندسي المساعد في عملية البناء المرتبطة بعملية الانعكاس التصويري الذي حاول من خلاله الغرب نقل صور واقعية مصبوغة بانطباعية هندسية  متفاوتة زمكانيا ما بين القرن التاسع عشر وما قبله وما بعده،  والتوازنات الفراغية بين الأبنية المتباعدة والمنتقارية التي تخضع لتوازنات النور والعتمة،  والظل والضوء،  والالوان الشفافة والتي غالبا ما تتبع البيئة الشعبية الموجودة فيها أو بالأحرى البيئة الحضارية التي زارها المستشرق ورسم منها المشاهد العمرانية في بلدان مختلفة من حيث شرقيتها .

خطوط أفقية وخطوط مستقيمة ذات حدود اظهرها الفنان في رسم حدود لوحته الجمالية الموحية باهمية المكان،  والنظرة الفنية الناقلة للاشكال والنماذج ، والأنماط،  والعناصر الفنية المتوزعة توزيعاً فنياً له مقاييسه الخاصة المحسوبة كلاسيكياً،  فالمسطحات الضوئية النابعة من الألوان الفاتحة، والفواصل المرتبطة بنواحي فكرية وفلسفية تتبع لمفهوم الحضارة انذاك. إن رمزية الأمكنة وأهميتها العمرانية التي تتسم بصيغ فنية مختلفة مرتبطة بالانعكاسات التاريخية الواضحة في لوحات تمثل بتفاصيلها أجزاء من الهندسة العمرانية المعروفة في فترات تركت أثراً على القرن التاسع عشر، وعلى إرثه الفني التشكيلي،  وأهدافه الجمالية الممسوحة بمنظور هندسي له أبعاده المشهدية المحاطة بمفردات اخرى .peter-peterson

تتأثر الفنون الاستشراقية بالنظرة الغربية للشرق،  وبجماله الزخرفي الصاخب لونياً ، والمتوازن هندسياً ورياضياً.  إن بالمساحات والارتفاعات والالوان،  وأبعادها التكنيكية التي تحقق أهدافها الجمالية  من حيث الداكن والفاتح،  وفطرية اللون وانسجامه مع الضوء حيث تبدو اللوحة كتلة منسجمة مع الأبعاد المؤلفة من مربعات ومستطيلات،  ودوائر،  ومثلثات هي بحد ذاتها الأسس الأولية لبناء لوحة تتشابه فيها التظليلات الواقعية القادرة على منح العمل الفني صفة جمالية تتعلق بالعمارة الشرقية،  وبأسس بنائها الواقعية، وأسلوبها المحلي المتأثر بكلاسيكية الزمان والمكان الواضح في اكثر من لوحة فنية استشراقية مرتبطة بالقرن التاسع عشر .

تتحرر المقاييس الفنية في لوحات المستشرقين من التيعية التشكيلية،  ومقاييسها الشديدة المنظور الهندسي حين نلمس في لوحاتهم رسومات تظهر فيها الاسواق او البيوت القديمة من الحجارة المنسجمة مع ملامح الوجوه،  والازياء المتماشية مع مفهوم الفنون الاستشراقية بشكل عام،  وفي فنون العمارة الشرقية خلال القرن التاسع عشر بشكل خاص.roger-marcel-limouse-1894-1990

كلام الصور

من اعمال مجموعة متحف فرحات :

noel-harry-leaver-1889-1951.jpg

peter-peterson.jpg

roger-marcel-limouse-1894-1990.jpg

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: