“الأمير” لمكيافيللي في ترجمة إلى العربية… 500 سنة وصورة الحاكم نفسها

صدر عن دار الشروق في القاهرة ترجمة عربية من كتاب “الأمير” للكاتب والسياسي الإيطالي نيقولو ماكيافيللي، أنجزها محمد مختار الزقزوقي (212 صفحة f_Niccolò_Machiavelli_by_Santi_di_Titoمتوسطة القطع)  وذلك ضمن مشروع “شروق- Penguin Books”. يقول الزقزوقي في مقدمة الكتاب إن “الأمير”  أحد المراجع الأساسية في فنون السياسة والحكم، لكن الأفكار الواردة في الكتاب جعلت صاحبه مرادفاً للشيطان تارة وعدواً للأخلاق تارة أخرى، وأصبح الكتاب مصدراً لمساعدة الحكام المستبدين.

وكانت دار الشروق وقعت مع دار النشر العالمية  Penguin Books اتفاقاً مشتركاً للنشر(2010)  بهدف ترجمة أعمال من سلسلة “كلاسيكيات Penguin Books  إلى العربية وترجمة أعمال كلاسيكية عربية إلى الإنكليزية منها: “كليلة ودمنة” لعبد الله بن المقفع، “طوق الحمامة” لابن حزم، “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة الطهطاوي، “يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم، “ليالي ألف ليلة” لنجيب محفوظ.

يذكر أن Penguin Books دخلت في مشاريع مماثلة مع ناشرين في البرازيل والصين وكوريا الجنوبية،  لكن مشروع “شروق- Penguin Books” هو الأول من نوعه لدار النشر العالمية في العالم العربي، وسيتيح ترجمة عربية للمرة الأولى لـ “كلاسيكيات Penguin Books” التي بدأت نشرها عام 1946 وأصدرت أكثر من 1200 عنوان.

كان بنيتو موسوليني قدم للطبعة الإيطالية من الكتاب الصادرة عام 1924 وصف فيها ماكيافيللي بأنه شديد التشاؤم في ما يخص الطبيعة البشرية “إنه يحتقر البشر… البشر عند ماكيافيللي خبثاء… على استعداد لتغيير أهوائهم وعواطفهم” مشيراً إلى أن الأمير هو الدولة.

 كتاب “الأمير”

 يرى النقد الحديث أن الرغبة في كتابة “الأمير” ومن ثم الحديث عن الملكية قد أثارهما تفاقم الوضع في إيطاليا. في الواقع شهدت إيطاليا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر صراعات داخلية، فأراد مكيافيللي من خلال بحثه  تنبيه الإمارات الإيطالية لتولي زمام البلاد الغارقة بالحروب، معتقداً أن السبيل الوحيد لاستعادة القيمة هو حكومة ملكية…

منذ ظهوره في القرن السادس عشر، أثار هذا الكتاب الصغير جدلا كبيراً واختلفت الآراء حول مضمونه الأخلاقي، مع ذلك سرعان ما تحوّل إلى مادة ضرورية لدراسة علم السياسة في عصر النهضة،  في ما بعد تطوّر الخلاف إلى ما هو أبعد من مجرد تناول أغراضه العلمية وعلاقته بالمستقبل السياسي لعائلة مديتشي، واعتبره علماء الأخلاق في بريطانيا وفرنسا كتابًا مناسبًا للطغاة الأشرار.shourouk

يبرر مكيافيللي قيام الأمير بأي عمل لتقوية الدولة والحفاظ عليها، حتى لو كان مخالفاً للقوانين والأخلاق، إذ ينبغي النظر إلى الغاية وليس إلى الوسيلة، ولكن هذا السلوك يُـتـّبع لتحقيق نجاة الدولة ليس إلاّ، وإن لزم الأمر أن يأتي قبل قناعات الأمير الأخلاقية الشخصية، ليس لكونه السيد وإنما خادمَ الدولة.

رغم أنه نشأ  في المدرسة الجمهورية ولطالما آمن بالقيم الجمهورية؛ إذ كانت الجمهورية الرومانية هي نموذجه، وأشاد بها في أحاديث حول عقد تيتوس ليفيوس الأول، بمشاركة الشعب المباشرة، إلا أن مكيافيلي شدد على أهمية الأمير ومثالية الإمارة المطلقة…

أراد مكيافيللي استعادة مكانة سياسية ذات صلة لذلك كان على استعداد لقبول بُـعد النظام الملكي، أو أن أميره يشكل نموذجاً عالمياً لرأس الدولة، سواء  كان ملكياً أو جمهورياً.

يعتبر مكيافيللي أن الطبيعة البشرية شريرة إلا أن لديها عوامل ثابتة هي العاطفة والفضيلة والقدر. يـظهر الاستخدام المتكرر للفضيلة المثالية من التاريخ القديم ومن تجربته في السياسة الحديثة أنه ليس ثمة انقسام واضح بين العالمين القديم والحديث في تحليله التاريخي، هكذا يستخلص مكيافيللي قوانين عامة من درس التاريخ، لكنها لا تـُفهم كقاعدة معصومة صالحة في كل مقام ووضع، بل ميول بسيطة تـُوجـّـه أفعال الأمير الذي يتوجب عليه التعامل مع الاحتكاك بالواقع. لا توجد أي تجربة في الماضي لا يمكن تكذيبها من خلال تجربة جديدة حاضرة؛ يـُفـَسـّر افتقار العلمية عدم خضوع مكيافيللي لسلطة القدماء: تبجيلهم ولكن ليس الامتثال لهم، لذا ستخدم الأمثلة التاريخية للحـُجـّة الخطابية وليس العلمية.

الحرب والسلام

 يرى مكيافيللي  أن السلام يقوم على الحرب تماماً كالصداقة القائمة على المساواة، وبالتالي المساواة الوحيدة المطروحة على الساحة الدولية هي القوى الحربية المتساوية للدول. يقول إن قوة البقاء لأي دولة (ديمقراطية أو جمهورية أو أرستقراطية) مرتبطة بقوة الجيش وسلطته، وبالتالي يجب الاحتفاظ بالاحتكار المشروع للعنف، لضمان الأمن الداخلي والحيلولة دون الحرب الخارجية (في إشارة إلى رسالة وجهها إلى مجلس فلورنسا الأكبر (1503)، أمل فيها مكيافيللي في إقناعه بفرض ضريبة جديدة لتقوية الجيش، وهو أمر ضروري لبقاء جمهورية فلورنسا).

يتغير معنى كلمة الفضيلة لدى مكيافيللي:  الفضيلة هي مجموعة خبرات  يحتاجها الأمير للتعامل مع القدر، أي الأحداث الخارجية. وبالتالي الفضيلة هي خليط من الطاقة والذكاء، فعلى الأمير أن يكون ذكياً وكذلك كفئاً وحيوياً.

فضيلة الفرد والفرصة أي القدر: تبقى مهارات السياسي مـُـعـَطـّلـَة إن لم يجد فرصة ملائمة للإفصاح عنها، وبالعكس تبقى الفرصة مـُـعـَطـّلـَةً لو أن السياسي الخـَلـُوق لم يعرف استغلالها. غالباً ما تتمثل الفرصة بوضع سلبي بحاجة إلى مـُحفـّز لفضيلة استثنائية.

كتب مكيافيلي في الفصلين السادس والسادس والعشرين أنه كان من الضروري استعباد اليهود في مصر القديمة، واكتساح الأثينيين لأتيكا، وإخضاع الفرس للميديين لأنهم كانوا يستطيعون اللجوء إلى فضيلة زعماء عظام كموسى، أو ثيسيوس أو قوروش. يمكن أن تتكيف الفضيلة البشرية مع القدر من خلال القدرة على التنبؤ، والحسابات الدقيقة. في لحظات الهدوء لا بد للسياسي الماهر من أن يتخذ ما يلزم تماماً للمستقبل كما يتم بناء سدود الأنهار لاحتوائها بالكامل.

صوّر مكيافيللي الدين بأنه “أداة ملكية”، أي وسيلة يمكن  السيطرة على الشعب من خلالها  وتوحيده باسم العقيدة الوحيدة. فالدين في نظر مكيافيللي هو دين للدولة التي يجب أن تستغله لأغراض سياسية بحتة واعتبارية، وأداة يفرضها الأمير للحصول على موافقة الشعب العامة.

ظل كتاب الأمير طويلاً ضمن قائمة الكتب المحرمة من قبل الكنيسة الكاثوليكية، يعود ذلك جزئياً إلى أنه فـَنـّد النظريات السياسية المسيحية من بينها نظريات  للقديس أوغسطين وتوما الأكويني، ولكنه يرجع أساساً إلى إلغاء مكيافيللي لأي صلة بين الأخلاق والسياسة . بالنسبة إليه على الأمير أن يحاول الظهور بمظهر الحليم والمتدين والنزيه والأخلاقي. لكن في الواقع، لا تسمح واجبات الأمير له بامتلاك أي من هذه الفضائل.

تحدى كتاب “الأمير” الفلسفة التابعة للكنيسة الكاثوليكية،  وأسهمت قراءته في تأسيس الفكر المتنور وبالتالي العالم الحديث، محتلاً بذلك مكانة فريدة في الثورة الفكرية في أوروبا. تتردّد  أشهر مقولاته على نطاق واسع لغاية اليوم، لا سيما في انتقاد الزعماء السياسيين.

  أبرز مقولات “الأمير”

يقول ماكيافللي: “على المرء أن يكون ثعلباً ليعي الفخاخ المنصوبة له وأن يكون أسداً ليرهب الذئاب” بمعنى أن يكون قادرا ًعلى استخدام الحيلة والقوة للوصول إلى الغاية بعيدا عن المعايير الأخلاقية.”

ويرى ماكيافللي (1469-1527) أن الأقاليم التي تشق عصا الطاعة ثم تستعاد لا يمكن أن تضيع مرة أخرى، لأن الحاكم يكون حينئذ أشد رغبة في تأمين مركزه بمعاقبة المعتدين وكشف الشكوك وتقوية نقاط ضعفه.

ويعتقد أن  وصول شخص ما إلى السلطة يكون برغبة المواطنين وليس بالجريمة أو العنف… بلوغ هذه الولاية لا يتوقف بتاتاً على الجدارة أو الحظ، بل  يعتمد  على مكر يعينه الحظ، لأن المرء يبلغها برغبة الشعب أو بإرادة الطبقة الأرستقراطية.

وفي فصل “في الشدة واللين”، يناقش ماكيافيللي ما إذا على الحاكم أن يكون محبوباً أو صاحب هيبة،  ويرى أن كليهما مطلوبان، موضحاً أن البشر يجحدون المعروف ويظهرون غير ما يبطنون ويطمعون في الكسب، وأن الصداقة “تكتسب عن طريق الشراء لا عن طريق عظمة الروح ونبلها، ولكنها غير مأمونة ولن تستخدم لمصلحتك عند الطوارئ”، وأن الناس يترددون في الإساءة إلى من يحبون بدرجة تقل عن ترددهم في إيذاء من يهابون.

وفي فصل “في الطريقة التي يحفظ بها الأمراء عهدهم” يقول إن على الأمير أن يبدو رحيماً ووفياً وصادقاً ومتديناً، ولكن عليه أن يكون مهيأ لأن يسلك عكس هذه الخصال. قد يضطر الأمير أحيانا إلى أن يأتي أعمالا ضد الوفاء وضد الدين ليحافظ على الدولة، وعليه أن يكون مستعداً لأن يكيف نفسه “مع الريح التي تهب” وألا يتردد في اقتراف الشر إذا اضطر إليه.

  فقه سياسي

 “الأمير” دراسة في الفقه السياسي أعدها نيكولو مكيافيللي سنة 1513 أثناء وجوده في قرية سانتاندريا بركوسينا مـُـبـْعـَداً إثر عودة عائلة ميديتشي1512) لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة بيير باولو بوسكولي ضد الميديشيين. أهدى مكيافيلي هذا الكتاب إلى لورينزو  ابنبييرو الثاني دي ميديتشي على أمل استعادة منصب أمين الجمهورية، ونشر سنة 1532 بعد وفاته. وهو بلا شك أكثر أعماله شهرة، واانبثق منه اسم “المكيافيللية” وصفة “المكيافيللي”.

جاء أول ذِكرِ لهذا الكتاب في الرسالة  التي وجهها مكيافيللي إلى  صديقه فرانشيسكو فيتوري المؤرخة في 10 ديسمبر 1513، رداً على رسالةٍ من الأخير رَوَى فيها حياته في روما،   فروى له  مكيافيللي  الجوانب الخشنة في حياة الريف وتحدث عن دراساته موضحاً أنه ألـّف كتيباً بعنوان “الأمير ” (De principatibus)

لا يُـنسب الكتاب إلى نوعِ معين لأنه لا يملك خصائص البحث العلمي الفعلي والحقيقي، بل يأخذ طابع التوعية، وهو   يتكوّن من إهداء و26 فصلاً…

 كلام الصورة

1- مكيافلي

 2- غلاف الكتاب

 

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: