«مصر الثورة وشعارات شبابها» لنادر سراج: دراسة لسانية استثنائية في عفوية التعبير

guilaf srajصدر كتاب مهم تحليلي ميداني للباحث نادر سراج بعنوان «مصر الثورة وشعارات شبابها» ( المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). مهد  الباحث للكتاب  بمقدمة تتابع مضامين الكتاب  وتوضح السياق فيه وخلفيات الشعارات ومجازاتها. جاء فيها :

في إطار اهتمامات المعهد الألماني للأبحاث الشرقية (Orient-Institut Beirut-OIB) بمتابعة التحولات الاجتماعية الثقافية التي واكبت الانتفاضات الشبابية في ما اصطلح على تسميته بلدان «الربيع العربي»، وخاصة في وجوهها التعبيرية اللغوية، دعم المعهد المشروع الذي تقدّمنا به لإنجاز دراسة لسانية موثقة بعنوان «Political Slogans in Changing Arabic World: Linguistic Approach».

تكمن أهمية موضوع دراسة الشعارات السياسية من وجهة نظر لسانية وظيفية في إبراز دور المناهج التحليلية البنيوية والأدوات اللسانية في مقاربة دراسة لغوية تطبيقية، إن على مستوى آليات جمع المادة (وسائل إعلام، مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، كتب ومنشورات، مشاهدات عينية… إلخ)، أو تصنيفها، أو على مستوى تفكيك بنى الخطاب الشعاراتي، أو على مستوى دراسة المكوّنات وتحليل المضامين وإبراز الدلالات، في ضوء التبدلات الحاصلة لجهة منشئي الشعار انتماؤهم السياسي، أعمارهم، انشغالاتهم) وظروف إنتاجه وتداوله ورواجه وتعديله.

طمح المشروع الذي حددنا إطار عمله كالآتي: «مقاربة لسانية للشعارات السياسية في العالم العربي: مصر أنموذجاً»، إلى مقاربة الشعار السياسي مهتوفاً ومكتوباً أو متناقلاً عبر وسائط التواصل الحديثة ليس بوصفه مجرد تلفظ لغوي ناقل لرسالة معينة (سياسية، اجتماعية ودينية)، بل بوصفه فعلاً سياسياً تغييرياً، مكّن منتجيه الحقيقيين، أي الفاعلين الاجتماعيين، من إنجاز أفعال ملموسة على أرض الواقع، كما ساهم في تشكيل وعي جديد في صفوف الجمهور المنتفض، منتجاً أكان أم مستهلكاً أم مروّجاً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أدّت شعارات «الشعب يريد إسقاط النظام» و«يسقط يسقط حكم العسكر»، و«إرحل» وسواها، دورها في تعديل موازين القوى بين الجمهور والسلطة، وساهمت هي ونظيراتها في تغيير أنظمة وإطاحة رؤساء مستبدين.nader sraj

اعتمدت الدراسة التي نفّذناها مع فريق عمل لبناني مصري، مؤلف من خمسة باحثين مساعدين، في 12 شهراً (من آذار/ مارس 2012 إلى آذار/ مارس 2013)، على مدوّنة من 1700 شعار شكّلت «قاعدة المعلومات»، واشتملت على ثلاثة أقسام: يتناول الأول التراكيب واستخدام الضمائر، ويعالج الثاني قضايا البلاغة من خبر وإنشاء وخروج اللفظ عن مقتضى الظاهر، ويتطرق الثالث إلى الدراسة السيميائية لرموز المظهر والملبس والمأكل وغيرها. وبغية توثيق منطلقات الثورة المصرية ومراحلها والإحاطة بمنظومة الشعارات والهتافات والتعليقات التي واكبت مختلف تحركات القائمين بها أو مناوئيها، في القاهرة والمحافظات، اعتمدنا مجموعة من المصادر والمراجع (مطبوعة ومرئية ومسموعة وإلكترونية).

تتوخى هذه الدراسة مقاربة موضوع شعارات ثورة 25 يناير 2011 في مصر من وجهة نظر لسانية. فمنظومة الشعارات والهتافات التي ابتدعها شباب الثورة ورددوها في ميادين القاهرة وشوارعها، وما استتبعها من كتابات جدارية ورسوم غرافيتية وتعليقات ونكات تبودلت على الأثير العنكبوتي، وعلى وسائل التواصل الاجتماعية، تشكل مدوّنة قابلة للفرز والتصنيف والدرس والتحليل في ضوء المبادئ اللسانية.

لذا قسمنا القسم الأول خمسة فصول، تناول أولها اللغة الشعاراتية التي لا تختلف وظائفها عن وظائف اللغة عموماً لجهة أنها استجابية ومعرفية وتواصلية وتعبيرية وتمثيلية واجتماعية. وما يهمنا هنا هو متابعة الأدوار الملحوظة التي أدتها هذه الوظائف، منفردة ومجتمعة، في عملية التواصل الجماهيري في الساحات العامة أولاً، وفي وسائل الإعلام وعلى الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي ثانياً، وفي مجال التعليقات الساخرة والانتقادات وسواها من أشكال التندر الشعبي المعروفة ثالثاً. وقد لاحظنا عبر استقراء الشعارات المجموعة أن هذه الوظائف لا تأتي كل منها على حدة، بل تجمعها النتاجات الكلامية برمّتها.

 منتجو الشعارات

أفردنا الفصل الثاني لمنتجي هذه الشعارات والهتافات ومروجيها، وهم في أغلبهم ناشطون في المجتمع المدني ومناضلون وطلاب وعمال ومواطنون، رفعوا الصوت عالياً، وسبكوا معاناتهم من النظام المستبد في شعارات عكست رغبتهم في التغيير السياسي، وتوقهم إلى تحقيق الديموقراطية والعدالة، وإرادتهم في تأمين أدنى المتطلبات الإنسانية من عيش (خبز) وحرية وكرامة إنسانية. فانطلاقاً من أن الشعار لا يُدرس من دون العودة إلى منشئيه ومرسليه الحقيقيين، سلّطنا في هذه الدراسة الضوء على شباب الثورة الذين تولّوا منذ الأيام الأولى تزخيم الحَراك السياسي، ونشطوا في أكثر من مرحلة، فواجهوا وجابهوا وانتصروا لمبادئها وقدّموا شهداء وتصدّروا الصفوف، ونعني بهم «حركة شباب 6 أبريل»، و«الألتراس»، و«البلاك بلوك»، وسواهم.

بما أن وظيفة الشعار تجميعية تحث على رص صفوف المتظاهرين في الميدان مهما كانت انتماءاتهم، تطرّقنا إليها في الفصل الثالث، ومن ضمنها حثّ المواطنين والمنضمين إلى «حزب الكنبة»، أي «الكنبويين»، الملتصقين بالكنبة، المتلزمين بيوتهم، على المشاركة مع المتظاهرين في التحرك السياسي والمطلبي. وكان من وظائف الشعار أيضاً توجيه الهتاف للتنبّه أو التحريض أو التلميح الذكي، كما حصل بعد التحرّشات المتتالية بالمشاركات في الاحتجاجات، حين نظمت مسيرة مشتركة، للنساء والرجال، باسم «حرائر مصر»، ورُدد فيها هتاف ذو دلالة: «يا رجّالة اقعدو في بيوتكو… بنات مصر حاتجيب حقوكو».

الملاحظ أن الشعار المصري لم ينهل من مرجعية أيديولوجية واحدة فقط؛ بل كان نتاج الأيديولوجيات المختلفة، الوطنية التحررية المتنسمة رياح التغيير والتحديث وإعلاء حقوق الإنسان، أو الإسلامية المنادية بتطبيق الشريعة. كما كان للمجتمع المدني والليبراليين واليساريين مراجعهم الأيديولوجية المعروفة التي تمثلت أكثر ما تمثلت في شعارات ثورة 25 يناير الحاملة أفكاراً سياسية وتوجهات منادية بالتغيير ورافعة لواء قيم مجتمعات الغرب من حرية وعدالة إنسانية وكرامة، إلى تحسين الأوضاع المعيشية وإحلال دولة القانون ومعاقبة الفاسدين والاقتصاص منهم. وتحفل مدوّنتنا التي جاوزت الألف وسبعمئة شعار بأغلب هذه التوجهات والأفكار.

لم ينضب معين المصريين فكانوا يُدخلون التعديلات على الشعار وفق تغيّر الأحداث، وهو ما تناولناه في الفصل الرابع بالتفصيل وبيّنا إصرار الشباب الثوار على التعبير عن موقفهم السياسي بوضوح، ولو اعتمدوا لغة أجنبية، بمختصراتها المعروفة، وبمضمونها اللاذع. ليس المهم بالنسبة إليهم اختيار نمط لغوي معين أو العناية بتهذيب ألفاظهم، وإنما إبداء وجهة نظر سياسية تجاه الحوادث والشعارات المعبّرة عنها أياً تكن الوسيلة اللغوية المتاحة أو المعتمدة. فالمطلوب هو إيصال الرسالة بيسر وسهولة ومباشرة.

 دينامية الضمائر

درسنا في الفصل الخامس دينامية الضمائر، ولاحظنا أن الصدارة المتمثلة في هذه التجليات البلاغية الشعبية كانت لضمير المتكلم بلا منازع. وهو في تعبيره الجَمعي المؤتلف الدلالات خير حامل لرسالة الشعب المكافح والمتضامن والثائر والمطالب بحقوقه المشروعة. من هنا حلّ في المرتبة الأولى بجدارة. وتكرّست المرتبة الثانية لحالات الغيبة الضمائرية التي تناولت في رمزيتها الدلالية الرئيس السابق حسني مبارك وتناولت رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق وغيره من الأعوان الذين أنف الجمهور من تسميتهم بأسمائهم، ومصر وثورتها وشعبها وجيشها والتغيير المنشود والإسلام التي استُحضرت الضمائر للحديث عنها، لا تغييباً لحيثياتها، بل لأنها مُدرَكَة جيداً ومعروفة في أذهان قائليها. أما ضمائر المخاطب في صيغها الفصيحة والعامية، فحلّت في المرتبة الثالثة في حالات الإفراد والتثنية والجمع. وهذا يدل على أن خطاب الساحات والميادين رغب في إيصال رسالة سياسية بلغة مباشرة. فعبّر عن نفسه أصدق تعبير، مستخدماً ضمائر المتكلم التي أفصحت بجلاء عن مشاعره وتطلعاته. كما صاغت آماله بالتغيير، وتوقه إلى حياة حرة كريمة، ودانت من يستحق الإدانة، وسفّهته، وندّدت به.

في القسم الثاني من الدراسة الذي تناول بلاغة الواقع، تمحور الفصل السادس فيه حول الجملة الخبرية والجملة الإنشائية في خدمة الشعارات. وقد مكّنتنا فقرة «البلاغة الوظيفية مفتاح لتحليل الشعارات» من التعرّف إلى الكيفية التي بيّن الخطاب الشعاراتي المصري من خلالها أشياء العالم الخارجي ومفاهيمه عن طريق تملّكها. كما أسعفتنا في الإطلاع على الآلية التي استعان بها لإخضاع بنى الشعارات لتعديلات، مستجيباً بذلك للاحتياجات التواصلية المستجدة التي أفرزتها الساحات والمعتصمون فيها بالطبع.

هذا ما أعانتنا وجهة نظر عالمَين كبيرين هما كلود حجاج وأندريه مارتينه على تفهّمه. فمارتينه فضّل من جهته تأكيد أهمية الوثوق بالسياق بغية توجيه السامع، وفي حالتنا، متلقي الشعار/ الهتاف ومردّده ومتداوله، فيما ربط حجاج بين اللسان والواقع والمنطق، معتبراً أن العالم لا يفرز فكراً، وإنما يمكن الإنسان الذي ينتج خطابات عن العالم أن يفكر العالم. هكذا ورد في معالجتنا موضوع تحوّل الجمل، إنشائية وخبرية، عن أغراضها الأساسية إلى أغراض أخرى، وهو ما يتعلق أساساً بالسياق الذي تحدث عنه مارتينه والذي يعين على تبين الأغراض أو المعاني الجديدة، بعد تعديل كلمات في الشعار، فخلصنا إلى أن منتجي البلاغة الشعبية وناقليها في الساحات والميادين، وفي المنتديات السياسية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وسواها من فضاءات تعبيرية منفتحة الآفاق، شأنهم في كل استحقاق «ميداني»، تعاملوا بمرونة وذكاء مع قوانين اللغة الوضعية وقواعدها، فطوّعوها لغاياتهم، وأحسنوا استخدام إمكاناتها، لذلك لم تحل بينهم وبين التعبير الحر. فيما الربط بين اللسان والواقع والمنطق (مقولة حجاج) أوصل الشباب المعتصمين إلى أن يفكّروا العالمَ من حولهم، على طريقتهم الشبابية. وانطلاقاً من فكرة التغيير التي كانت المحرّك الرئيس لانتفاضتهم، أثبت النتاج الشعاراتي أنهم سعوا إلى إعادة بناء أشياء العالم الخارجية ومفاهيمه، وعدّلوا في دلالات مفردات لغتهم وتراكيبها وأغراضها، معتمدين لهذه الغاية مبدأ أساسياً، بلاغي المنطلق ولساني التطبيق مفاده أن السياق سيد المعنى. وأثبتوا أن الكلام، أفعالاً ووظائف، لا يتصف بالثبات والسكونية، ولا هو يُنمّط في قوالب وصيغ جامدة، بل هو نتاجات حية للمتكلمين، أي للفاعلين الاجتماعيين الحقيقيين الذين احتشدوا ورفعوا الصوت كي يوظفوه في نقل رسائلهم، ولإقناع مستقبليها والتأثير فيهم.

 التناص

خصّصنا الفصل السابع لدراسة التناص بين الشعار والفنون المرئية. فأعدنا في دراستنا كثيراً من الشعارات المصرية التي رُفعت إلى النصوص التي أحوت بها، فبُنيت على منوالها. ولهذه الغاية استحضرنا عدداً لا بأس به من الأفلام والأغاني والمسرحيات وغيرها، فوثّقناها، وبيّنا قدر الإمكان علاقات النسب التي تربط شعارات شباب الثورة بها، وهي علاقات سمحت بالقول إن هذا الشعار منتزعٌ من صيغة هذا الفيلم أو هذه الأغنية أو هذا المثل الشعبي، بغضّ النظر عما إذا كانت العلاقة راسخة أم شبه واضحة. وبحكم وفرة الأمثلة التي استشهدنا بها، اضطررنا إلى الاختصار، مبينين وجوه التناص فحسب. وقد أظهرت مدونتنا حالات عديدة من أشكال وجوه التناص، الكلامية منها والمرئية أو التصويرية المرتبط ارتباطاً وثيقاً بما حفلت به الذاكرة الشعبية في مختلف شرائح الشعب المصري، من أفلام ومسرحيات ومسلسلات وأغان وأمثال شعبية وتعابير سائدة ومسكوكات لغوية وسواها.

الفصل الثامن أفردناه لشعار «إرحل» بوصفه أنموذجاً لخطاب الاعتراض، ففعل الأمر «إرحل»، بوصفه قولاً أحادي الكلمة، يقوم مقام الجملة وظيفياً. هذا القول أدى دوره بجدارة في صوغ جملة فعلية مكثفة المعاني وبالغة الدلالة، عكست في شكلها الأحادي وفي مضمونها لسان حال الشباب المنتفض والمنادي بالتغيير، والذي اعتمد صيغة الأمر المختصرة، شكلاً ومضموناً لتأكيد إدراكه أولوياته التغييرية السياسية. وبطبيعة الحال فالمرسل إليه المقصود بالكلام (صيغة الرحيل) هو الحاكم الجائر والظالم والفاسد الذي طالب ناشطو الثورات العربية برحيله الفوري عن الحكم، وعن البلاد، هو وأعوانه وأركان نظامه وحزبه وافراد عائلته.

القول الأحادي «ارحل» الذي درسناه كأنموذج للشعار الاعتراضي الملفوظ، صنف «تعبيراً بليغاً يلخص الثورات، فهذه الكلمة البليغة الموجزة هزت كراسي الحكم في أكثر من دولة عربية خلال الأشهر الماضية». ووفق مبدأ «عولمة الغضب»، انتقلت عدواء التعبيرية إلى أكثر من بلد، ووصل لاحقاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي. وفي فترة لاحقة، بات الشعار لازمة أغاني الثورات العربية ومدار قصائدها وموسيقاها.

اسفرت قراءتنا اللسانية المقارنة للنتاج اللغوي الخضب والمتنوع والمتعدد الأشكال والصيغ التعبيرية لفعل الرحيل عن مجموعة ملاحظات أو استنتاجات أولية جعلناها في خانات عدة تسهيلاً لربطها بعضها ببعض. بدأنا بالملاحظات العامة التي شملت أكثر من بيئة عربية منتفضة أنتج ناشطوها صيغتهم الخاصة لفعل «ارحل»، وعرجنا من ثم على بيئات ثانوية، عربية وأجنبية، لحقتها عدوى المطالبة بالترحيل. وأوجزنا في مرحلة ثالثة بضع ملاحظات تتعلق بالبيئة التونسية التي تمتلك خاصية معينة لجهة ريادتها في عملية نقل هذا الفعل اللغوي إلى حيز عملي من جهة، وامتلاكها ثقافة فرنكوفونية واضحة المعالم برزت في إطلاقها صيغة الأمر بالترحيل بلغة راسين، لا بلغة المتنبي، من جهة ثانية.

 سيميائية الشعارات

القسم الثالث جعلناه للدراسة السيميائية للشعارات. وتمحور الفصل التاسع فيه حول «رموز التلاقي بين الأديان والجماعات». وقد استوقفتنا اسئلة بدهية ونحن نعالج حضور الرموز الدينية، أشكالاً بصرية بدرجة أولى وتعابير ومسكوكات لغوية بدرجة ثانية، في متن الشعارات السياسية. تساؤلنا عن امكانية ادراجها ضمن منظومة الشيفرات التي تدرسها علوم السيميائية، وتسعى من خلالها إلى تأطير وقوننة ضروب السلوك والاصطلاحات السائدة في السياقات والأدوار الاجتماعية المعنية التي تشكل كينونة الانسان، وتفسر كيفية تعبيره عن نفسه وأنماط اتصاله بالآخر. بحار الباحث في تصنيف هذه الرموز الدينية، أيجعلها في خانة الشيفرات الاجتماعية التي تحدد التفارق الاجتماعي؟ أم يدرجها في عداد الشيفرات اللسانية بأشكالها الملفوظة وغير الملفوظة التي تقوم بدور أساسي في تشييد ضروب الواقع الاجتماعي؟ أم يصنفها ضمن الشيفرات الادراكية البصري؟ أم يدعها خارج نطاق التصنيفات؟ وتوقفنا ملياً عند حضور كل من الصليب والهلال على حدة، فقد ظهرا متوجين للمعابد ولدور العبادة ولمقر «حزب الوفد»، وتعانقا او تجاورا في اللافتات والصور، وارتسما بألوان العلم المصري على الخدود والجباه، وزينا رسومات الغرافيتي التي لونت جدران القاهرة. وأكدا في ذلك كله أهمية حضور الرموز الدينية في الخطابين السياسي الاحتجاجي والاجتماعي المطلبي لجمهور متدين، لا يزال متمسكاً بأهداب دينه، أياً يكن هذا الدين.

الرموز الدينية المرفوعة، في حالتيها الافرادية والائتلافية، لم تشكل قرائن للدلالة على خلفية حامليها وانتمائهم إلى دين سماوي معين، بقدر ما كانت مصدراً أساسياً لإخفاء (أو القفز على) التفارق الطائفي ـ والاجتماعي بطبيعة الحال، أساساً، والثقافي الايديولوجي عموماً من جهة، ولتأكيد التلاحم الوطني والتعاضد لمصلحة مصر من جهة ثانية.

مفهوم «الإيد الواحدة» هو جزء من دراستنا السيمائية في الفصل التاسع، فهو تكرر في أكثر من شعار أو هتاف توحيدي المنحى، أو رسم جداري واتخذ صيغاً وأشكالاً متعددة وفق ظروف انتاجه وهوية مطلقيه ومردديه. ونظراً إلى الارتقابات والاستجابات الي لقيتها هذه الصورة المجازية في صفوف المتظاهرين، رأينا من المفيد التوقف عندها لمعاينة الوجوه والنظائر، فضلا من الدلالات التي حملتها، والتي تعكس في مضامينها انموذجاً عن تطور الحوادث التش شهدتها ثورة فبراير في مصر، وتعميماً للفائدة نشير إلى ان اليد، أو قبضة اليد، استخدمت كرموز سيميائية لمعظم حركات التحرر العربي (الثورة الفلسطينية) والعالمي (حركة أوتبور الصربية).

في الفصل العاشر المعنون «أبطال كليلة وجمنة كمرجعية اسنادية وترميزية للشعارات السياية»، لاحظنا ان الحصيلة اللغوية لهذا الحراك الشبابي حفلت جزئياً بنماذج حيوانات اليفة استحضرت في متن الشعارات، كمشتبهات بها، وتناسلت لاحقا بعد حدوث «موقعة الجمل» الشهيرة في 2/2/2011، واستمرت بعدها بالطبع، فالكلاب كانت هناك: «أمن الدولة كلاب الدولة دول عتاولة في نهب الدولة»؛ والنسر المذهب حلق بدوره في سمائ التظاهرات وان للتلميح إلى فئة الضباط. ولم تغب عن هذا المجال اللاغي صورة «الحمرنة» وتناسلاتها التعبيرية. أما الجمل أو البعير فنال قسطه من الاستحضار الدلالي في متن الشعارات والتعليقات الساخرة. فـ «موقعة الجمل» أو الجمال التي حصلت خلال فترة حكومة احمد شفيق، وتحديدا في ميدان التحرير الذي كان مسرحا لها، باتت محطة «دلالية» فاصلة في مسار الثورة المصرية، وباتت مرجعية اسنادية تستعاد في سياقات تواصلية مستجدة مثل: «موقعة جمل» إخوانية، ويراد بها مهاجمة ميليشيات «الإخوان المسلمين» للمعتصمين السلميين امام قصر الاتحادية في مصر الجديدة، فصارت رمز غباء أجهزة السلطة التي تكرر ما فعله سابقوها.

الفصل الحادي عشر حمل عنوان «سيميائية المأكل وكلماته في الشعار السياسي»، وباعتبار ان دراسة وسائل التواصل الملحوظة في علم السيميائيات، إنما تنشأ من دراسة اللسانيات، وأن اصطلاحات الشيفرات في السيميائية تمثل بعداً اجتماعياً، فقد خصصنا فضلا للسيميائيات، وتحديداً لشيفرات الملبس والمظهر والمأكل وسواها التي استعان بها منتجو الشعارات، لتمكين المتلقي من اكتشاف اهمية توظيف المجاز والرموز السيميائية في هذه النماذج الحية للتعبير السياسي العفوي. وثمة اجماع على ان الشعار الأول الذي اشعل شرارة الحراك الشيعي في مصر كان طابعه اجتماعياً، وتحديداً معيشيا واستهلاكيا اكثر منه سياسياً. فبائعه الجرجير والبصل في شارع ناهيا (حي بولاق الدركرور الشعبي)، رفعت رغيفاً من الخبز في وجه الثوار وانضمت اليهم طالبة منهم: «قولوا عيش، قولوا حرية، يا أولاد مصر العربية». من هنا انطلق هتاف الثورة الأل: «عيش، حرية، كرامة إنسانية» الذي عدل بعضهم في تراتبية مكوناته معتبرا اياه شعار الثورة الشهير: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». بعد مرور عام عدل الاسلاميون في تراكيب الشعار فبات: «عيش، حرية، دولة إسلامية».

إذا كان للعلامات غير اللغوية، أو تلك المصاحبة من رموز وما شابه، حضورها، إن في مسالة توظيف «الخبز» للتعبير عن تردي الأوضاع المعيشية، أو في معرض الرد على الحملة الإعلامية الرسمية المغرضة بخصوص توزيع وجبات «منتاكي» مجانية على معتصمي التحرير. فقد رفع كيس «عيش» مصري فوق شجرة ودونت عليه جملة «هنا مركز توزيع كنتاكي». وبعد «العيش»، أتت «اللحمة» التي افتقدها المستهلك المصري قبل الثورة، وعز وجودها غلا في مواسم الأعياد. لذا، استوقف غلاء أسعارها المتظاهرين فهتفوا: «حسني بيه.. يا حسني بيه كيلو اللحمة بـ 100 جنيه».

في الإطار السيميائي عينه وردت أسماء وسائل النقل ورمزيتها السياسية وكانت محور الفصل الثاني عشر. فقد حفلت الهتافات الأولى المتادية علنا برحيل مبارك بمفردات ورموز سيميائية متسولة من قاموس النقل الجوي وترتبط بهذا الكيان، ومأنوسة في أذهان المصريين، وتشير بوضوح إلى الرغبة الشعبية في ترحيله فوراً. فهتاف «يا مبارك يا طيار الطيارة في المطار»، حمل ثلاثة مكونات تعود إلى عالم النقل الجوي: المهنة العسكرية السابقة (طيار) بمعنى انه قادر على القيام بنفسه بهذه المهمة، فتطوعوا للتصريح باسمه ولطلب الاذن بالمغادرة وتحديد وجهة السفر: «آخر طلعة جوية هاتكون للسعودية»، وحددوا وسيلة النقل المتاحة (الطيارة)، وعينوا مكان الاقلاع (المطار)، ورفعا للكلفة، استعين بلقب مبارك المتداول في الشارع المصري/ «ريس»، في هتاف آخر دعاه إلى اتخاذ القرار وتجنّب الحيرة، فكل شيء بات جاهزاً «يا ريّس لا تحتار… الطيّارة بالانتظار».

كذلك لم ينجُ الرئيس مرسي، خليفة مبارك، من استحضارات من عالم السيارات ورموزه السيميائية. فبات عدّاد السيارات (Parking Meter) رمزاً له بعد الثورة. وتداول الجمهور تعبير «مرسي ميتر» أو «المقياس الإلكتروني لأداء مرسي»، أو «عدّاد مرسي» على الإنترنت، كعلامة سيميائية ذات خلفية سياسية، ورئاسية تحديداً. فهو يشير إلى «خطة المئة يوم لتحقيق الوعود الخمسة الخاصة لحل مشاكل الأمن والتكدّس المروري والخبز والنظافة والوقود وإمدادات الطاقة» التي وعد الرئيس المصري بتحقيقها، وخصص لها ناشطون وسيلة مراقبة وقياس أطلقوا عليها اسم «مرسي ميتر» أو «عدّاد مرسي».

 ثقافة الملبس

استكمالاً للدراسة السيميائية انتقلنا في الفصل الثالث عشر إلى تحليل ثقافة الملبس، والجزئيتان اللتان استوقفتانا هما: الملبس وتصفيف الشعر وخضبه، بما في ذلك عفّ اللحى. وهنا نلاحظ أن الاستعارات السياسية المستمدمة من عالم الملبوسات لم تنشأ من فراغ تعبيري، فأطراف الصراع السياسي على إطلاع كاف عليها وعلى مدلولاتها والتداعيات التي تعكسها دلالاتها السيميائية في اذهان مستخدميها. فلا عجب ان يؤتى بالتالي في متن الشعارات على ذكر الجلابية «والراجل أبو جلابية»، و«البوكسر» وغيرها، فالشعب يعرف على من تدل كل علامة من علامات الملبس هذه، تماماً كما يعرف إلى من ترمز اللحى ومن الذي يخضب شعره لتمويه تقدمه في العمر.

بكلمة، إن الفكرة المبتغاة من إنجاز هذه الدراسة تمثلت بإخضاع عينات من هذه الشعارات للأدوات الإجرائية اللسانية بغية تفكيك عناصرها واستقراء مضامينها وتحليل دلالاتها وربطها بأوضاع إنشائها وإماطة اللثام عن منشئيها ومتداوليها، أي الفاعلين الحقيقيين الذين ابتدعوها وتجاوبوا مع رسائلها السياسية، فاحتشدوا واعتصموا وتظاهروا، وشاركوا في عملية التغيير السياسي.

موضوع الدراسة هو إذاً الشعار السياسي بحد ذاته، وبذاته ولذته، كما ينادي اللسانيون، وبوصفه رسالة مختصرة ومكثفة الدلالة، ومكتفية بذاتها، ومنسوجة نسجاً محكماً. والنظرية اللسانية التي استندنا إليها هي النظرية الوظيفية التي تعطي الأهمية في التحليل لوظيفة العناصر وأشكالها وبناها. وبناء عليه، فالأمر الذي علينا تذكّره هو أن الشعار والهتاف هما في المحصّلة بنية لغوية. وبما أن دراسة اللغو تُنجز من خلال بناها اللغوية وليس ضمن إطار خارجي، وانطلاقاً من أن اللغة في مفهوم الوظيفيين هي النسق السيميائي الذي يمكنه أن يقول كل شيء مقارنة بالأنساق التواصلية الأخرى، فإن موضوع الدراسة يشمل التراكيب في تنوعها، والضمائر في ديناميتها، وصنوف البلاغة الشعبية في عفويتها التعبيرية وفي قدرتها على ترجمة أحاسيس الناس ووجهات نظرهم.

******

جريدة المستقبل

اترك رد