المسيحيّون ضرورة لإستمرار لبنان

د. جورج شبلي

من المعروف أنّ أقدم الكارزين بالإنجيل هم مسيحيّو الشرق، ولا سيّما مسيحيّو لبنان المتجذّرون في الأرض التي نمت فوقها الكنيسة الأولى . ولطالماكان وجودهم،في مقابل KANAثيوقراطيّين غيرهم، شاهداً على الفداء، وهذا أبلغ ثمن يمكن أن يدفعه شعب من أجل هدف سامٍ،هو الحفاظ على دور حضاريّ تمدّني محوري يسهم في صياغة حالة ائتلافيّة إثنيّة في غمرة المراحل التغييرية والتشرذميّة التي عصفت بالمنطقة، وفي مقدّمها مراحل التطرّف .

إنّ المسيحيّين في لبنان الذين تمسّكوا بهويّتهم الثقافيّة، كانوا في أساس تكوين الهويّة الوطنيّة والقوميّة، على عكس ما حاول البعض ترويجه عن انعزاليّة مسيحيّة وتقوقع مذهبي. فالمسيحيّون أكثر الشرائح قدرةً على الإندماج والتعايش مع غيرهم من المكوّنات الدينية والثُقافية، بالرّغم من التحدّيات المتعاقبة ومخطّطات التّذويب واستبداديّة الأنظمة التي استقصدت مصيرهم، وأحكمت قبضتها على وجودهم بهدف تفريغ الشرق منهم الى دول الشتات.

لقد كان للمسيحيّين الهمّة الفاعلة لبناء كيان سياسي، لم يفتتحوه مسيحيّاً إقصائيّاً، بقدر ما صاغوه نموذجاً لعيش فريد يُسقط النماذج العنصريّة والأحاديّة العرق . وكان لبنان الوطن الذي أسّس لديمقراطيّة تكفل الحريّات وحقوق الناس، هذه التي افتداها المسيحيّون بشلاّل من الرجال ليبقى للكرامة في الشرق موطئ . ولم يتآمروا على قناعاتهم المسيحيّة وشهادتهم لفلسفة الصّليب لكي يكون وجودهم مضموناً أو أكثر أماناً، بين أكثريّات راود بعض مهووسيها

الحلّ القمعيّ الذي لم ينجح سوى بتفشّي روح جهاديّة مسيحيّة إلزاميّة من أجل البقاء، ولصالح الجميع. لقد آمن المسيحيّون بالنسيج الإنساني بعيداً عن الفوارق المذهبيّة التي اعتبروها قيمة مضافة لا سبباً للإحتراب والسّجال، ما شكّل التركيبة المعجزة للبنان على مرّ العقود. فالمذاهب في مفهومهم ترسّخ التعدّدية وتجمع بين القواسم وتحضّر لنهضة على أنقاض انحطاط البروتوتيبيّات والنمطيّة . من هنا، يرفض المسيحيّون أولئك الذين يعتبرونهم اليوم أقليّة عرقيّة في نسيج أكثري مغاير، ولا سيّما ما تمّ استيراده أخيراً من شطط تكفيريّ، فهذه محاولة سافرة لتقويض فرصة التعايش الأهلي والشراكة في الوطن والمصير . إنّ مقاربة موضوعيّة واحدة للشراكة، لن تتحقّق إلاّ بالمزيد من الإنفتاح وإعادة التوازن بالتمثيل وبالحقوق . ويبدأ ذلكبهدم تبنّي المفهوم الملتوي للطائفيّة أو ما يُعرف بالأنا الطائفية، أي الميل المتضخّم نحو طائفة بعينها والمنطوي على نظرة دونيّة لغيرها من الطوائف، حتى غدت الطائفيّة اليوم معضلة عابرة للإديان والبلدان، وقد أصبحت معضلة جيوسياسية فتّاكة.

لقد حدّد نهج الصّحابة سنّة العلاقة بين الإنسان والإنسان، فانطلقت مسيرة العيش المتكافل مرتكزةً على أساس واحد هو حفظ حقّ الكرامة الإنسانيّة.لكنّ الجهل البغيض بحقيقة الأديان   بالإضافة الى خطيئة الأنانيّات المنحرفة، حوّلا بعض الأزمنة الى عصور ظلام، فَساد الخطاب التكفيري المعمّق لهوّةالقلق، ونشأ الخوف على رماد حوار الحضارات .

إنّ الإيمان بالعيش المشترك هو دعوة مسيحيّة ينبغي الترصّد لها، لأنّها تستند الى مسلّمات إنسانيّة قوامها الإعتراف بالآخر واحترام رأيه . وما كان التحاور ليولد لو لم يكن الحضور المسيحي موجوداً فاعلاً منفتحاًومنخرطاً في همّ مجتمعه الوطني والمشرقي، وليس وجوداً تراكميّاً، ولو لم يكن المسيحيّون هم المبادرين الىالى لمّ الشّمل وفتح كوّة العبور الى الحريّة والديمقراطيّة والحق بالعيش الكريم .

لقد التزم المسيحيون، انطلاقاً من تعليمهم، بشؤون الأرض لتحويلها الى ملكوت راقٍ، ولبنان بعض الأرض، لكنّ الفعَلة ينبغي ألاّ يكونوا قلّة أو من ديانة واحدة، ليسطّروا جميعاً سِفر الخلاص .

*******

 بالاشتراك مع aleph-lam

 www.georgetraboulsi.wordpress.com

اترك رد