“مطلاّت رمادية في عالم السياسة وفي عالم المرأة” لجورج شامي

guilaf matallat

غلاف الجزء الثاني

إصدار في جزءين للكاتب والقاص جورج شامي يجمع فيه افتتاحيات صحافية أراد فيها إصلاحاً وإرشاداً وتصويباً في فترة حرب الآخرين على لبنان، المرحلة الأشد قتامة في عمر الوطن المحترق.

افتتاحيات تشكل لوحات أدبية رغم مأسوية الأوضاع ودروساً في منهجية عمل الصحافة والسياسة على حد سواء بقلم شامي الذي كان يشغل مدير كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية.

وهي كلمات مثيرة وممتعة على طول مراس على أنقاض أكثر أوضاع صعبة وعلى حد السكين كان يعيشها لبنان حيث اندلعت المذابح وأعمال العنف.

أما الجزء الآخر «مطلات رمادية في عالم المرأة«، فهي من إنتاج عمل صحافي في كنف «الحسناء» وبين النساء بين الوضوح والغموض، الاغواء والفضيلة، البيوت والشبابيك القيود وصرخات الحرية.

وجورج شامي محاور لبق، محاور ثياب النساء وجواهرهن، ووصفات الطبخ، ونصائح التربية والعناية بالجمال، والشكوى المضنية من واقع وقوانين وأعراف.

ومخاطبة شامي للنساء يستبطن الجانب الخفي الذي يضع الرجل في مرئية أمام امرأة لها تطلعاتها، وأمانيها، معتبراً انهزام المرأة العربية انهزاماً للرجل، فراقبها وخاطبها وأحبها وصفق لها مشجعاً قي مقالاته.

مقتطف من مقدمة لإلهام كلاّب للإصدار بعنوان: «رجل في كنف النساء»:

 رجل في كنف النساء

كم هي عجائبية لعبة التاريخ…

أهي مفارقة تاريخية… أن يؤسس جرجي باز وهو رجل رائد ثائرٌ، سنة 1909، مجلة نسائية، تدافع عن المرأة وتدعو الى تحريرها من القمع التاريخي، في خضم التوق العام الى التحرر من نير العثمانيين وجَورهم.. وأن يسمي مجلته «الحسناء»؟

أهي طرافة لقاء… أن يتسلّم إدارة هذه المجلة وكتابة افتتاحياتها، وبعد حوالى أربعة وستين عاماً، جورج شامي، الاعلامي العريق والأديب المتميز، هو الذي عاصر السنوات الأخيرة لجرجي باز وتشارك معه في الاسم… وفي الرؤى… كما في رهافة الحس وطرافته؟

أهي محاورة أجيال… أن يعطى لي اليوم، وبعد مضي أكثر من مئة عام على تأسيس مجلة «الحسناء»، وأكثر من أربعين سنة على هذه الافتتاحيات، أن أقرأ ما كتبه جورج شامي، وما تاق إليه، وما طالب به، بعين امرأة معاصرة، تحمل في قلبها ووجودها تاريخ تطور أوضاع النساء، وتحمل في يدها ميزاناً لقياس التحولات المنشودة بين جمود الواقع ودينامية الحداثة؟

كيف تقرأ امرأة العصر اليوم هذه الافتتاحيات؟

هل هو القبول، أم الحماس، أم الرفض، أم المشاكسة الفكرية، أم استخراج العبر، أم التساؤل:

ماذا يصنع هذا الرجل بيننا؟

ما الذي يريد قوله عنا، ومعنا، وما الذي نريد أن نقول له اليوم؟

guilaf matallat 1

غلاف الجزء الأول

حقاً… ما الذي حدا بهذا الرجل الاعلامي الذي جاب الآفاق السياسية في لبنان والعالم العربي والعالم، ورأس تحرير المجلات والصحف المتنوعة، أن يسكن في كنف الحسناء، وبين النساء… بين الوضوح والغموض، الاغواء والفضيلة، البيوت والشبابيك، القيود وصرخات الحريات…؟

… أن يحاور ثياب النساء وجواهرهنّ، ووصفات الطبخ، ونصائح التربية والعناية بالجمال، والشكوى المضنية من واقع وقوانين وأعراف راسخة تضمرها القلوب ولا تجرؤ على قولها الشفاه؟

من الأكيد، أن هذه الدعوة لمخاطبة النساء، تستبطن الجاذب الخفي الذي يقع الرجل صريعاً له، ولو نأى بنفسه عن الغواية المكنونة، وتلفّع برداء المصلح الاجتماعي أو الوالد الحامي أو الأخ الغيور أو العاشق المترفّع، وخاصة الأديب المرهف الذي يرقّ قلمه المسنون في امتشاقه لقضية النساء في هذا الشرق.

هل كانت المرأة مرآة تطلعاته، ومنتهى أمانيه، وموقع نضال آخر هو الذي اعتبر «انهزام المرأة العربية انهزام الرجل»؟ فراقبها ووصفها وخاطبها واستحث امكاناتها وصفق لها مشجعاً بإجاب وعاتبها بجرأة على تخاذل أو صمت…

لا شك بأن المرحلة التاريخية التي ولدت ونشأت خلاله «الحسناء» في بدايات القرن ألقت بظلالها على وضع المرأة، التي وجدت في النضال الوطني طريقاً الى قضاياها، فشاركت في تظاهرات الاستقلال، وتحدت جيوش المحتلين ورفعت العلم اللبناني على السراي الحكومي…

ثم… تابعت مظاهراتها في سبيل مواطنيتها الكاملة بالحصول على حق الانتخاب في بداية الخمسينات.

وعندما كتب جورج شامي افتتاحياته في بداية السبعينات وهو المشبع بالرؤى الوطنية والمفاهيم السياسية والقضايا الاجتماعية، وهو الذي يتقن القص والرواية منافساً شهرزاد في التشويق الأدبي، قدّم لها رؤية بانورامية لهذه المرحلة التاريخية بعيون النساء… وكانت هذه المرحلة مرحلة مفصلية هامة في تاريخ لبنان خبأت للناس مفاجآت وانهيارات… بعد تألق مرحلة الستينيات وبداية السبعينيات.

books vector1

كنا على حافة انفجار الحرب الأهلية… وكان لبنان يتألق بالأدب والإبداع والجمال والرحابة.. كانت المرحلة تشبه في أوروبا، مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث كان الإنسان مطمئناً الى واقعه، حالماً بمصيره، يلعب بألوان الحياة ككل الأطفال، ولا يهجس بأي تحول أو انهيار…

إنما كنا كشرقيين نخاف دوماً من ساعة الفرح، ونحاول أن نرصد أحداثاً.. دون هاجس وقعها الكبير…

كان لبنان موقع الحداثة في هذا الشرق، وكانت المرأة في لبنان نموذجاً لهذه الحداثة، تمثل في تطور أوضاعها، ودخولها الى مجال العلم، واتصالها الانسيابي بالغرب… وعلى الرغم من قوانين الأحوال الشخصية الطائفية التي كانت تقزّم مصيرها… كان التوجه نحو المجتمع العلماني يمنحها الأمل، ودخول المفاهيم النسوية مجال مقارنة وانفتاح، وكان واقعها يتخطى قوانينها وكانت امكاناتها تخرق كل جدار.

كان الرجل يتوق الى التأقلم مع الواقع الجديد، ولا يبخل بالتشجيع وأحياناً بالاعجاب، حيال امكانات وقدرات حبسها التاريخ طويلاً في أقبيته.

في هذا الواقع الاجتماعي الذي كان يبعث على الأمل، وفي هذا الواقع السياسي الذي كان يخمّر امكانات عديدة متناقضة تشي بخطرها الكامن بعض الانفجارات الصغيرة..

في هذا الجوّ… وهو المشبع به، والمتابع لدقائقه خاطب جورج شامي المرأة اللبنانية.. خاطبها من خلال أمانيه وهواجسه، في تساؤلات، ونصائح، وحوارات، وأمنيات، وعواطف مضمرة، وسخرية ماكرة، وحماس نضالي.

كتب جورج شامي افتتاحيات «الحسناء» الموقّعة باسم رجل، من حزيران 1973 حتى نيسان 1974…

كتب احدى وأربعين افتتاحية حملت أول افتتاحية منها عنواناً موحياً:

«الحسناء تبدّل قمصانها» في محاولة منه لتبديل مفاهيم افتتاحيات المجلات النسائية وأساليب خطابها… يَعِد فيها بحسناء جديدة… لأن «التجدد سنّة الحياة، والمرأة هي خصب الأرض» كما وعد بأن تصبح المجلة أكثر عمقاً وشمولاً وتطلعاً… عدا… في المجال السياسي حيث يقول: «وضع الحسناء السياسي شبيه بوضعك كمواطنة لا يُسمح لها بالتدخل في هذا الشأن..».

ولكن هل نصدّق كلامه؟ أكان يستكين أم يسخر أم يبطن أمراً جَلَلاً؟

إذا عدنا الى مجمل الافتتاحيات الأربعين لوجدنا نصفها تقريباً أي حوالى العشرين، وهي تحض على المشاركة السياسية بكل أبعادها، في تسلل سياسي محبب ومقبول وخفي الى مجلة نسائية..

ففي موضوع «المشاركة «يرفع الصوت طالباً للنساء المشاركة السياسية، وفي افتتاحيات عديدة يحضّ على دخول النساء الى المجالس الوزارية فعاتب الرئيس المكلّف في مقاله «وزيرة واحدة يا دولة الرئيس».

ولا يكفي جورج شامي بالتحفيز السياسي، بل يتوجه الى القضايا الاجتماعية، وأهمها الغلاء… الغلاء… نافضاً عن المرأة تهمة المستهلكة الدائمة، مباركاً لها هذا النضال… مشاركاً لها في المظاهرات لصيانة «حبة الحنطة وحبة الرز»، مهنئاً باختيار المناضلة اميلي فارس ابراهيم عضواً في لجنة مكافحة الغلاء، في افتتاحيات «الوحش القادم وبعده الطوفان» و»يا الله أين سيفك» و»أنثى الذئب مع أنثى الحمل».

ويتوقف جورج شامي عند أهمية تنظيم الأسرة، كمسؤولية مشتركة بين النساء والرجال، وكان ذكر هذا الموضوع في تلك المرحلة، اختراقاً للتقاليد العائلية والأعراف الدينية.

ولا يخفى عليه تشوّه صورة المرأة في الاعلام في «من غانيات الحمراء الى أمهات الجنوب».. وهي قضية تشغل اليوم النضال النسوي، كما تشغله كل أشكال العنف، حيث يقول في «أنت في قفص الاتهام رهينة ادارة ومسلك».. «نرشقها بماء الفضة ونغرّر بها ونفسدها؟

ولكن… ماذا أخبرك يا جورج… بعد هذه المرحلة (…).

****

(*) جريدة المستقبل 8 أغسطس 2016

book_vector_154960

اترك رد