دولة ما بعد الطائف… بين الديمقراطية الغائبة والطائفية السياسية

بقلم: د. عبدالرؤوف سنو

sinnoعندما وضعت كتابي حرب لبنان في العام 2008، لم أكن أتوقع أن أكتب عن المرحلة التالية من تاريخ لبنان المعاصر، وكان لدي اعتقاد بأن اللبنانيين لن يعيدوا إنتاج رقصة الحرب في بلاد الأرز، بعدما تعلموا دروساً وعبراً منها، وهي أن تقاتل أبناء الوطن الواحد يجلب الويلات ويدمر الاقتصاد والحياة المشتركة، ويقدم للخارج فرصاً ذهبية لتغذية الشرخ والانقسامات في ما بينهم.

لكن هناك أشياء كثيرة شدتني إلى موضوع كتاب “لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف”، أهمها أن اتفاق الطائف لم ينقل لبنان إلى مرحلة تتضافر فيها كل الجهود لبناء الدولة الحديثة الموعودة. فلم يحدث ذلك الانتقال إلى الديمقراطية القائمة على العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، فيما ارتفع منسوب الطائفية السياسية بدلاً من العمل على إلغائها أو التخفيف من حدتها، وكذلك الطائفية المجتمعية، وصولاً إلى الصراعات المذهبية التي نعيشها اليوم. فأصبح لبنان أكثر انقياداً مما مضى لما يجري في محيطه، لا بل ساحة لصراعات الخارج وتصفية الحسابات، حتى أن الزحف الديني الجهادي أو التكفيري الخارجي بات يهدد اليوم حياتنا الفكرية والاجتماعية وأسس الدولة اللبنانية. وهو يخيف المسيحيين على أنفسهم وعلى وجودهم الحضاري في المشرق العربي، كما المسلمين الليبراليين وربما العاديين أيضاً.

في السنوات الأخيرة، فقد لبنان كلياً مناعته في الداخل وتجاه الخارج بفعل عوامل كثيرة أهمها: أن اتفاق الطائف طبق وفق أهواء النظام السوري ومصالحه وتبعية البعض في الداخل له وبتغاضٍ من الخارج، واستخدمَ فزاعة لتخويف المسيحيين وابتزازهم. كان لبنان يحتاج بالفعل إلى عقد اجتماعي جديد بعد حرب مدمرة، لكن إضعاف رأس الدولة في النص والممارسة، أوهن الجسد كله. إن رئيس جمهورية من دون صلاحيات جعل مجلس الوزراء أشبه بمراكز قوى وصراعات، فيما الرئيس مجرد متفرج عن قرب، حتى وليس لاعباً. فلا يستطيع، حتى تكاذباً، إن يسهر على احترام الدستور ولا الحفاظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه والشواهد على ذلك كثيرة. ولو امتلك الرئيس سلطة حلّ المجلس النيابي، ولو لمرة واحدة وحصل على بعض الصلاحيات الأخرى، لكنا وفرنا على أنفسنا الكثير من الأزمات.

وفي داخل المؤسسات وفي الشارع، استمرت الخلافات الطوائفية حول حاضر لبنان ومستقبله وهويته وحول علاقاته بالخارج، وحول معنى الاستقلال والسيادة. يُضاف إلى ذلك، فساد السياسة التي لا تزال تُمارس من قبل الطبقة السياسية الحاكمة ومن أمراء الحرب وأتباعهم بالعقلية الميليشياوية السابقة القائمة على المصالح الشخصية، وكذلك فساد الإدارة والوهن الذي تعاني منه. ولا ننسى غياب الأمن والقلق اليومي على المستقبل، والمديونية المرتفعة، وضعف التعليم الرسمي بكل مراحله، وغياب الخِدمات الحياتية الأساسية، من ماء وكهرباء، وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإفقار اللبنانيين- كل ذلك جعل المواطن يفقد ثقته بدولته، فيسلكُ أبناؤنا طريق الهجرة، ومن يبقى في لبنان ينضم إلى قائمة العاطلين عن العمل، أو يتظاهر ويعتصم دفاعاً عن لقمة العيش وعن راتب يتآكل بفعل الغلاء والتضخم.

وقد يكون أخطرُ ما نعاني منه، هو أنه جرى العمل، بتوافق بين قوى في الداخل والخارج، على إضعاف الدولة اللبنانية ومؤسساتها وأجهزتها، وجعل لبنان ساحة مستباحة. لقد كانت الطوائف في السابق تستعين بالخارج للاستقواء بعضها على بعض. أما اليوم، فأصبح الخارج بكل سلبياته وسيئاته ومصالحه الهدامة في داخل لبنان، حتى أن مسؤولاً أجنبياً رفيعاً أعتبر أن جنوب لبنان أضحى حدود بلاده مع إسرائيل، فيما جعل حزب من جنوب لبنان مدرجاً لطائرات التجسس الأجنبية، وفرض نفسه “بودي غارد” حامياً ومدافعاً عن لبنان وشعبه ودولته وسيادته وعن حدوده.

لقد رحب اللبنانيون بإعلان بعبدا. لكن الإعلان لم يحصن حدود لبنان ولا داخلَه، ولم يمنع لبنانيين من الاستقواء على الدولة وخوض حروبهم الخارجية أو لحساب من يتبعون. لقد تعود السياسيون اللبنانيون أن يقولوا لا لبعضهم البعض. لكنهم لم يتعلموا أن يقولوا لا للغريب أو للجار أو لمن يتربص بلبنان. لم نتعلمْ أن نشبّك سواعدنا بعضها ببعض ولا أن نشدَ اللحمة في ما بيننا. نضع الفيتويات ضد بعضنا البعض، ولا نُشهرَ فيتو في وجه أي خارج. وبدلاً من أن يذهب غالبيةُ نوابنا إلى الاستحقاق الرئاسي بكل ديمقراطية ودستورية، فضل بعضهم تدمير هذا الاستحقاق على مذبح مصالحه الشخصية ومصالح الخارج الذي يتلاعب بالاستحقاق لتحسين شروطه في ملفاته الإقليمية. بالله عليكم، قولوا لي ما معنى أن يسبق انتخاب رئيس للجمهورية توافق على شخصه خارج قاعات المجلس؟ فما معنى الانتخاب إذا؟ أليس هذا انتهاك للدستور وللأعراف؟ لقد ضرب الفراغ موقع الرئاسة الأولى، وتحولت حكومة الرئيس سلام إلى حكومة لتصريف أعمال تلك الرئاسة، وهناك جدل كبير حول سلطة التشريع للمجلس النيابي الممدد له، وفي تشرين الثاني من هذا العام تنتهي شرعية هذا المجلس، ولم ينجز حتى تاريخه قانون انتخاب جديد. فإلى أين نسير ومن يقف وراء هذا وذاك؟

في ضوء ذلك، يتحرك لبنان مستقبلاً في اتجاه خيارات أربعة:

• الإبقاء على النظام الطائفي الذي لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم، في ظل طائفية مجتمعية وعدم وجود ثقافة الاعتراف بالآخر وبحقوقه السياسية والمدنية والثقافية. لكن بقاء هذا النظام يعني أن علينا أن نستعد لحرب كل عقد أو عقدين من الزمن.

• التحول إلى النظام الديمقراطي الأكثري، أي أن يحكم المسلمون باعتبارهم الطائفة الأكثر عدداً. لكن هذا التصور القائم على العدد، وإن غُلّف بعبارتي الديمقراطية والأكثرية، فهو طائفي محض، ذلك أن الذين يدعون إليه ينطلقون من صفتهم الطائفية، وليس من كونهم مواطنين لبنانيين يريدون أن يكونوا على قدم المساواة مع شركائهم في الوطن. وفي هذا السياق، يقودنا هذا إلى مشروع آخر، وهو استبدال بالمثالثة المناصفة. ومن غير الواضح عما إذا كان الكلام الدائر حالياً عن “ثلاثية الأقوياء” هو نفسه اقتراح المثالثة؟

• التحول إلى النظام الفدرالي، الذي يؤدي فشلُه، وسوف يفشل بالتأكيد لعوامل عديدة، منها غياب ثقافة الاعتراف بالأخر والرغبة في العيش إلى جانبه، ما سيؤدي إلى تقسيم لبنان.

• التحول إلى الدولة المدنية، وهو الأصعب وسبيل الخلاص الوحيد أمام اللبنانيين، ويتطلبُ إرادة جماعية لتطبيقه. لكن في ضوء تطورات السنوات الثلاث الأخيرة وثقافة الاستقواء السياسي والاستقواء العسكري والاستقواء الاجتماعي، يبدو طريقاً مسدوداً بلا أفق.

ولا ريب في أنه لن يترسخ أي حل للأزمة اللبنانية، ولن يتحقق أي استقرار سياسي أو أمني، أو سلم أهلي، ولا استقلال حقيقي وسيادة ناجزة، ولا ازدهار اقتصادي، ولا حتى التصدي للجيوسياسة من أي جهة أتت، ما لم يُحدد اللبنانيون خيارهم الوطني ومصالحهم الوطنية، وما لم يجدوا بأنفسهم حلولاً لبنانية لمشكلاتهم.

*****

(*) ألقيت في الندوة حول كتاب الدكتور عبدالرؤوف سنة “لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف إشكاليات التعايش والسيادة وأدوار الخارج” في جامعة الروح القدس- الكسليك

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: