مسافات: الغابة 2

          شجرُ الحِكاية.. عزفها للريح….

 

   منيرة مصباح

 

في غابةٍ حَنونَةٍ، لا تَنامُ كَثيرًا، يَمْشي البَرْدُ في هارِبِ طُرُقاتِها،

يَسْهرُ في مَمرَّات غُموضِها، ثمَّ يقِفُ عند أحَدِ المُنْعَطفاتِ،

يَعْزِفُ للريحِ طِوالَ اللَيْلِ..

وحين يُضاءُ أوَّلُ غُصْنٍ من شَجَرِها يَخْتفي ولا أحَدَ يَعْرِفُ سِرَّهُ.

الخروج من زمن الحكاية:

أذْكُرُ أنني سَمِعْتُ ذات يَوْمٍ حِكايةً قَصيرَةً عن روحِ الغابَةِ، لا أذْكُرُ قائلَها،

لكنَّها تُشْبِهُ ما أكْتبُهُ الآن عن غابَتي الصَغيرَةِ التي تَحْكي عن أشْجارِها.

غابَتي التي لا تَنامُ مُبَكِرًا حَيْثُ تَمُرُّ الأحْلامُ بِها،

تَجْعَلُ روحَها الهاجِعَةِ تتَجَسَّدُ في موسيقى آسِرَةٍ.

غابَتي تُضَمِّخُ الظَلامَ بأريجٍ لا تَنْشُرُهُ الحَدائِقُ البارِدَةِ،

روحها السرّية ترقُّ لا تتحجَّر، تَصْحو حين ينامُ الكَوْنُ في ملَكوتِهِ.

أيُّها العَزْفُ المُؤجَّلُ على أغْصانِها الشَفيفَةِ،

اصْغِ الى ايقاعِها السِرِّيّ، اسْتَمِعْ الى ما تَخْتَزِنُهُ من موسيقى الغِياب.

 

غابَتي تَعْرِفُني مثلما أعْرِفُها، هي كُتُبٌ،

تَلْتَقيني كلَّ ليْلَةٍ إذْ أحاوِلُ عَبَثًا أن أغْفو،

تَعْرفُ أنّني أحْيا بين كَلِمةٍ وأُخْرى،

بين حَرْفَيْن مُجْتَمِعَين في أرْوِقَةِ الذاكِرَةِ،

هي تَعْرِفُ ما يشْتَبكُ في رأْسي من لُغَةٍ،

كما تَعْرِفُني في غُموضي كَمَدينَةٍ من ضَبابٍ،

أصْعَدُ معها أعلى نُقْطَةٍ في سورِ الصين العَظيم،

أو في “ترجمان الاشواق”، حيث “ابن عربي” في زُهْدِه وعِشْقِهِ العالي،

أو في كلمات ابن المقفع: ” الدُنْيا زُخْرُفٌ، يغْلِبُ الجَوارِحَ ما لم تَغْلِبُهُ الألْبابِ”.

 

تتمايَلُ غابَتي، فأُعْطي أخْضَرَها للشَجَرِ المُتَوَغِّلِ في كَلِماتي،

أراها تُخَبِّئُ خفْقَةَ قَلْبِها خَوْفًا من فَأْسٍ يَضْرِبُ الوَجْدَ بالحُبِّ،

ومن قمرٍ غائبٍ في رِحْلَةِ عَوْدَتِهِ فوق أهْدابِها.

غابَتي تولَدُ فوْقَ مَساقِطِ الحُرِّيات، أنْعَمُ بمَناخِها،

بما يَفْعَمُ في هوائها من شَغَفٍ مُزْمِنٍ في الإصْغاءِ،

أغْصانُها تَعْزِفُ أرْواحَ الغابات الأُخْرى،

أخْرُجُ من شُرْفَةِ قَلْبي الى قِمَّةِ بَصَري،

أراها مُضاءَةً على سَفْحٍ بَعيدٍ، أصْعدُ اليْها،

حَوْلَها تُحَلِّقُ عصافيرُ نادِرَةٌ مُدْهِشَةٍ،

أجْهَدُ في الرُؤْيَة الى ذلك الغامِضِ

المُتَسلِّلِ من نُعاسِها الى أحَدِ المُنْعَطَفاتِ،

فلا أرى غيرَ صَمْتٍ، تتابعُ أصابِعي كِتابَةَ العُزْلَة،

ليس من أحَدْ، يَقَعُ الليْلُ ويَسْتَقيمُ نهارُ الكَوْن.

 

ألوذُ بِغابَتي، تُحَرِّرُني من اخْتِناقٍ مُحْتَملٍ،

يَنْدَلِعُ من غَيْمَةٍ داكِنَةٍ وشاسِعَةٍ تُغَطي التَثاؤبَ المُنْتَشِرَ حتى على رَهَقِ هُطولِها.

أبْتعدُ عن “اللوغريتم” التي تَجْعلُ من الزمنِ مُتَوالِيةً رتيبَةً في تَقاويمٍ.

أفَكّر بأُسُسِها الجَبْريَّة، تُذكِرُني غابَتي ب “وولت ويتمان، ت. س. أليوت، وولس ستيفنس أميليدكنسون، مايا أنجلو، سيلفيا بلاث”،

أرنست همنغواي،جون شتاينبك، وليم فوكنر،غابرييل غارسيا ماركيز، ايزابيل ألليندي”،

وكل الذين قادوا انْقِلابًا “كوبرنيكيا”في هذا الكَوْن.

تَحْمِلُني غابَتي الى حلمٍ طَريٍّ لا يزالُ باقٍ،

تتدَلَّى أكْمامُهُ من ذاكِرَتي، هو زمن المواجدة،

مع أوراق العشب، مع الأرض اليباب، مع تناغم، مع أنا لا أحد، وأنت من تكون، مع أعرف لماذا يغني الطائر الحزين، مع أشجار الشتاء”،

مع الصخب والعنف، مع مئة عام من العزلة، مع الحب والظلال، الى ما لا نهاية…

في هذا العُلوِّ مع غابَتي أسْمَعُ أصْداءَ أصْواتٍ هارِبَةٍ،

وأشْجارٍ تُلَوِّحُ من بَعيدٍ في ناصِيةِ الذاكِرَةِ.

اترك رد