“صراع الحضارات”… نصفه سياسة ونصفه وهم (*)

بقلم: د. عبد الإله بلقزيز(*)

 لا مِرْيَةَ في أن الحروب التي اندلعت، منذ عقد التسعينيات الماضي، في مناطق عدّة من العالم مثل: البوسنة، وكوسوفو، والشيشان، وتيمور الشرقية، والتي bakzizتواجَهَ فيها المسلمون والمسيحيون مواجهةً ضارية؛ والحروب التي شنَّتها الولايات المتّحدة على العراق، والصومال، وأفغانستان، وتزايد تأثير الحركات الإسلامية، واكتساء الصراع العربي (الفلسطيني) – الصهيوني طابعاً عَقَديّاً، إسلامياً – يهودياً، وتعاظم ظاهرة التمييز ضدّ المهاجرين من العرب والمسلمين في الغرب..

 لا مِرْيَةَ في أنها كانت – مع سواها من الوقائع النظير – في جملة ما أسَّسَ فكرة الحرب الدينية، أو الحرب القائمة على أسسٍ دينية، في وعي قسمٍ كبير من المثقفين والناشطين الإسلاميين، في الوطن العربي.

يذهب بعض المثقفين إلى أن الإسلام هو المستهدف الرئيس في حملات الدول الغربية – أميركا على وجه التحديد – على مجتمعاتنا ومقدراتها وحركاتها الوطنية المسلحة، وبخاصة في لبنان وفلسطين. فإذا كان قسمٌ من هؤلاء قد استبطن فرضية “صدام الحضارات” وأعاد إنتاجها – بل تأصيلها – في خطابه السياسي، فقد وَجَدَ في تفجيرات نيويورك وواشنطن، وما أعقبها من سياسات أميركية حيال العالم العربي – الإسلامي، مناسبة جديدة للتشديد على ما كان في حكم البديهيات لديه، وهو أن الصراع حضاريّ بين الإسلام والغرب!

لا شَكَّ لدينا في أن الذاهبين هذا المذهب يعانون نَقْصاً حادّاً في الثقافة السياسية، على الرغم ممّا يبدو عليهم من انغماسٍ في السياسة إلى حدّ الإفراط! وأوَّل ما يعانونه حالة الاضطراب في إدراك التَّمَفْصلات بين الديني والسياسي، وما يَنجم من علاقات التمفصل تلك من أشكالٍ مختلفة من التعبير عن السياسة بواسطة الرمز الديني، أو من استثمار الرأسمال الرمزي الديني في مجال السياسة والصراع السياسي. يحدث هذا النوع من التمفصلات على صعيد المجتمع الوطني الواحد، وعلى صعيد الصراع بين قواه الداخلية المختلفة، مثلما يحصل على الصعيد الكوني. ويستفاد من ذلك أن الصراعات المختلفة – داخل المجتمع الوطني كما داخل “المجتمع الدولي” – صراعات سياسية بالتعريف، وفي المقام الأول، حتى وإن هي جنحت للتعبير عن نفسها من خلال مقولاتٍ “غير سياسية” من قبيل: “صدام الحضارات”، والصراع بين الإسلام والغرب، وما في معناهما وجِنْسِهما من مقولاتٍ نظير.irak

يتصل بهذا – وذلك أيضاً مظهر آخر من مظاهر النقص الحادّ في الثقافة السياسية – تَعْيِينٌ موازٍ خاطئ للتناقض بين السياسات الغربية الراهنة، والأميركية منها على وجه التحديد، وبين مجتمعاتنا وشعوبنا العربية والإسلامية. يبدأ هذا التعيين الخاطئ من اختزال هذه المجتمعات في عقيدتها وحضارتها، أي من القول بأن الصراعَ صراعٌ بين الغرب والإسلام، بدلاً من القول إنه صراع بين السياسة الغربية (=الأميركية) وبين مجتمعاتنا في العالم العربي – الإسلامي، وهو – في ما نعتقد – التعريف الأدق والأصوب لذلك الصراع. والفارق كبير بين التعريفين: إِذ إن الأوَّل يَسْجُنُه في نطاق الثقافة والحضارة والماهية الجماعية، بينما ينتبه الثاني إلى جوهره السياسي. وبهذا المعنى، فأميركا ليست معادية للإسلام، أو ليست مَعْنيَّة أصلاً بهذا الموضوع، وإنما هي معادية للعرب والمسلمين، ليسوا بوصفهم مسلمين، بل بوصفهم معارضين لسياساتها. إنها تتحالف مع مسلمين ضدّ مسلمين؛ وليس يحق إسقاط صفة الإسلام عن الأولين حتى تستقيم معادلة الصراع بين الغرب والإسلام!

إن أميركا – في كل هذه الحروب والصراعات ضدنا – لا تريد رأس الإسلام، وإنما تريد رأس السياسات الدفاعية الساعية إلى حيازة القدرة الاستراتيجية، ورأس السياسات الوطنية المتطلّعة إلى السيطرة على الثورات الوطنية. إنها تريد بترولنا وسلاحنا ومقاومتنا على طبقٍ من ذهب؛ وبعدها: فَلنُؤْمِنْ أو فَلنَكْفُر. فذلك عندها سيان! ثم من قال إن قادة الدول الغربية يتحدثون باسم الحضارة الغربية عن الإسلام والمسلمين حتى نرتب عن ذلك فرضيةً خاطئة عن صراع الغرب مع الإسلام؟ إنهم يتحدثون باسم دولٍ ذات مصالح، وباسم شبكة من شركات النِّفط والسلاح أصحابها أبعد البشر عن الإيمان بالمسيحية، فكيف بالدفاع عنها في وجه الإسلام!

وأخيراً، يتصل بهذا النقص في الثقافة السياسية – لدى جمهور “صدام الحضارات” من بعض مثقفينا وسياسيينا – نقصٌ آخر رديف في المعرفة بالتاريخ! فالثابت، من معاينة وقائع التاريخ، أن الحروب التي اندلعت داخل الحضارة الواحدة – وبين مجتمعاتها – كانت أشرس وأشدّ وطأة من تلك التي تواجهتْ فيها حضارتان. لن نُحِيلَ هؤلاء إلى تواريخ من العصر الوسيط، ولا حتى من عصر النهضة في أوروبا (=الحروب الدينية المسيحية في القرن السادس عشر)، بل ندعوهم إلى قراءة معطيات التاريخ المعاصر، في القرن العشرين، ليقفوا على ذلك بالدليل القاطع. فالحربان العالميتان – الأولى والثانية – المندلعتان داخل الدائرة الغربية، واللتان أزهقتا أرواح عشرات الملايين من البشر، كانتا أضخم من أية حرب بين الغرب والمسلمين. والحرب التي اندلعت، داخل الدائرة الحضرية الإسلامية، بين العراق وإيران، وخلَّفت أزيد من مليون ونصف مليون قتيل، كانت أيضاً أضخم من أية حرب بين “الحضارتين”! فما محلّ “الصدام الحضاري” من الإعراب – إذن – في هذا الصراع السياسي؟!israel

تنطوي فكرة “صراع الحضارات” عند القائل بها (صموئيل هنتنغتون) – وعند مردّديها من أتباعه وأخصامه – على الافتراض بأن العلاقات الدولية في حقبة ما بعد الشيوعية ستصبح محكومةً – أكثر فأكثر – بتأثير عوامل فوق/ سياسية من قبيل الدين والثقافة والحضارة، وأن الأنماط التقليدية لمقاومة الحضارة الغربية – ومنها الشيوعية – ستضمحل بالتدريج كي تفسح في المجال أمام نشوء أنماط “جديدة” من قبيل انكفاء كلّ مجالٍ حضاري على نفسه، وإبداء مقاومته للنموذج الحضاري الغربي – المنتصر في المنافسة الكونية – والاعتراض على قيمه ومعاييره التي يحسبها كونية.

ولقد وجدت هذه “الأطروحة” من يتلقَّفها بوصفها “حقيقة”، ويعيد إنتاجها في “تحليله” لحاضر العلاقة بين المجتمعات والأمم ومستقبلها. ومن المثير أن جمهور مستهلكي هذه “الأطروحة” لم يكن من الأميركيين والغربيين عموماً، ممَّن يُفْتَرض أن هنتنغتون يعبّر عن مخاوفهم من الإسلام والكونفوشيوسية (اللذيْن توقَّع قيام تحالفٍ بين مجاليْهما الحضاري ضدّ الحضارة الغربية)، وإنما كان الأغلب الأعمّ في ذلك الجمهور من المثقفين العرب والمسلمين! ولعلَّ الأمر في هذا مفهومٌ إلى حدٍّ بعيد وليس مُستغْربًا، على ما فيه من إثارة؛ وعِلَّتُه في أن هؤلاء المثقفين وجدوا في موضوعة “صراع الحضارات” ما يوفّر لهم دليلاً على صِدْق ما افترضوه، وما ذهبوا إليه قَبْلاً، من القول إن المستهدف الرئيس في حروب الغرب القادمة هو الإسلام. وبهذا المعنى، أتت موضوعة هنتغتون، في اعتقاد هؤلاء، تُشهِدُ الغربَ على نفسه، وتُمدُّ هؤلاء (المثقفين) بأسباب القوِل مع القولِ الكريم “وشَهِدَ شاهدٌ من أهلها”.

ينتمي التوسُّل بموضوعة “صراع الحضارات”، عند المثقفين العرب والمسلمين، إلى حاجة أيديولوجية إذن: حاجة إلى الإمساك بخيوط الأدلة على تربّص الغرب بعقيدتنا وحضارتنا، وعلى ما يُبَيِّتُه من نياتِ شرٍّ وسوءٍ بنا…إلخ. وهي أدلة من قِبَل من يتهمونهم من أقرانهم – في الغرب وفي البلاد العربية والإسلامية – بالسَّعي في طريق رفض الانتماء إلى العصر، بواسطة تعميق الفجوة بين المجتمعات والثقافات. غير أن الاشتغال بهذه الموضوعة ينتمي إلى إشكالية فكرية مزمنة في القدم، أَدْمَن المثقفون أولاً على التفكير من داخل معطياتها، هي: إشكالية الأنا/ الآخر، أو الإسلام/الغرب…إلخ. وهي إشكالية تنتمي إلى القرن التاسع عشر.afganistan

لكن مفكري الإصلاحية الإسلامية أجابوا عنها، في حينه، بطريقة أخرجت التفكير فيها من الازدواجية المفهومية المتنابذة إلى رحاب نظرة تركيبية دافعت عن مصالحةٍ بين الإسلام والعصر، وعن حاجة المسلمين إلى الانخراط في هذا العصر من دون عُقد. غير أن صعود الإحيائية الإسلامية – منذ ثلاثينيات القرن العشرين- وتنامي خطابها وتأثيره، منذ عقدين، أطاح تلك النظرة التركيبية للإصلاحية الإسلامية، وأسَّس لنظرةٍ استقطابيَّةٍ حَدِّية قوامها التشديد على الفواصل والتمايزات، لا على الجوامع والقواسم، بين الأنا والآخر، بين الإسلام والغرب. ولقد زادت وطأة هذه النظرة فداحةً مع تنامي حركةِ ممانعةٍ “جهادية” إسلامية لم تكتف بإعلان الجهاد على الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، بل زادت عليه، حتى لا نقول حصرته في، “الجهاد” ضدّ الغرب، وثقافته، وحضارته!.

فليس تفصيلاً أنه منذ نهاية الحرب الباردة، لم يندلع معظم الحروب في العالم إلا على أرض العرب والمسلمين؛ ولم يتعرّض لوحشيتها إلاّ المنتمون إلى مجالهم الجغرافي أو الديني أو الثقافي؛ ولم يعاقَب بالحصار الاقتصادي الجماعيّ القاتل إلا أبناء أمتهم! لقد أبيد عشرة في المائة من شعب واحد فقط من شعوبهم – هو الشعب العراقي – بالحرب والحصار! ثم فُرضَ الحصار على بلدانٍ ثلاثة من بلادهم؛ وأُخْضِع بنو جلدتهم من المسلمين في البوسنة والشيشان وكوسوفو لحرب التطهير والإبادة الجماعية؛ وأُطْلِقَت أيدي العصابات الصهيونية في دماء الآلاف من شعب فلسطين بلا رادعٍ أو حسيب رقيب! وهذا، والحق يُقال، كثير على مشاعر أيّ إنسانٍ ذي ضميرٍ في العالم، فكيف إذا كان ممَّن ينتمي إلى الأمَّة الجريحة بسهام المجانين المجرمين من ذلك الغرب.

********

(*) مؤسسة الفكر العربي – نشرة افق

(*) كاتب وباحث من المغرب

 كلام الصور

1- الحرب في العراق

2- الصراع العربي – الإسرائيلي

3- الحرب في أفغانستان

One comment

  1. hhhhhhhhhhhhhhhhhhhhh الأستاد الفاضل الدكتور عبد الإله بلقزيز السلام عليكم
    لقد كان الموضوع في غاية الروعة و العلمية و الموضوعية

اترك رد