وقائع الجلسة الحواريّة حول كتاب الأديب د. جميل الدويهي “المتقدّم في النور” (13)

 

 

 

الشاعرة مريم شاهين رزق الله – ملبورن

 

1- النصّ من الكتاب:

 

تحقير المرأة عار ونقيصة، فقد خلق الله الناس ذكراً وأنثى، واحترام خلق الله واجب على خلقه أجمعين. وكم يزعجني اتّجاه بعض الفلاسفة إلى إهانة المرأة، فكأنّهم أهل الجهل والسطحيّة. فنيتشه يزعم أنّ المرأة كائن غير قادر على الصداقة، فهي لا تزال كالقطط، أو الطيور، أو الأبقار على أفضل الأحوال… والمرأة في نظر هذا الفيلسوف المحقِّر، هي  نصف البشرية الضعيف، المضطرب، المُتقلِّب، المتلوّن… إنّها بحاجة إلى ديانة للضعف تقدّس الضعفاء، والمحبّين، والمتواضعين، وهي تحوّل القويّ إلى ضعيف، وتنتصر عندما تنجح في التغلّب على القويّ… ولقد تآمرت المرأة دومًا مع كافّة صور الانحلال ضدّ الرجال، وهم الأقوياء.

مهما يكن المرء دارساً في المعاهد والجامعات، ومهما سطّر من المؤلّفات، فإنّه يسقط من عيني، ومن عيون البشر أيضاً،  عندما يرى أنّ المرأة لا تستطيع أن تحبّ. ويقول: في حبّ المرأة هناك لاعدالة وعَمى. وحتّى عندما يحبّ وعيُ المرأة، فستظلّ هناك دائماً مفاجآت ووميض، وظلام يسير مع النور. ولا قدرة للمرأة على الصداقة.

إنّ ما يذهب إليه نيتشه عنصريّة بغيضة، ولا يبرّرها إطلاقاً أنّه تعرّض للخيانة من نساء. فالمرأة صديقة رائعة، وزوجة وفيّة، ومجاهدة في الحياة. وهل هناك أعظم من الأمّ التي تجوع لتطعم أبناءها، وتسهر الليل على راحتهم وطمأنينتهم؟ وهل الممرّضة والجنديّة والمحامية والمعلّمة ضعيفات؟ ولماذا يكون الممرّض والجنديّ والمحاميّ والمعلّم أقوياء؟ وهل الذكورة تعطي صفة القوّة لمن لا يستحقّها؟

ولست أدري لماذا يعظّم بعض الناس مثل هؤلاء الفلاسفة، بينما كلامهم التافه والسطحيّ يصوّر تفاهة في تفكيرهم، وسطحيّة في رؤيتهم. فأحكامهم لا تختلف عن أحكام أيّ جاهل لم يدخل إلى مدرسة في حياته… ولعلّ نيتشه اعتمد على قصص معيّنة كانت فيها المرأة خائنة للرجل، كقصّة شمشون ودليلة، أو أيّ قصّة حدثت معه شخصيّاً. وفي المقابل هناك رجال خائنون، وبعضهم يخون أهله ووطنه  وزوجته وأبناءه. أيكون هذا الخائن أيضاً قويّاً في رأي نيتشه؟

ومثل نيتشه كان شوبنهاور، الذي عُرف بالتشاؤم. فعندما كان في سنّ السابعة عشرة انتحر والده، وعاشت والدته حياة غير منضبطة، وأقامت علاقات كثيرة مع رجال، فحدثت قطيعة بين الشابّ وأمّه حتّى ماتت، ولم يَرها. وتحوّل ذلك الصدام إلى ضغينة عميقة تجاه النساء جميعاً. وكان يرى في المرأة الخيانة والشهوة والغدر والشرّ والضغينة، ولم يتزوّج أو يعرف امرأة طوال حياته.  وبما أنّ المرأة هي الأمّ، والمسؤولة عن التكاثر، فقد اعتبرها، من باب التشاؤم، سبباً في مجيئه إلى الحياة، ومسؤولة عن إنجاب البشريّة التي يكرهها. ووصلت به المبالغة في التطيّر إلى أن يطالب بالتضحية باللذّة الجنسيّة تفادياً للتكاثر وتجنّب ألم الإنسان ومعاناته. وهذه نظرة متطرّفة، وتنطلق من تجربة ذاتيّة، ولا يمكن إسقاطها على المجتمعات، وإلاّ انقرض الجنس البشريّ. فإذا كانت امرأة قد خانت زوجها، فهذا لا يعني أنّ كلّ النساء خائنات. وإذا كان شوبنهاور يؤمن بالعزلة، لكي يتفادى المشكلات التي يسبّبها الناس له، فهذا لا يبرّر نهجه العدميّ. إنّه لا يقلّ تطرّفاً عن أبي العلاء المعرّي في فلسفته الرافضة للخلق والتطوّر.

إنّ احترام المرأة هو من احترام الإله الخالق لها. وليس وراء كلّ رجل عظيم امرأة، بل بجانب كلّ رجل عظيم امرأة، وبجانب كلّ امرأة عظيمة رجل، فلا يسبق أحدهما الآخر إلاّ بالمآثر والفضائل العظيمة.

2- مطالعة الشاعرة مريم شاهين رزق الله:

 

أديبنا الراقي الدكتور جميل ميلاد الدويهي، صاحب “أفكار اغترابيّة”، بحكمة وتعمّق نصغي إليه، ونقرأ إبداعاته وهمسات بنانه، التي هي نغمات من ذاته، وعبرات من مشاعره وأحاسيسه على واقعنا ومعاناتنا ، أفراحاً وأتراحاً،  بحلوها ومرّها… يكتبها على درجات الروح بإتقان واهتمام، بأسلوب مدهش يبلسم  جرح الكلمة ويمسح دمعتها.

أديبنا خلجاته فوح من عطر، وسكبة من نور، يقدّم للقارئ متعةً، فالنص أبعاد ومعنىً. وهو دائم العطاء، بحر معرفة لا ينضب، تحفة فنيّة يذكرها التاريخ، ويحتفي بها محبّوها.

تعيش معه الحدث، تذوب في تفاصيله، على تموّجات سلاسة  الأسلوب، وعمق الفكر والمعنى، أدباً وشعراً ورواية، كضوء ساطع لا يخبو. يطلّ على مشاكلنا اليوميّة وواقعنا  الأليم، ومجتمع يتخبّط بين الحديث والقديم، ليحرق العتمة بنور شمعة.

نصٌ قيّم ومهمّ جاء في كتابه “المتقدّم في النور”، وأردت أن أقرأ عليكم ما بين السطور .

إنّ العدل والإنصاف والمساواة، هي ما أراده كاتبنا وأديبنا الجميل من هذا النصّ الممتع، والذي أحببته لما فيه من نقد لسلبيّات، إذ إنّه يتنازل واقعاً حقيقيّاً ملموساً، لا بدّ من الإضاءة عليه والخروج من تحليله بنتيجة عادلة وسليمة.

إنّ إنكار حقّ المرأة، صديقة كانت أو رفيقة أو شريكة درب، ومن خلال وجهات نظر فرديّة أو تجربة شخصيّة، ما هو إلا إجحاف بقيمة وجودها من قبَلِ فلاسفة يدّعون الحكمة وجوهر المعرفة، يتباهون بتجاهل واجباتهم، والإصرار على عدم إعطاء المرأة حقّها، كونها كائناً سلبيّاً في نظرهم، ومصدراً للتعاسة، حتّى أنّهم يسيئون إلى أمّهاتهم بالذات، وهم يدّعون أنّهنّ سبب آلامهم في هذه الحياة.

أديبنا  لم يؤنسه هذا الاتهام، أو يرق له ذاك الإجحاف.

نصّ بقيمة أدبيّة وإنسانيّة لا يثّمن. وبما يتميّز به أديبنا من عمق معرفة، وحكمة عقله، أراد أن يوصلنا إلى الإعتراف، والإقرار بأنّ المرأة سيّدة في كلّ مواقف الحياة وسبلها، لأنّها الأمّ، والأخت، والصديقة، ورفيقة مشوار العمر .

***

*مشروع “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي

 النهضة الاغترابيّة الثانية – تعدّد الأنواع

*تنشر وقائع الجلسة في كتاب يصدر قريباً من “أفكار اغترابيّة”.

 

اترك رد