معربون…بلدة بقاعية مميزة تنتظر من الدولة الالتفات إليها

وسام اسماعيل

قضاء ساعات قليلة في ربوع بلدة معربون المتكئة على تخوم سلسلة جبال لبنان الشرقية في قضاء بعلبك، كفيلة بأن يطوف بك الزمان على معالم طبيعية خلابة، ويأخذك حنينك إلى الأصالة، باتجاه تراث الأجداد المتجذر في الأرض، حيث حياة ابن القرية التي تجد فيها الكثير من الراحة والبساطة والبعد عن التكلف.

معربون هي من البلدات البقاعية المميزة، التي منحتها الطبيعة سر جمالها، في مشهدية رسمتها الجبال المحيطة ببساتينها الوارفة، بأشجارها المعمرة، والمتنوعة ما بين تفاح، كرز، إجاص، ودراق الى جانب الأشجار البرية كالسماق، اللوز، والزعرور إضافة إلى الأشجار الحرجية الدائمة الاخضرار.

هي من أغنى البلدات بالمياه العذبة، تتعدد في أحضانها الينابيع، وتخترق بساتينها أنهارا عدة جارية يستخدمها الأهالي لري بساتينهم ومحاصيلهم.

وبلدة معربون هي بلدة حدودية تجاور الحدود مع الأراضي السورية، تقع جنوب شرقي مدينة بعلبك، وتبعد عنها حوالى 25 كيلومترا، وتبلغ مساحتها 1120 هكتارا، تحدها من الشمال بلدة حام، من الشمال بلدة الخريبة، من الجنوب بلدة سرغايا السورية، ومن الشرق بلدة رنكوس السورية.

يبلغ عدد سكانها 3700 نسمة، وعدد ناخبيها بحسب لوائح الشطب 1700 ناخب، وترتفع عن سطح البحر بين 1350 مترا و1800 متر.

لا يعرف أهلها من أين أتت تسمية البلدة معربون، وحتى المسنين منهم لم نجد لديهم إجابة وافية، في حين أكد لنا الباحث والمؤرخ الدكتور حسن نصرالله أن “كلمة معربون هي من أصل سرياني جاءت من كلمة (عرب) وتعني الشيء الجميل أي نقية من الأوساخ، ولأن البلدة كانت تنتج الحبوب من قمح وشعير وغيره، وتصدرها للبلدات والمناطق المجاورة، أطلق عليها إسم “معربون”.

عام 2010 استحدث المجلس البلدي المؤلف من 12 عضوا، بالإضافة إلى مختارين. أكبر عائلاتها آل يحيى، يليها العالول، عوفة، القاق، بو دخل الله، وأنيس.

مرت على البلدة حضارات عدة تشير إليها الآثار المنتشرة في جبالها من مغاور وكهوف، إضافة إلى قصر الرهبان الأثري في محلة “جبل الزواريب” وقصر البنات في محلة “تلة القصر” ضمن مواقع جغرافية وعرة يصعب الوصول اليها.

الطريق الوحيدة التي تصل البلدة بالجوار، هي طريق جردية انطلاقا من بلدة بريتال، مرورا بجرودها ومن ثم بلدة إلى بلدة حام المتآخية معها، والتي لا يفصلها عنها أكثر من كيلومترين، ويجمع بين أهالي البلدتين كل المناسبات والأفراح والأحزان، ويشكلان معا النموذج لبلدتين لبنانيتين تجسدان العيش المشترك الواحد، تجاوزا كل الفتن، وتجمعهما هموم إنمائية واحدة، ومعاناة التهميش والنقص بالخدمات والبنى التحتية وغيرها. والطريق ضيق وخطر تكثر على امتداده المنحدرات، إلى جانب كثافة مرور الشاحنات التي تحمل الرمال من مرامل جرود بريتال.

غنى نفوس أبنائها الذين يمثلون بتعايشهم واحترامهم لبعضهم البعض وللآخرين، أجمل صورة للألفة، إلا أن ضيق وسائل العيش، وفقدان أدنى المتطلبات، ولا سيما المدارس والمستشفيات دفع غالبية أهلها إلى النزوح نحو المدن سعيا لطلب الرزق.

تشكل الزراعة مصدر عيش الغالبية العظمى من المواطنين، والباقي يعتمد على الوظائف الحكومية، ولا سيما في السلك العسكري.

حوالى 6000 آلاف متر شكلت محور نزاع بين اهالي البلدة وعائلة الشماط في بلدة سرغايا السورية، على ملكية هذه الأرض، استمرت أكثر من ثلاثين عاما، أثبت خلاله أهالي البلدة أحقيتهم في ملكية هذه الأرض، معتمدين على الخرائط والمستندات التي أثبتت حقوق ملكيتهم لهذه الأرض. إلا أن هذا الصراع حال دون إقامة معبر حدودي شرعي بين البلدين، رغم أهميته، إذ أقفلت الحدود بالكامل ومنع الأهالي من تجاوز الحدود المتداخلة على الرغم من حالات المصاهرة بين عائلات البلدتين.

طبيعة معربون الجبلية وتراكم الثلوج فيها حتى أواخر شهر أيار من كل عام، جعلتها بلدة غنية بالمياه بحيث تتدفق الأنهار والينابيع التي يبلغ عددها ثلاثة أنهار، وما يزيد على ثماني عيون للمياه أهمها العين التي وسمت باسم البلدة (عين معربون) وتتوسط البلدة.

رئيس البلدية

الأهالي يصرخون ويطالبون بالإنماء، ويشكو رئيس البلدية محمد عبدالحميد يحيى من قلة الخدمات وغياب اهتمام الوزارات المعنية بالبلدة، وقال: “يأخذ المجلس البلدي فيها على عاتقه تأمين حاجات البلدة على الرغم من إمكاناته الضيقة، فالإهمال الذي يطال البلدة مزمن، وعلى الرغم من جمالها طبيعتها إلا أن البلدة تفتقر إلى شبكة صرف صحي، وهو ما يضعه المجلس البلدي على رأس سلم أولوياته، كذلك تطوير المدرسة الرسمية المتوسطة الوحيدة في البلدة”.

ولفت يحيى إلى أن “المستوصف الوحيد التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية يفتقد إلى الجهوزية الكاملة، وبحاجة للدعم وتعزيز الكادر الطبي، ليتمكن على الأقل من معالجة الحالات الطارئة”. وتابع: “لولا وجود شبكة إرسال لإحدى شركتي الخليوي، لكانت البلدة معزولة بالكامل عن محيطها، لأنها تفتقر إلى شبكة الهاتف الثابت، وتفتقد لخدمة الإنترنت”.

وأشار إلى أن “المجلس البلدي تمكن من تأمين جرافة للثلوج، تساهم في فتح الطرقات خلال السنوات الاخيرة، بعدما كانت تعزل البلدة في فصل الشتاء لأكثر من شهر جراء تراكم الثلوج فيها، وكانت سجلت العديد من الحالات الطارئة فيها، اضطرت فيها المروحيات التابعة للجيش اللبناني إلى التدخل مشكورة لنقل المرضى أو تقديم المساعدات الطبية والغذائية خلال العواصف الثلجية”.

وقال: “المجلس البلدي يعمل مع اتحاد بلديات شرق بعلبك على إنشاء مبنى بلدي، وقمنا بإنشاء خزان لمياه الشفة بالتعاون مع إحدى الجمعيات والمنظمات الدولية المانحة، كذلك تمديد شبكة مياه للمنازل شملت مختف أحياء البلدة، إلى جانب استحداث مجار وأقنية ري. وبات لدى البلدة سيارة إسعاف، وأخرى لنقل النفايات”.

وطالب الدولة بـ”الالتفات إلى البلدة، وخصوصا لجهة إنشاء حيطان دعم وتأهيل طرقاتها”.

أما الإعلامي عيسى يحيى فرأى أن “الجغرافيا حكمت على بلدة معربون وغيرها من القرى بموقعها على أطراف السلسلة الشرقية حيث النسيان والإهمال المزمن، وقدر للأهالي مواجهة مصاعب الحياة ومشقاتها في ظل غياب الدولة والإنماء عن البقاع ككل”. وقال: “واقع القرية اليوم، وتراجع عدد سكانها بعد توجههم الى المدينة طلبا للعلم والعمل، يستدعي تضافر جهود الجميع من سكان القرية والسلطة المحلية والدولة للنهوض بها، لتثبيت الناس في أرضهم وتخفيف حدة النزوح، ولا سيما أن حوالى 15 في المئة فقط من سكان القرية يقطنونها شتاء فيما الباقي يعيش في مدينة بعلبك والمناطق المحيطة”.

واعتبر أن “هذا الواقع فرضه تردي الخدمات على مختلف أنواعها، إذ متوسطة القرية الرسمية لا يتعدى عدد طلابها 50 تلميذا، فيما يفوق عدد المدرسين 12 معلما، في حين كان عدد التلاميذ عام 2001 يفوق 400 تلميذ، بالإضافة إلى غياب ثانوية في البلدة مما يدفع الأهالي إلى النزوح نحو المدينة لتعليم أبنائهم”.

ويفخر يحيى ب”العلاقات المميزة التي تجمع أهالي البلدة بالبلدات المحيطة، حيث يعيشون معا بسلام ووئام ومحبة، وتشكل مع بلدات الجوار نموذجا للتعايش والتواصل تبرز دلائله من خلال حالات المصاهرة القائمة”.

***

(*) الوكالة الوطنية للإعلام

اترك رد