غسان علم الدين… ساكننا أبداً

mostafa-helwe--tripoliiii

عَبْرَ صديقي وزميلي د. أنطوان الدويهي، توثّقت عُرى الصداقة بيني وبين الأديب والشاعر والفنان والموسيقي والمثقف الموسوعي غسان علم الدين، وذلك في العام 2009. وقد كان أوّل اختبار عملي لهذه الصداقة، حين وضعتُ مراجعة نقدية مُسهبة لديوانه الشعري “أخضر في سهول الجراد”(2015)، نشرتُها في مؤلّفي ” 80  كتاباً في كتاب”. وقد لقيتْ هذه المراجعة صدىً طيّباً لدى غسان، فقال لي بالحرف – ولا فخرُ- ” لقد كتب حول شعري ونتاجي كثيرون، من بول شاوول، إلى محمد علي شمس الدين، إلى الناقد العراقي حاكم مردان وسواهم، ولكنك غُرت عليَّ عميقاً وأبرزت حقيقتي الشعرية!”

لقد كان للعلاقة بيننا أن تترسَّخ ، يوماً بعد يوم، وبقي التواصل معه قائماً، فكنتُ ألتقيه في طرابلس، عند كل عودة إليها من سيدني. وقد كان يعشقُ الفيحاء، عِشقَه لمسقِطِهِ المنية!

هاتفني غسان، أوائل نيسان المنصرم، وكان آخر اتصال بيننا عبر الواتساب، قبل رحيله بأسبوع ، وتحديداً بتاريخ 25 نيسان، الساعة 12،20، بتوقيت سيدني، وآخر عبارة كتبها:” أرجو أن تقرأ قصيدة المدن، وهي التي خصّ بها طرابلس، على مسامع د. سابا زريق”، وهو العارفُ ما تعني طرابلس للدكتور سابا الحفيد ولجدِّه شاعر الفيحاء سابا زريق! علماً أن قصيدة “المدن” تُشكِّلُ تقريباً نصف الديوان المخطوط الذي سيصدر، بهمّة ” مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية”، في تموز القادم 2019، وكان قد بعث به إلي، عبر البريد الإلكتروني، كي أتعهّده في غيابه، فأحرره لغوياً وأضع مُقدّمة نقديةً له!

وقد كان من المفترض أن يصدر هذا الديوان، بعنوان ” شمسٌ مختبئة في صدري”، ولكن غسان عدل عن ذلك، وطلب إليّ أن يكون “المدن”، عنواناً بديلاً، وذلك من منطلق تكريمه للفيحاء!ّ

لعلّ غسان ، بهذا العنوان، يُحاكي كتاباً صدر له مؤخراً، في أستراليا، عنوانه ( The Cities) ، وهو يضمّ مقتطفات من خمسة دواوين له، قام الكاتب د. رغيد نحاس بترجمتها إلى الإنكليزية، بشكل مُبدع. وقد كان تحضيرٌ لندوة تُقام في سيدني ، حول هذا الكتاب في الآتي من الأيام!

ghassan alamedine

غسان علم الدين

.. في مقال لي صغير، نشرته في صفحتي، على الفايسبوك، غداة رحيل غسان، أعلنتُ على الملأ بأنني مُصِرٌّ ، أكثر من أي وقت مضى، على وضع مُقدمة للديوان العتيد. كما كان إصرارٌ من قِبل د. سابا زريق على المضي في طباعة الديوان. وقد هاتفني ما أن تناهى إلى علمه رحيلُ كاتبنا، مُبدياً هذه الرغبة، وبما يليق بمكانة الراحل!

وقد توافقنا، د. سابا وأنا، على أن تُقام ندوة حول “الديوان” ، إثر صدوره، بدعوة من “مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية”، وبرعاية من وزارة الثقافة. ولقد تواصلت أمس مع مدير عام الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة الصديق د. علي الصمد، واستحصلتُ منه على موافقة، لجهة رعاية الحدث المنتظر، وعلى أن تتضمن هذه الندوة لفتة نحو الراحل، من خلال درع تكريمية، باسم وزارة الثقافة. وقد طلب إليّ د. علي أن أبلِغكم ذلك رسمياً، مُعتذراً عن عدم الحضور، لظروف طارئة، معتبراً هذا الإبلاغ بمنزلة كلمة له، مُثمِّناً اللقاء التأبيني، ومُحيّياً جهود الهيئات الثقافية في طرابلس والشمال الداعية إليه.

.. لأنني سأقول في راحلنا، عبر مراجعتي النقدية للديوان العتيد ما يتعدّى الشهادة، أُنهي مُقتصداً: صعبٌ جداً أن تجود الأيام بشاعر شاعر، شاعر حداثي، وفنان فنان، وإنسان إنسان، يُضارعُ فقيدنا الغالي غسان علم الدين. ولم أكن مُجانباً الصواب حين عنونتُ مراجعتي لكتابه “أخضر في سهول الجراد”: ” غسان علم الدين يتدفّقُ معاني صادمةً ويُحلِّقُ بأجنحةِ لُغةٍ غرائبية!”. هذه الغرائبية، التي حكمت لغته الأبابيلية السِجّيلية، كان لها أن تطبع موته، فرحل بشكل خاطف عاصف!

.. حتى هذه الساعة، يتملكني شعورٌ غريب، إذْ لستُ مُصدِّقاً أن غسان قد غادرنا إلى غير رجعة! أجل، هو ساكنُنا أبداً، فالأحياء الأحياء لا يرتحلون عنّا!

***

(*)  ألقيت في الحفل التأبيني للشاعر والفنان والمثقف الموسوعي غسان علم الدين في الرابطة الثقافية-طرابلس، في19أيار 2019.

اترك رد