عن ديزي الأمير لمناسبة رحيلها

مَن يُطلق قصصَها القصيرة الكثيرة من صمتها؟

مع أن خبر رحيل الكاتبة العراقية ديزي الأمير تناقلته مواقع إلكترونية عدة، إذ توفيت في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 عن 83 عاماً، لم أعرف بالخبر إلا منذ أسبوع تقريباً، حين ظهر أمامي على الفايسبوك مقال نشره أحد أصدقاء الفايسبوك كتبته الأديبة السورية غادة السمان عن الراحلة.

ولم تذكر السمان في مقالها سوى أخبار وذكريات كان أي شخص قادراً على روايتها، وبرأيي الصريح لا تعدو كونها “طق حنك”. بحثتُ عن الخبر في Google ووجدت عدة أخبار ومقالات عن رحيلها، كلها متشابهة، تكرر المعلومات والتفاصيل ذاتها عن سيرة حياتها والمحطات التي ميزت مسيرتها الخاصة والمهنية، مع إشارة سريعة إلى أهميتها ككاتبة قصة قصيرة بدأ يبرز اسمها في بيروت في الستينيات من القرن الماضي، عندما كانت تسطع في الساحة الإبداعية أسماء مثل نزار قباني ومحمود درويش وغسان كنفاني ومحمد الماغوط، ومن النساء غادة السمان وليلى بعلبكي وليلى عسيران وحنان الشيخ.

لكن معظم المقالات توقف مطولاً عند علاقتها بالشاعر خليل حاوي والرسائل التي كتبها لها وأصدرتها بعد مرور خمس سنوات على انتحاره (أطلق النار على نفسه في عام 1982). وأعاد البعض انتقادها لأنها حذفت كل ما يشير إليها من الرسائل (صدرت بعنوان «خليل حاوي، رسائل الحب والحياة»). قرأتُ هذه الانتقادات وأنا أبتسم بسخرية. فأدب الرسائل في العالم العربي موصوم بالفضائحية. المرأة التي تحذف ما يشير إليها من رسائل الحب تُنتقد، وتلك التي تنشر رسائل حب من دون إحراج تُنتقد (مثلاً رسائل غسان كنفاني لغادة السمان). موقع واحد أعاد نشر مقابلة كانت قد أجريت معها في عام 2002، وموقع واحد آخر نشر قصة من قصصها المنشورة.

هذا جعلني أتأمل مصير الكتّاب أو بالأصح مصير ما كتبوه. أين يقع اليوم إرث ديزي الأمير التي لُقبت بأميرة القصة القصيرة؟ وكذلك إرث كثيرين غيرها من الكاتبات والكتّاب؟ أين نجد كتبها؟ (صدر لها سبع مجموعات قصصية) وهل مَن يرغب في العودة إليها والبحث عنها لقراءتها؟ أم أن عجلة الزمن تطحن كل شيء في طريقها، والذاكرة الثقافية أصبحت كذاكرة السمك؟

تذكرتُ أنني أقتني عدداً من كتبها وأنني التقيت بها شخصياً وأجريت معها مقابلة إذاعية وصحافية في الثمانينات. ولأنني أميل إلى إحياء إرث الكتّاب أكثر من الثرثرة عن حياتهم وعلاقاتهم العاطفية، ارتأيت أن أعيد نشر المقابلة التي أجريتها معها ليطلع القارئ/ة على فكر وآراء كاتبة كان لها دور وتأثير في الوجدان الثقافي في زمن مضى.

وقبل ذلك أشير إلى أنها من أب عراقي هو ميرزا الأمير وأم لبنانية من ضهور الشوير هي وداد تبشراني. مارست التدريس في العراق ثم جاءت إلى لبنان في مطلع الستينيات وعملت في السفارة العراقية آنذاك ثم شغلت منصب مديرة المركز الثقافي العراقي في بيروت حتى عام 1985.

عبّرت ديزي الأمير عن القلق الوجودي والمعاناة الإنسانية خصوصاً معاناة المرأة في المجتمع العربي الذكوري وعن قضايا الغربة والحرية. وإذا كانت الكاتبات في تلك الفترة تثرن الصخب والصدمة في الكتابة عن حرية المرأة، فقد كانت كتابات ديزي الأمير هادئة، رقيقة، ساخرة بلطف وأناقة، وغير إباحية ولا صدامية أو عدوانية. وأورد هنا بعضاً مما كتبه النقاد عنها:

كتبت الناقدة فاطمة المحسن: “كانت بعض قصصها المرتبطة بالمرأة وقضاياها، تنطوي على سخرية خفية من نمطين من النساء: المستعرضات أجسادهن وعواطفهن، والمنشغلات بأمور السياسة. كتبت زمانها الذي نأت عن أوهامه، وربما سبقته في التخلص من كليشيهات الموجات الأدبية. تركت بصماتها الرقيقة وصوت عزلتها ووحدتها يرنان بعيداً، في كواليس المسرح الأدبي لا في واجهاته البراقة”.

ورأى الناقد اللبناني عفيف فرّاج أن “قصص ديزي الأمير ترسم عالم الأحاسيس الداخلية للشخصية، بحساسية شديدة الرقة، تلتقط أبسط موجات الشعور المضطرب، وتلتقط الجرس الخافت لحزن لا يعلن عن نفسه إلاّ للأُذن التي تألف الهمس. إننا نسمع في قصصها همس السواقي وليس هدير الشلالات، ومفارقاتها الدرامية تحدث الرعشة وليس الارتعاش العنيف”.

وقال الشاعر سعيد عقل عنها: “ساحرة الهنيهات السعيدات، وما همّ أنهن أحياناً مثقلات بالكآبة. من أين تجيء بهذا البث الناعم الفني في عصر القصة المواء والقراء الذين يحبون الصدم والقضم؟”

صدر لديزي الأمير سبع مجموعات قصصية هي: البلد البعيد الذي تحب (1964)؛ ثم تعود الموجة (1969)؛ البيت العربي السعيد (1975)؛ في دوامة الحب والكراهية (1979)؛ وعود للبيع (1981)؛ قائمة الانتظار: حكاية امرأة عراقية في الغربة (1988)؛ جراحة لتجميل الزمن (1996).

ديزي الأمير: مَدينةٌ أنا للبنان بالكتابة والنشر

 

(حوار مع ديزي الأمير تشاركت نهاد الحايك مع الصحافي عماد موسى
في إجرائه في بغداد عام 1988، ونُشر في مجلة “المسيرة”)

 

  • غادرتِ لبنان منذ سنوات قليلة. هل نقدر أن نعود إلى بداية علاقتِك بلبنان؟

 

    • عندما أفكر بلبنان، يخيّل إليّ أني قد ولدتُ معه. فأمي لبنانية وتقاليد بيتنا وأجواؤه لبنانية. قبل عام 1960، كنت أمضي كل صيف فيه وأعتبر نفسي نصف لبنانية ونصف عراقية. بعد هذا التاريخ وإلى نهاية عام 1985، استقريت نهائياً في لبنان على أرض عراقية (السفارة العراقية في بيروت).

 

  • بيروت تُعتبر في الشرق تجربة. ماذا أضافت إليك أدبياً؟

 

    • لبنان وبيروت أعطياني كل شيء. مدينةٌ أنا للبنان بالكتابة والنشر وبالتعرف إلى الأدباء وظهور الحس الأدبي في نفسي وبالطموح… إلخ. لبنان أعطاني كل شيء ولم يأخذ مني شيئاً.

 

  • خضتِ مشروع الكتابة لأنه كان لديك قضية تتكلمين عنها، وبالأخص قضية المرأة. كيف تختصرينها؟

 

    • عندما كتبتُ لم أكن أحس بوجود قضية. كان لدي شيء أريد أن أحكيه. بدأت بالكتابة ولم أكن صغيرة (في عام 1962). سافرت كثيراً. تعلمت. تخرجت في الجامعة. عملت في التدريس. كتبت بعد سن المراهقة بكثير، أي أنني كنت تجاوزت حينذاك مرحلة الانفعال السريع حيال الأشياء والشعور بأهمية أي شيء. فهمت الحياة إلى حد كبير وعشت مدة طويلة وحدي. الوحدة تعطي الإنسان قوة وتجربة. أول ما كتبت فعن الإنسان ولم أزل. لم أقصد التفتيش عن قضايا خاصة، لكن بما أنني أعرف المرأة أكثر مما أعرف الرجل كانت هي البطلة في قصصي. زاوية الرؤية أو تسليط الضوء في قصتي يتركز على المرأة وحولها نساء أخريات ورجال. في النتيجة تطلع القضية قضية امرأة. لأنني أفهم الرجل من خلال إحساسها، كما الرجل يفهم المرأة من خلال إحساسه الخاص. والإثنان، كما أظن، لا يفهمان بعضهما. لست باحثة اجتماعية لأفتش عن هموم المرأة وأحلل مشاكلها. لكن ما يثير غضبي وحزني أن أرى بعض الهموم عندها فأكتب عنه. فمنذ ولادتها يغرق البيت في الحزن وكأن الجو مأتم. وفي أول مجيئها إلى الحياة، وقبل أي إحساس أو فهم تسمع: هذا أخوك لا “تزعليه” ومَن يقول هذا الكلام هي الأم. (…) وشيئاً فشيئاً تحس أن كل رجل في العائلة، حتى الضيف، هو المهم ومفروض عليها مراعاته والاهتمام به ومداراته وتدليله… كل هذا خلق رد فعل عندي. لم أمش في هذا التيار. رفضتُه ولكن ليس بموقف عدائي من الرجل، فالرجل مظلوم، كما المرأة، في المجتمعات المتخلِّفة. صرتُ أقبل أن أقول: “أنا صبي”. صار لدي أصدقاء بعدد الصديقات، أتعامل معهم بالمنظار نفسه، وبالتالي، عرفت الاختلاط أكثر. فلا أشياء ذاتية أخاف منها وأستحي بها. لذا دخلت المجتمع وفي نفسي “طهرانية” عدم إحساس بالخوف من الرجل وعدم الإحساس بوجوب خدمته أو اللحاق به. دخلتُه أكثر مما دخلَتْه أديبات أخريات لأنهن تقوقعن في ما يسمى الأدب النسائي، بمفهوم أن المرأة فردٌ من المجتمع، وقد تكون مظلومة أو ظالمة.

 

  • دائماً نجد موقف ديزي الأمير من الرجل ذاتياً وحادّاً. نادراً ما نلقاه محباً، فهو في معظم الأحيان على شفير الخيانة وعلاقة المرأة به لم تدخل مرحلة الاطمئنان.

 

    • لا. هذا الموقف ليس في قصصي كلها. لو دخلت في التفاصيل لوجدت أن مَن حرّض المرأة على “الموقف العدواني” من الرجل هي امرأة أخرى، كأن تكون الأم أو الأخت أو سواهما. في قصصي، وفي بعض المراحل، تجد المرأة ضعيفة، تخاف الآخرين. هذه ليست أنا. فأنا لم أكتب عن نفسي. مثلاً المرأة في “البيت العربي السعيد” تعسة، ذليلة، تخاف من خيالها والرجل متسلط. تبحث عن السبب تجد امرأة أخرى. الرجل ضعيف أمام امرأة يخافها وتكون الأم. وجود امرأة مخيفة في البيت أدى إلى خوفه. عندما خاف، أساء التصرف مع المرأة، والمرأة كرهت الرجل، ودارت الدائرة على هذا الشكل. وفي مراحل أخرى، مثلاً في “وعود للبيع”، المرأة قوية، تتحدى الرجال كلهم. ترضى بالوحدة وبالهرب. (…) تحصل فضيحة، ولا يحكمها أحد، لأن لا امرأة تخيفها.

 

  • هل تقدرين أن تكوني بعيدة من شخصياتك؟ أو شيء منك موجود في داخل كل شخصية أو خلفها؟

 

    • موجودة أنا في قصصي. لو وضعتني في كومبارس لا أستطيع أن أتبنّى مشكلة امرأة ما لم أكن خائفة من تعرُّضي لمشكلة مشابهة، أو من حدثٍ لقريبٍ مني. في نفسي، عندما أكتب، شيء يشبه المشكلة والحدث، وهذا يثير غضبي. لا أقدر أن أثير أي شيء من دون أن أحس بأن المرأة التي أكتب عنها هي أنا من دون أن تكون بالضرورة أنا.

 

  • هل الأدب قادر على التغيير في واقع اجتماعي معيّن؟ كأن يطوِّر عادات أو يغيِّرها مثلاً؟ ومنذ كتاباتك عن المرأة بين البدايات واليوم، هل شعرتِ تحولاً أقله في المجتمع العراقي؟

 

    • ابتعدتُ عن المجتمع العراقي مدة طويلة، لكن المجتمعات العربية تتشابه إلى حد بعيد. المرأة تطورت في شكل كبير وأنا تطورت، فانعكس الأمر عليّ. (…) كنتُ فتاة رومانسية تفتش عن المجهول. سافرت وأكثرت من الأسفار. رحت إلى الغرب، قارنتُ بين المرأتين الشرقية والغربية. أحسست بالوحشة. وبين العودة إلى البلاد والرغبة في البقاء في البلد الذي يحترم حرية الفرد، استقريتُ في لبنان. كتبتُ “ثم تعود الموجة”. أحسست أن لا وجود للاستقرار في الحياة. فكانت النتيجة شعوراً بأن روتين الحياة سيقتلني. الوظيفة كانت صعبة وقاسية. اشتغلتُ بجدّية كبيرة. مع هذا، حاولت أن أخترق هذا الروتين، وبعضُه موجود في قصصي. عندما كتبت “البيت العربي السعيد” لم أكن أعرفه سابقاً. فبيتُنا لا يشبه البيوت العربية الأخرى. أبي طبيب من أول خرّيجي الجامعة الأميركية في بيروت، وأمي أديبة تقرأ وتترجم وتكتب شعراً. التقاليد التي عرفها أبناء جيلي لم أعرفها. اختلاطُنا مع العائلات اقتصر على تلك الشبيهة بعائلتنا. في كل بلد طبقات ثقافية مختلفة. الطبقة الأمية لم نتعرف إليها والجو العراقي المحلي لم أعشه.

 

  • ألا يُنقِص هذا من تجربتك ككاتبة يجب أن تعايش طبقات المجتمع كلها وأنواع الناس المختلفة؟

 

    • لا أقول إن على الكاتب أن يخالط كل أنواع الطبقات الاجتماعية. الفلاحون مثلاً لا أعرفهم. مرة سألوا نجيب محفوظ “أنت مهم ولماذا لم تكتب عن الفلاحين؟” فأجاب: “وُجدت في منطقة من مناطق القاهرة التي فيها الأغنياء وأبناء الطبقات المتوسطة، وفيها الموظفون ومحلات الباعة (…) في حياتي لم أعش في الريف ولا أقدر أن أكتب عنه”. كان يكتب عن الناس الذين رآهم. ليس عيباً أن أكتب عن طبقة المثقفين. أكثر الناس عذاباً هم المثقفون لأن لديهم تطلعات يسمّونها “برجوازية” وهي ليست كذلك. تطلعاتهم حياتية في العمق. الإنسان الذي يحاول أن يرتقي بنمط حياته وأفكاره وآرائه معذَّب. لا هو قادر أن يطلع ولا قادر أن يبقى في مكانه. لا يحتمل البقاء في الوسط ولا يريد أن ينزل إلى ما دون الوسط. حياته صعبة والطبقة المثقفة يجب الاهتمام بها. يتّهمونني “أنت برجوازية لم تكتبي عن الفقراء”. أنا لم أكن فقيرة ولم أكن ثرية. لم أعرف الجوع وفي الوقت نفسه لم أحس التخمة. عائلياً عشت بنمط يحترم الإنسان وليس المال. وقد نكون بعُرف الناس منتمين إلى طبقة أعلى من الطبقة المتوسطة. والحديث عن هذه الطبقة ليس خطأ ولا أقدر أن أكتب عن طبقة لم أعش معها.

 

  • كتبتِ عن أشياء اشتهر بها الطليعيون: وصْفُ الأحوال النفسية وجلسات المقاهي والضجر والتفاصيل اليومية الصغيرة والدوش البارد. هل تُضعِف هذه الأشياء سياق القصة الدرامي أَم تُقوّيه؟

 

    • التفاصيل الصغيرة هي الأساس. حياتنا مجموعة تفاصيل صغيرة متجمعة. وعندما أدخل فيها وأذكرها فمن أجل خدمة الفكرة. عندما تعيش البطلة، في القصة، في غير مكانها، في بيت تحسه ليس بيتها، وكل مَن حولها لا يفهمها، فإنْ فَرَغَ البيت ففراغُه سعادة. والوحدة سعادة. أما وجود ناس يقومون بزيارات من دون خبر مسبق والبيت “معجوق” وهي منشغلة و… إن أي إنسان مرهف لا يتحمل حياة مماثلة. وعندما تزمع أخذ “دوش” وتسمع في صوت الماء صلاة، بينما أهل البيت يُصلّون وهي تعرف أنهم غير مؤمنين، إنما ينافقون مع الإله، هي لا تريد أن تنافق مع أحد. فكرَتْ، “ليخرجوا جميعاً كي تبقى وحدها، والماء، ذاك الجزء من الطبيعة، هو الصلاة”.

 

  • المرأة الكاتبة إذا خاضت الحياة من دون خوف تخسر نفسها وتربح الأدب. وإذا لم تعش حياتها ولم تخض التجارب التي تُغني أدبها فهي تربح نفسها وتخسر الأدب. من هنا نسأل عن مشكلة المرأة الكاتبة.

 

    • إنها مشكلة كبيرة لأنه يراد منها أن تكتب شيئاً عميقاً وأصيلاً وهذا لا يكون إلا بمعرفة الحياة، وإذا عرفتها تُدان بتلك المعرفة. بطبيعتي لا أحب الاختلاط الاجتماعي الواسع. عشت في لبنان ولم أعرف بيروت في الليل (…) عشت الحياة ولم أعشها ودفعت ثمناً باهظاً لكي لا يقال عني شيء. الثمن حياتي وعمري. كنت حذرة في أي تصرف وأي كلمة أقولها. جعلتُ من الرجل صديقاً. فَهِم موقفَه مني وموقفي منه. أؤمن بالمحبة. عرفت عدداً كبيراً من الناس والأدباء وكنت سعيدة. الشخص الوحيد يعذبني وأعذبه. أغار ويغار. أفقد شخصيتي إكراماً له، أسمع بأذنيه وأرى بعينيه وأشم بأنفه. هذا الشخص لم ألْتقِه، بفعل إرادة أو لاإرادة. صارت حياتي تجربة موضوعية. لم أكن مأخوذة بشيء يحجب عني الحقيقة. لا شيء استلَبَ مني تفهُّمي الحقائق. رأيت الحياة بوضوح وعشتها على طريقتي.

 

  • ماذا يبقى من الحياة إذا خلت من الحب؟ ليس بالمعنى الانسحاقي أو إذلال المرأة أمام الرجل، بل الحب الذي يحقق التكامل؟

 

    • هذا مهم. مرَّ في حياتي شيء من هذا القبيل. وعندما ذهبتُ إلى لبنان وإنكلترا ازددتُ تزمُّتاً حتى لا يقال غادرَتْ بلدها و”فلتت” (تضحك). الصداقة حلوة مع الرجل. إني أحب المحبين.

 

  • تكلمتِ عن الحياة الوظيفية التي يطغى عليها الروتين الذي يقتل الكاتب. ألهذا السبب كان تركيزك على القصة القصيرة التي يكفيها النفس القصير، وأهملتِ الرواية؟

 

    • هذا بالضبط ما حصل. عملي كان مرهقاً وأخذ كل وقتي وكان يحتاج بصورة خاصة إلى قراءة وكتابة كثيرة. أحياناً تخطر قصة قصيرة في بالي ليلاً، أكتب منها جزءاً ولا أكملها. أتأسف. أي واحد يقدر أن يكون موظفاً ولكن لا يقدر كل إنسان أن يكون مبدعاً. حسي الوظيفي كان حالة مَرَضية. وهذا ما عرفه الجميع، لذا كانوا يحمِّلونني أشغالاً فوق قدرتي. القصة القصيرة كانت تأخذ شهوراً لكي تنتهي. لم يخطر في بالي إطلاقاً أن أكتب رواية لأنها تتطلب سنين لكي تنتهي. دائماً كان لديّ أعمال لا تنتهي مع انتهاء الدوام. الوظيفة لم تمنعني فقط من كتابة الرواية، إنما قللت جداً من إنتاجي القصصي. وهذا هو الأمر الوحيد الذي ندمتُ عليه.

 

  • بعد انتهائك من العمل الوظيفي هل تخططين لرواية ما؟

 

    • تعوَّدتُ على القصة. أحس العمر يفلت من يدي. في لبنان لم يخالجني هذا الإحساس. عندما جئت إلى هنا (بغداد) شعرت بالكبر. لو أردتُ أن أكتب رواية فلن تنتهي. في حياتي ذكريات وناس وحوادث أدبية كنت شاهدة عليها. لو كتبتُها لطلع منها ما هو مهم. لكن حتى هذه لا أقدر أن أتذكرها في تسلسلها الزمني. فكرتُ أن أكتبها على طريقة تَداعي المَعاني. أنجزتُ المقدمة وتوقَّفت. خطرت على بالي أفكار قصص، عدتُ إلى القصة ونشرت مجموعة قصصية في بيروت. أريد أن أبدأ بكتابة مذكراتي وأحس أنني لن أنشرها قريباً. الإحساس بالنشر يُشعرني بمراقبة، وإذا فكرت أنها ليست للنشر آخذ حريتي.

 

  • وعيتِ الحياة وعندك شعور بالتحدي، ووعيتِ الكتابة ولديك الشعور نفسه. لماذ هذا التحدي لم يوصلك إلى الكتابة عن الجنسين في الوقت الذي كتب الرجل عن المرأة والرجل؟

 

    • في مجتمعنا، مهما قيل إن المرأة رأس الرجل والرجل رأس المرأة فالقول كذب. نعيش على مسرح ونمثل أمام الحضور. الرجل الذي يدّعي معرفة المرأة كاذب أو مُدَّع. يقال إن إحسان عبد القدوس هو كاتب المرأة. ماذا كتب؟ “تحب الرجل وتلاحقه وتقبِّل قدمَيه”. المرأة ليست كذلك. بطلات نجيب محفوظ كلهن بنات هوى. المرأة ليست كذلك. لا أقدر أن أتصوَّر رجلاً شرقياً قادراً على فهم المرأة ولا امرأة شرقية قادرة على فهم الرجل. إننا نعيش حال تمثيل مستمرة. وإذا وُجد أفراد صريحون مع بعضهم فليس بالضرورة أن أكون قد تعرَّفتُ إليهم وفهمتُ نفسيَّتَهم. أنا أجهل الرجل وأؤكد أنه يجهل المرأة، لانعدام الصراحة.

 

  • هناك موضوع خاص، بعدما نُشر صار عامّاً، وهو رسائل خليل حاوي. وقد أثيرت حولها أقاويل ولم نسمع رأي ديزي الأمير بها؟

 

    • لم أسمع الأقاويل.

 

  • ولم تقرئيها؟

 

    • أحدٌ لم يقل إنها مرسَلة إليّ. الرسائل نُشرت لكي يعرف الناس الطرفَ الآخر غير المُعلن من شخصية خليل حاوي، لا من أجل الشهرة ولا التشهير. حذفت من الرسائل أشياء قد تسيء إلى خليل إن نُشرت. والإساءة لا تصحّ لإنسان فاضل ورائع وبطل مثله. وحَذْفُ كل ما يشير إلى “المرسَل إليها” مردُّه إلى أنها لا تريد الشهرة على حساب شيء من هذا القبيل.

 

  • هناك عبارة تقول “فاكتشفت أن ما كان الأفضل لم يكن الأفضل” في هذه المرحلة من حياتك. هل تنطبق هذه العبارة على حياتك السابقة؟

 

  • تنطبق على كل حدث. في كل حدث تُحسِّسنا الظروف التي سبقته والتي تخلَّلته أنه الأفضل. فنفرح به. بعد مدة، نكتشف أنه ليس الأفضل. مهما كنا عقلانيين وفاهمين الحياة بعمقها، فإننا نظل نرتكب الأخطاء. من هنا المفاضلة غير صحيحة.

mde

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: