الحب عند ابن عربي

    

إن ابن عربي أول فيلسوف رفع الحب إلى مرتبة الدين. ومن هنا جاء تقديره وتبجيله الكبير للإنسان. فقد جعل ابن عربي من الإنسان غاية من غايات الوجود. فوحدة الوجود عنده فلسفة قائمة بذاتها على روحانية مميَّزة مختلفة عمّا نجده عند باقي فلاسفة اليونان، وكذلك في فلسفة هيغل واسبينوزا وغيرهم من الفلاسفة في تبنّيهم لمبدأ وحدة الوجود بطريقة تجريدية ذهنية تفتقر إلى الرّوحانية الصوفية. بينما نجد أن التجلي عند ابن عربي هو صدور الموجودات عن حقيقة واحدة تتّخذ من العالم مظاهر الوجود. ومن مبدأ وحدة الوجود تنبثق مقولة “الحب” التي تسعى إلى التوحيد والتآخي بين البشر، من أجل مجتمع إنساني يؤمّه الحب والسلام. فالحب عند ابن عربي شريعة السلام.

ويرى يوسف سامي اليوسف بأن ابن عربي هو مؤسِّس المذهب الإنساني. يقول: “ولقد بجَّل الشيخُ الإنسانَ كثيرًا، بحيث صار في ميسوركَ أن تقول بأن مذهب ابن عربي هو المذهب الإنساني، أو بأن الشيخ هو من أسَّس المذهب الإنساني الذي لم يتبلور قبله في أية فلسفة تبلورًا ناصعًا، ولو أنه عرف الإشارات في مذاهب الفلسفة اليونانية، ولاسيما المذهب الرواقي حصرًا.” [1] وقد استدلّ في ذلك بقول ابن عربي في الجزء الثاني من الفتوحات المكية الذي يقول فيه: “فلما أراد الله كمال هذه النشأة الإنسانية، جَمَعَ لها بين يديه وأعطاها جميع حقائق العالم، وجَعَلَها روحًا للعالم، وجعل أصناف العالم كالأعضاء من الجسم المدبِّر له. فلو فارَقَ العالمَ هذا الإنسانُ مات العالم.”[2]

ويجعل الخطاب الصوفي المحبّة أعلى الدّرجات في مقامات المتصوّفة. فهي قوام التجربة الصوفية. وتبلغ ذروتها عند ابن عربي من خلال مبدأ وحدة الوجود الذي هو في حدّ ذاته دعوة إلى وحدة الأديان ودعوة إلى الحب الإنساني.

يقول ابن عربي:

لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبي         إذا لم يكن ديني إلى دينِهِ داني

وقـد صـار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ          فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائـــفٍ              وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ           ركائبه فالحبُّ ديني وإيمانـي

فقلب ابن عربي صار قابلاً كلّ صورة مرعى لغزلان، ودير لرهبان، وبيت لأوثان، وكعبة طائف، وألواح توراة، ومصحف قرآن. فهو يقبل حتى الاعتقادات الوثنية إذا كان الهدف منها التّقرّب من الله الكامل، لأن المسعى واحد وإن اختلفت أنواعه وأشكاله. فهو ينظر إلى الأديان بصفتها تجلّيات للحقيقة الإلهية.

إن الحب عند ابن عربي علّة العِلَل، وواسطة الأسباب. تذوَّق الحبّ وأحواله، فصنع عالماً جميلاً بنور الحب. فالعالم عنده كلُّه مُحِب ومحبوب. والعالم كله يقدّم حبه لخالق الكون. والحبّ عند ابن عربي ثلاث مراتب: حبٌّ إلهي وحبٌّ روحاني وحبٌّ طبيعي. والحب الإلهي يشمل الروحاني والطبيعي. ففي حبّ الإنسان لربّه قبسٌ من الحب الطبيعي والحب الروحاني، وهو ما تقتضيه حقيقة الإنسان من روحانيته وجسمانيته.[3]

ويتمثّل الجمال الإنساني عند ابن عربي كتجلّي للجمال الإلهي المطلق. ففي ديوانه “ترجمان الأشواق” نجد أن الحبّ الإنساني عنده طريق الحبّ الإلهي. وقد وضع كتابه “ذخائر الأعلاق” من أجل “النظام” بنت شيخه مكين الدين، يقول في كتابه: “… فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس … فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها أعني.”[4] كما أن العشق الإلهي عنده قائم على العشق الإنساني. فالنظّام صورة من صور العشق الإلهي والجمال المطلق.

ولم يكن ابن عربي في عقيدته الصوفية تابعاً لأي مذهب أو طائفة ولكنه كان يدين بدين الحب، دين وحدة الأديان. فالحب فطرة تجمع كل الناس. ولعل هذا سبب شهرته وذيوع صيته في كل العالم. رفع ابن عربي الحب إلى مرتبة الدين، وهي أعلى مرتبة يبلغها الصوفي في التسامح والحرية. وهو مفهوم له صدى كبير لما فيه من جانب إنساني. فامتازت كتاباته بالكونية. فابن عربي جعل من الحب الديّن الكامل الذي يشمل كلّ الدّيانات، وفي ذلك إلغاء لكلّ تفرقة دينية ومذهبية. فالإنسان لا يعبد إلا الله الواحد لكن أشكال العقائد والعبادات متغيّرة. يقول ابن عربي[5]: عقد الخلائق في الإله عقائداً   وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه.

ولذلك نجد أن الإنسان الكامل عند ابن عربي إنسان حر متحرّر من كل عبودية إلا عبادة الله التي تمنحه الحرّية للارتقاء إلى مرتبة الكمال. يقول ابن عربي في الفتوحات المكية[6]:

الحر من ملك الأكوان أجمعها      وليس يملكه ملك ولا جاه

وهكذا جعل ابن عربي للإنسان أو لوجوده غاية معرفة الله وبلوغ مرحلة الكمال وهي درجة كبيرة في السّموّ بالإنسان. فالكمال لا يتحقّق إلا بمعرفة الله. وعليها تلتقي كل التجارب الإنسانية الفكرية والفلسفية. وهي نظرية تدعو إلى الحب والتسامح، لأنها تسعى إلى وحدة الحقيقة المطلقة. يقول ابن عربي:

“فما ثمّ إلا الله ليس سواه     وكل بصير في الوجود يراه”[7]

ويمثل الإنسان الكامل أكمل الموجودات ووجه الحق، يقول ابن عربي: “الإنسان هو الحادث الأزلي والنشء الأبدي الدائم، والكلمة الفاصلة الجامعة، قيام العالم بوجوده، فلا يزال هذا العالم محفوظاً مادام فيه هذا الإنسان الكامل”.[8]

ويقول في الفتوحات المكية: “الإنسان أكمل الموجودات (…) فله جميع المراتب، ولهذا اختص بالصورة فجمع بين الحقائق الإلهية وهي الأسماء وبين حقائق العالم”.[9] إن الإنسان عند ابن عربي خليفة الله في الأرض، وهو الذي يعبّر عن الكمال الإلهي. فالوجود مرتبطٌ بالإنسان. وهذا الكمال لا يتحقّق إلا بالصورة الإلهية التي تسمو بالإنسان إلى مرتبة الكمال. وبذلك فالإنسان هو التجلي الأكمل للألوهية، لأنه أفضل الموجودات.

وقد جعل ابن عربي الإنسان رمز الحقيقة والمعرفة والخلافة والمحبّة والجمال. يقول: ” عبدي أنت حمدي وحامل أمانتي وعهدي، أنت طولي وعرضي وخليفتي في أرضي، والقائم بقسطاس (…) / عبدي، أنت سري وموضع أمري، هذا موقف تعريفك بعلوك كل الموجودات وتشريفك. / أنت روضة الأزهار وأزهار الروضات، ومغرب الأسرار وأسرار المغرب، / ومشرق الأنوار وأنوار المشرق.[10] “فالإنسان الكامل عند ابن عربي كما تراه الذات الإلهية هو النموذج الأصلي للعالم وللإنسان. ومن خلال هذا النموذج يحتوي الإنسان كل الإمكانيات الموجودة في العالم، وكل من العالمين الكبير والصغير يواجه الآخر كمرآتين تنعكس كل منهما في الأخرى، بينما يردد كلاهما صدى في ذاتيهما لنموذجهما المشترك الذي هو الإنسان الكامل”[11].

وتظهر كذلك معالم النزعة الإنسانية وخصائصها في فكر ابن عربي من خلال مؤلفاته الزاخرة التي تؤكّد على القيمة الوجودية المطلقة في الإنسان وخاصة في كتابه “التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية”، و”الفتوحات المكية”، و”فصوص الحكم”، و”رسائل ابن عربي”. كتابات تتّجه من وحدة الوجود إلى وحدة الإنسان. وهي أعمال جعلت ابن عربي من مؤسّسي النزعة الإنسانية التي جعلت الإنسان مُؤهَّلاً للكمال.

ما يعني أن للإنسان أهمية كبيرة في فكر ابن عربي. ويظهر هذا جلياً في رسائله وفصوصه وفتوحاته وسائر كتبه ومؤلّفاته. فإذا رجعنا إلى المعجم الصوفي لسعاد الحكيم نجد أن معظم المصطلحات مرتبطة بفكر الإنسان في تجلّياته وإشاراته ومقاماته وغيرها في محاولة ابن عربي الكشف عن حقيقة الإنسان وكماله وغايته ومهمّته.

وفي كتاب “التدبيرات الإلهية في المملكة الإنسانية” يسعى ابن عربي إلى كل ما من شأنه أن يحقق الكرامة الإنسانية للجنس البشري. وذلك ببناء نظرية تدبيرية إصلاحية انطلاقاً من المقاربة الصوفية التي تعتمد على لغة الرّمز والإشارة. فالإنسان نسخة مصغّرة من العالم.

ويقول ابن عربى في تقديمه لهذا الكتاب: “كان سبب تأليفنا لهذا الكتاب ، أنه لما زرت الشيخ الصالح أبا محمد الموروري بمدينة موْرور، وجدت عنده  (كتاباً يسمى) “سر الأسرار” صنفه الحكيم “أرسطو” لذي القرنين “الإسكندر” لمَّا ضعف عن المشي معه، فقال لي أبو محمد: هذا المؤلف قد نظر في تدبير المملكة الدنيوية ، فكنت أريد منك أن تقابله بسياسة من المملكة الإنسانية، التي فيها سعادتنا. فأجبته، وأودعت في هذا الكتاب من معاني تدبير الملك أكثر من الذي أودعه الحكيم ، وبينت أشياء أغفلها الحكيم في تدبيره الملك الكبير، وعلقته في دون الأربعة الأيام، بمدينة مورور، ويكون جرم كتاب الحكيم في الربع أو الثلث من جرم هذا الكتاب، فهذا الكتاب ينتفع به خادم الملوك في خدمته وصاحب طريق الآخرة في نفسه، وكل يحشر على نيته وقصده، والله المستعان.”[12]

ويشير ابن عربي إلى أن الكتاب يمكن أن يُقرأ على مستويات متعدّدة. فهو يهدف إلى الإشادة بمكانة الإنسان الذي هو خليفة الله في الأرض وأسمى المخلوقات الإلهية. وفيه يقدّم ابن عربي العديد من التصوّرات في زمن شهد حروباً كبيرة في الأندلس، وسقطت فيه معظم المدن الأندلسية في أيدي الإفرنج.

وهكذا يمكن أن نقول إن التصوف ببعده الروحي له الدور الكبير في تغيير النظرة إلى الإنسان وخاصة في واقعنا المأزوم. فالتصوف في حد ذاته استقامة في سلوك الفرد وبُعدٌ عن مخاطر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب. فالشعر الصوفي يرقى بالإنسان إلى الأقوم والأسمى، لأنه يقوم على تجربة ذوقية وجدانية وعلى الكشف الإلهي الذي ينير القلوب لتنكشف لها بعض المعارف والحقائق الكونية. وقد وضع ابن عربي أرضية خصبة للتعايش بين العقائد والأديان وقبول الآخر وحوار الحضارات. فكل المعتقدات تستند إلى حقيقة إلهية من التجلي الإلهي. فالوجود يرجع لمبدأ واحد هو الله، وهو الجمال والكمال المطلق. وهذا التصور الوجودي هو الذي جعل ابن عربي يدين بدين الحب.

*****

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، الجزء الثاني، بيروت، بدون تاريخ.

[2]  ابن عربي، الفتوحات المكية، السفر الأول، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور، المجلس الأعلى للثقافة، ط.2، 1985.

[3]  ابن عربي: الفتوحات المكية، 2: 329، 337، د/ الجزار: الفناء والحب الإلهي ، ص 14- 15 .

[4]  ابن عربي، دخائر الأعلاق، شرح ترجمان الأشواق، ص 3- 4.

[5]  ابن عربي، الفتوحات المكية، ج.3، ص. 132.

[6]  ابن عربي، الفتوحات المكية، ج.2، ص. 226.

[7]  ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، ج3، بيروت، ص. 329.

[8]  ابن عربي، فصوص الحكم، شرح وتعليق أبو العلا عفيفي، مؤسسة الإسكندرية، 1946، ص. 50

[9]  ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، ج4 ، بيروت، بدون تاريخ، ص 37.

[10]  ابن عربي، الإسرا إلى المقام الأسرى، تحقيق وشرح: سعاد الحكيم، دندرة للطباعة والنشر، ط1 1988 ، بيروت، لبنان، ص. 162-165.

[11]  سيد حسين نصر. ثلاثة حكماء مسلمين، ترجمة صلاح الصاوي، مراجعة ماجد فخري، دار النهار، بيروت، 1986، ص. 144.

[12]  ابن عربي، التدبيرات الإلهية في إصلاح المنافع الإنسانية، دار الكتب العلمية، ط. 2، بيروت، لبنان، 2003، ص. 20.

اترك رد