خصلة شعر

   

عامان يتعذب في حبها ولا تعيره أي اهتمام. لم يترك وسيلة للتقرب إليها إلا فعلها. لقد صارت حبه ومرضه في آن واحد.

يحمل فأسه كل صباح ويجلس تحت شجرة التوت القريبة من دارها بدلا من الذهاب للحقل، ولا ينصرف حتي يراها تخرج بعودها الطويل وشعرها الأصفر الكهرمان الظاهر من طرحتها.

ولما أصابه المرض وما عاد يفارق الدار نصحه صاحبه بالذهاب للشيخ أكرم الذي يجد علاجا لكل معضلة.

صاحبنا لم يكذب الخبر حين قوي علي المسير. ركب حمارته وذهب للرجل الذي ذاعت شهرته في كل الجهة. إنه ليس شيخا وإنما ساحرا يلعب بالبيضة والحجر. يحصل على أتعابه سلفا وعلى مثلها بعد عمل اللازم ووقوع المطلوب.

ولما اجتمع به  قال له آتني بشعرتين اثنتين من شعرها.

قال وكيف أصنع ذلك؟.

قال لا أعرف هذه مهمتك. فقط شعرتان وسأجعلها تطير نحوك مثل حمامة كلما رأتك.

في مساء اليوم التالي عاد إلى شجرة التوت دون فأسه. ظل يتلصص ويدور حول البيت عله يحظى برؤيتها أو على الأقل سماع صوتها. عشرة أيام يصنع ذلك دون ملل أو كلل. لقد سلبته لبه وما عاد يقوي على صنع شيء حتي يظفر بها.

ثم سنحت له سانحة. وقفت عربة نصف نقل بإحدي الأماسي وخرجت رفقة أمها بسبتين محملين بما لذ وطاب للذهاب إلى فرح إبنة عمها بالقرية المجاورة. كان يعرف وجهتهم من سماعه لأبيها وأمها وهما يتفقان في الليلة الماضية.

ظل متنمرا يحبس أنفاسه حتى ركبت الأسرة كلها وتحركت العربة. ومثل فارس مغوار صعد سطح الدار من الخلف ونزل السلم الطيني على أطراف أصابعه. ولما صار أمام باب الحظيرة نهق الحمار وماءت العنزات الثلاث فارتجف وركض بعيدا

لم يترك غرفة إلا دخلها بحثا عن مشط ومرآة. ولما رأى صورتها معلقة في برواز على إحدي الجدر تأكد أنها غرفتها. لقد حرك كل ساكن دون جدوي. ولما دخل الحمام ووجد خصلة كبيرة من شعر أصفر ماءت إحدي العنزات من جديد وهو يلتقطها.

في هذه الليلة لم ينم. ركض للشيخ أكرم ودفع المعلوم وظل ينتظر الصباح. هكذا سوف تأتي إليه راكعة. لقد وصل بفأسه إلي شجرة التوت قبل طلوع الفجر وظل ينتظر. وفي وقت الضحى خرج أبوها بالحمار ووقف ينتظرها أمام الباب حتي تجلب البردعة المحلاة بشعرات العنزة الصفراء.

ولما رآها صاحبنا تنفس الصعداء وسارع يقترب. وإذا بالبردعة تطير من على ظهر الحمار وتضرب رأسه بعنف ليسقط مغشيا عليه.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: