جميل الدويهي مدرسة في الأدب

  

مرةً جديدةً نلتقي مع قامةٍ أدبيةٍ وفكريةٍ وإنسانيةٍ من الطرازِ الرفيع. حمَلَ رسالةَ الكلمةِ منذُ حلَّ بينـَنا، طائراً أزرقَ ينزِلُ على شاطئِ الغُربة ويُغنّي لموعدِ الرجوع، ويَعزِفُ تقاسيمَ شرقية، فَيَرقُصُ الفجرُ ويتمايل.

عاشقٌ من ذلك الشرقِ البعيد، جبلٌ من جبال إهدن، يسافرُ ويغامرُ، لكنّهُ جبلٌ من عطرٍ، وسحْر، يَهمِسُ أحبُّكِ لحبيبةٍ هي الكُلُّ عندَهُ، وعيناها فِرقَةُ موسيقى. وقد أهداها من حبْرِهِ وردة، ومن أجلِ الوردةِ كتب، ولأهلِ الظلامِ لكي يَفيقوا من ليلِ العصور، ويعودوا إلى عصرِه هو، عصرِ المحبَّةِ والسلام، حيثُ للروحِ معبد، ولتأمُّلات من صفاءِ الروح مَرفأٌ وشِراع.

إنّه الكاهنُ الذي ارتدى عُشبَ الغاباتِ والحقول، ولعِبَ مع الهواء، لا يَهُمُّه شيءٌ من خزائنِ الذهب، فأغنيةُ الشجَرِ تكفيه، ورِحلةٌ مع النهرِ الذي لا يذهبُ إلى مكان شغفُه الأزلي

كتبَ لتاريخِ إهدن، وأنشدَ للبنانَ، ولبيروتَ، وللحرّيّةِ، وللحبِّ، والمرأة، وللوطن، والإنسانيّة…

ودعا في قصّتِه “طائرُ الهامة” إلى خلْع الثيابِ القديمة، ثيابِ الحقدِ والضغينة، وارتداءِ المحبةِ درعاً ولباساً.

وفي رائعتِه “في معبدِ الروح” حمَلَنا إلى عالمٍ مِثالي، وأعادَنا إلى صفاءِ الروح، إلى القيمِ الفاضلة التي تصنعُ الإنسانَ وتمجّدُه.

وكم نوعاًَ من الشعرِ كتبَ الدويهي؟ إنه الشاعرُ الأولُ في تاريخِ العرب الذي كتبَ سبعةَ أنواعٍ من الشعر، جمَعَها في كتاب “اعمدةُ الشعر السبعة”، ثم أضافَ نوعاً ثامناً في أواسطِ هذا العام، أطلَق عليه اسم: النصُّ العاميُّ الشعري.

ويضيفُ الدويهيُّ الجميلُ هذه الأنواعَ إلى القصةِ القصيرة، والروايةِ، والفكرِ، والتاريخ، والدراساتِ الأكاديمية، وباللغتينِ العربيّةِ والانكليزية، والمقالاتِ السياسيةِ والاجتماعية التي تتماهى وعملَهُ الإعلاميّ.

هذا الدويهيُّ الأنيقُ والرقيقُ هو كالبحرِ من أيِّ الجهاتِ أتيتَه، حتى بلغَ ما نشرَه في أستراليا منذُ عامِ الفينِ وخمسةَ عشرَ أكثرَ من اثنينِ وعشرينَ كِتاباً مختلفةَ الأنواع، هي أشبهُ بالأسطورةِ . وتُضافُ هذه الأعمالُ الجليلةُ إلى اكثرَ من عشرينَ كتاباً نشرَها قبلَ عامِ الفينِ وخمسةَ عشر، وحصيلةُ هذا الإبداعِ تكادُ لا تُصَدَّق.

لقد أصبحَ الدويهي مدرسةً، وخصوصاً في الشعر، حيث احتضنَ على موقعهِ أفكار اغترابية للأدبِ المهجريّ الراقي، باقةً من الأدباءِ والشعراء، وبعضُهم يسيرونَ على نهجِه في كتابةِ القصيدة، ويُصرّحون بذلك في العلَن، كما أنّ الدويهي يرعى إطلاقَ الكتب، والمناسباتِ الثقافيّة، ولا يبخلُ في سبيلِ إعلاءِ شأنِ الكلمة، فالجَمالُ في نظرِه سينتصرُ على البشاعة، طالَ الزمانُ أم قَصُر، والجمالُ يستحقُّ أن نُضحِّيَ من أجله لكي ينتصر

سأكتفي بهذا القـَدْرِ من الإضاءةِ على الدويهي وأعمالِه، ومَن يدخُلُ إلى موقعِه “أفكار اغترابية” سيقعُ على الحقيقةِ الكاملة، وتُدهشُه قدرةُ هذا الرجلِ على أن يكونَ في أمكنةٍ كثيرةٍ في وقتٍ واحد، لأنّه مجموعةُ رجالٍ ملهَمينَ… في وقتٍ واحد.

***

تأتي إلينا من تلك المدينةِ التي لا تنزِلُ عن جَبل، لأنّها مَجبولةٌ بالعزِّ والخلود. جَبلٌ هو مَنزلٌ لأبطالٍ لا يَموتون. وتلكَ مدينةٌ تهجّرتَ إليها ولم تُهاجر، تسكُنُ في بيوتِها كما النَغمٌ في أوتار عُود. من شعرِك تَسْقي وتروي، وأدبُكَ المُعجِزةُ التي أدهشت. عبقريُ النهضةِ الاغترابيةِ الثانية، الثائرُ على الجمود في فكرِك، ونثرِك، وشِعرِك، وأعمالِك الأكاديميّة… كم نوعاً كتبت؟ وكم لقباً حمَلت؟ وكم وردةً ألقيتَ إلى عروسِ الشعر؟ وكم مجرّةً دخلتَ إليها فاتحاً وأميراً؟

لك أيّها الدويهيُّ الآفاقُ والحدودُ التي لا تُحدّ، أهلاً بك في ملبورن مكرّماً، يا مَن كرَّمَ الكلمة وبعثَها حيّةً راقيةً، تُضيءُ في الأمم. د. جميل. نَسمعُك بالعيونِ قبل الآذان، وتُصغي إليك القلوب المشتاقةُ.

اترك رد