رحلة البحث عن المعنى في “زهور تأكلها النار” لأمير تاج السر

دراسة وجوديّة فلسفيّة 

 

يتحرّك العالم الحديث وفق إيقاع قديمه، ويتنفّس برئتيه، فالإنسان لم يتغيّر، في خيره وشرّه، وفي عاطفته المتلوّنة بين حبٍّ متنوّع الأشكال، يفتقده في الآخر أيّاً كان، سواءٌ كان في الأهل أم في الحبيب أم في المكان أو الزمان، وحتّى إنّه قد يجده في نظام اجتماعيّ أليف وإن كان متحجّراً، يحيا في منظومة منطق القوّة الحضاريّة، حيث يهيمن القويّ على الضعيف بأدواته وحضارته، بمفاهيمه وقيمه، وسرعان ما تصبح عادات وتقاليد جديدة يتلبّسها الجميع بطيب خاطر، شاءوا ذلك أم أبوا، ويصبحون أسرى العادة بوجهيها السلبيّ والإيجابيّ، ولكن تبقى الأديان بقوّتها المستمدّة من قداستها المكتسبة على مرّ الزمان، المظلّة الخفيّة القديمة، والموجّهة والحافظة لذاكرة الجماعة وسيرورة تطوّرها، وصاحبة الكلمة الفصل في نهاية الأمر والراصدة الأمينة لتحرّكات النفس الجمعيّة وهواجسها، وهي أيضاً حامية حدود الماضي والّا اكتسح الجديد العالم بسرعة رهيبة، وهي تساعدنا في الإجابة على أسئلة كثيرة ضمن النظام الجمعيّ، أيّاً كانت تقلّبات الزمان.

ولقد كان للمذهب الفلسفيّ الوجوديّ في القرن العشرين حضوره اللافت على الصعيدين الفلسفي والأدبيّ، معزّزاً مع ألبير كامو وكولن ولسون وسارتر وغيرهم، دوره في تعميق البحث عن هموم أساسيّة تجابه الوجود الإنسانيّ، وتعتبر عدوّاً لدوداً له، تعيق وجوده، مثل الفراغ واللامعنى والضجر والقلق، وهاجس تحقيق الوجود وإثبات الكينونة، والأهمّ: هاجس صناعة الأحلام. وهذا ما شكّل نواة البحث الذي دأب عليه أمير تاج السرّ في روايته” أزهار تأكلها النار” الذي رأى أنّ الماضي يتجوّل “بأقدام الحاضر” (ص١٣٤) وتبنّى الموقف الوجوديّ في رحلة صراع الإنسان مع أهوائه ومحيطه، حتّى ليبدو أنّ الرواية الوجوديّة قد وجدت طريقها إلى القصّ العربيّ الحديث، ولكن بنكهة عربيّة تراعي الأعراف السائدة وتتماشى والنوازع الدينيّة التي تشرّبتها ذاتنا العربيّة ورضيت عنها.

خميلة بين اللامعنى الوجوديّ والولادة الجديدة

تطلّ علينا خميلة ابنة العشرين شخصيّة أساسيّة تبحث عن المعنى لوجودها من خلال تموضعها مع شخصيّات أخرى محيطة بها، تعاني في عزلتها الطفوليّة(ص١٨): فالمحيط لا يقدّم لها ما يقنعها لتوثيق علاقتها بهم: لذلك تجد نفسها بدايةً تضحك بلا سبب(ص٥٠) وتشعر بتفاهة حضورها المرتبط بحضور الآخر وتفاهته، مفتقدة حبّ الأم والأب والحبيب، فتبحث بهدوء وتترقّب تحرّكات المحيطين لعلها تجد فيهم ما يعطي حياتها المعنى الذي تبحث بلهاث عنه عبر تخصّصها بالجمال، آو في نقيضه القبيح (ص٨٧و٨٩). ثمّ توضّحت لها الحقائق المرّة الواحدة تلو الأخرى، بدءاً من العادات والتقاليد التي تصحّر الإنسان وتجعل منه آلة ناسخة. لذلك فهي لا تتبنّى الّا ما يعجبها منه رافضة أن تتمسّك بما تشرّبته من قيم وتقاليد من غير تمحيص ودراية(ص35) مروراً بالحبّ الذي يبدو عبوديّة مقنّعة، وأسراً يزيد أمر العاشق تعقيداً بدل أن يكون علاجاً وتخليصاً للذات المحبّة التي تقع تحت جذب الأسر طواعية، وكأنّه شرك تفاهة لذيذ يكبّل العاشق بدل أن ينقذه – كما قد يُظنّ- (ص٤١) فلا غرابة أن ترفض البطلة الوقوع في أسر “بهرجة الآخر” (ص٢٨). ثمّ لتكتشف فيما بعد وهم السعادة الذي يجعلنا نفرح لمجرّد أنّه رمز الفرح الذي اعتدناه لا الحقيقيّ منه (ص٤٠) حتّى الموت لا يخيفها فيبدو لها وكأنّه نكتة سخيفة عليها تقبّله في آخر الأمر. (ص٩٢).

وإذا كان على الراوي أن يعرف عن بطله أكثر ممّا يعرفه البطل عن نفسه، فقد يبدو للوهلة الأولى أنّه في الفصلين الأوّل والثاني، برتابتهما وبطء حركتهما، لم يفقه سرّ الأنثى ولم يصل إلى حدود التوغّل العميق في معدن آمالها ولم يلامس هواجس ابنة عشرين، بتقلّباتها الجسديّة والنفسيّة ولم يقترب من آفاق حاجاتها ورؤاها وآمالاها المشرئبّة إلى تبوّؤ زعامة الكرة الأرضيّة من غير منازع. إلّا أنّه سرعان ما تستعر نار الحبكة مع نموّ الرواية المتصاعد قدماً حتّى تصل براعة تاج السرّ في أن يفقه سرّ خميلة الذي قد يكون خبيئاً عليها أيضاً، ليصل بنا إلى ذروة الحبكة الروائيّة في السطور الأخيرة من الرواية، في تصعيد دراميّ يتعاون السرد والوصف الداخلي في إخراج الحبكة الوجوديّة بصورة متكاملة، وذلك حين أخرجنا في نموّ متصاعد من مراوحة اللامعنى وبرودة الملل، ليركبنا أفعوانيّة الانفعالات الشرّيرة المتطرّفة، فيولد الأمل من رحم المعاناة وتخبز الانفعالات وقد تخمّرت بهدوء في مخمر الفصلين الأوّلين. صحيحٌ أنّ تاج السرّ لم يبرع كما قد يبدو للوهلة الأولى، في تصوير تطلّعات المرأة وأن يرسم خطوط اهتماماتها ويقرأ هواجسها التي تميّزها عن الرجل، فالإيقاع الأنثويّ قد غاب عن خميلة، ولم يهتم الكاتب أصلاً وكما يبدو بأن يتتبّعه، بل كان همّه أن يجعل الأحداث المحيطة بها تنسف مرتكزات الماضي وبديهته، ليحلّ مكانه وبجدارة ما يمحو رتابة المعنى فينقذها من سجن اللامعنى الذي كانت تتخبّط فيه في الفصلين الأولين قبل اندلاع الحرب ووقوعها في أسر جماعة المتّقي الرهيبة الإرهابيّة.

وهكذا خرجت خميلة الأسيرة من شرائط أسرها الخفيّ للعادات والتقاليد في بداية الرواية، ولأسرها الجسديّ في النصف الثاني منها، مع قرارها بالاحتفاظ باسمها، لترمي ارتباطاتها العاطفيّة بالآخرـ الأهل والآخرـ الحبيب- أو ما ظنّته حبيباً- للوهلة الأولى، لتلحق بركب حبيبٍ حقيقيٍّ فضّل التضحية بنفسه من أجلها، يقوده حبٌ سامٍ مجرّد من الشهوات الجسديّة والمادّيّة فيتوّج نفسه حبيباً خالداً على عرش قلبها، وبطلاً منتظَراً، ينتشلها من هوّة ضياعها وعدميّتها وشيئيّتها، لينزع عنها برقع الظاهر وأسر العادات، فتدخل في مخاض الولادة: ولادة خميلة جديدة من رحم المعاناة، ، تطلع علينا من الرماد ونار أسرها المطهّرة، طائر فينيق أكثر وعياً بالأنا والآخر بعد زوال غشاوة الرؤيا، فتتخلّص من هوّة العدميّة، وتحلّق نحو واقعٍ أكثر وضوحاً وصدقاً ونقاءً ورضىً وطمأنينة.

الأسر المحرّر

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ حقوق الأسير مهدورة على مرّ الزمان، يفقد الأسير في أسره حقّه في الحياة الكريمة والتفكير السليم، وحقّه في الراحة وحقوقه الأساسيّة ويصبح أداة مطواعة بيد العنف الإنسانيّ، فيُستباح تعذيبه ومحو شخصيّته وبناء شخصيّة أخرى بديلة. ولقد تفنّن الإنسان وللأسف في هدر حقوق الأسير وتعذيبه، تبعاً لفنون مكتسبة من عهود القمع الدينيّ لتدخل أدوات جديدة في التعذيب تظهر طبع الإنسان الغاشم الذي يتجاوز وحشيّة الوحوش في الطبيعة. ولا نبالغ إذا قلنا أنّ هذه الرواية تلبس لبوس الإنسان في كلّ مكان وزمان، وإن بدت رواية قديمة ذات نفحة أسطوريّة شكسبيريّة، إذ تكشف عورة الشرّ الكامن في النفس كما في قول جبران: (على البسيط)

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا    والشرّ في الناس لا يفنى وإن قُبروا

ولقد أتقن الإنسان على مرّ الزمان تمثيل دور الشرّير تحت مسمّيات عديدة، لا يفتأ يستحدث فيها بلا كلل ويضع فيها الفتاوى ويؤسّس القوانين التي تجيزها وتتبناها. ثمّ تفنّن في غسل الدماغ عندما اكتشف العلم الحديث قدرة الخوف على مسح الذاكرة وهي أهمّ صفة إنسانيّة، وعليها يرتكز مفهوم الإيذاء الذي يتعرّض له الأسير، ذلك حين تعرّض أحد مختبرات القرود لطوفان علت به المياه حتّى كاد الجميع يغرق، والمفاجئ في الأمر أنّه قد نسيت جميع التدريبات التي أتقنتها سابقاً والتي كانت تشكّل جزءاً مهمّاً من محتوى ذاكرتها. وبهذا الاكتشاف الخطير عظمت قدرة الآسر على استحواذ الأسير لينقلب في انتماءاته وبخاصّة السياسيّ منها ويصبح عجينة مطواعة بين يديه. ولعلّ الأنثى وهي الحلقة الأضعف قد ركّز عليها الكاتب باعتبارها موضع شهوة، يضاف إلى ضعفها الجسديّ مقارنة بالرجل. والملفت أنّ السجن كان بقيادة إناث يعملن لصالح المتقّي، فالمرأة عدوّة لدود لقرينتها، ولن يؤمّن حتّى للمخصيّ بإدارة سجن الأسر. فكانت البطلة غنيمة حرب بيد عجوز تملي الأوامر في المعتقل، تعاونها أخرى في تطويق الخناق لتحضير الأسيرات في رحلة تطهير غريبة قبل أن يصبحن طاهرات وجاهزات ليصبحن مضخّات الشهوة، وكان رهط من المخصيّين يحرسون التخوم ليكونوا حاشية في معسكر قد تتكرّر ظروفه في كلّ آن ومكان. ولقد تعرّضت البطلة مع رفيقاتها إلى حفلة غسلٍ ممنهج جسديّ وروحيّ ارتكز على النقاط التالية:

– غمر السجينات بشعور خطرٍ وشيك لا مجال لردّه.

– تأصيل الخوف بعروض مسرحيّة حيّة لعمليات عنف من قتل وتعذيب لسجينات كما في العروض الرومانيّة القديمة، فيها يتماهى السجين مع المعنّف ويكاد يتلقّى عنه الطعن ويدفن وهو حيّ يرزق في حفر تعكس مشاهد نزيفٍ غرائزيّ رهيب.

– دعم عمليّة التعذيب بحرمان من الطعام والتعبير والتواصل: إنّها حفلة حجز أقصى للحرّيات بجميع أنواعها ولن نقول حقّ تقرير المصير أيضاً.

مع هذه الحفلة المنظّفة للذاكرة، تخلو الساحة ويجهز الدماغ ولن يكون هناك من صعوبة في رسم إنسانٍ جديدٍ بقيمٍ جديدة وعقيدةٍ جديدة وشخصيّة تنسى القديم وتعتبره أثراً بعد عين. وسرعان ما يتبنّى الأسير أفكاراً ملقّنة لتصبح منهجاً جديداً يمحو ما عداه من المناهج.

لقد تعرّضت خميلة وهي في الأسر لسلسلة من عروض وحشيّة هزّت مفهوم الأمان لديها، قبل أن تصبح “على رأس الغنائم النظيفة”(ص١٥١). ضمن هذه الأجواء تعلو نبرات العنف على كلّ ما عداها بعدما تيقّنت أنّها غنيمة تقاد إلى المسلخ وحان موعد ذبحها وهدر عذريّتها (ص١٥٥)، حينها استحقّ مفهوم التغيير الذي قلبها رأساً على عقب، فاضطرّت إلى اتخاذ قراراتها بنسف اللامعنى وتحديد موقفها الجازم بعدما رسمت لها أحلامها صورة خلاصها في تردّد بنائيّ رهيب عكس القلق وعزّز لديها قدرتها على اتخاذ الموقف المناسب بقلب الطاولة على خميلة القديمة حينما وجدت في لولو باندفاعه نحوها وحبّه الصادق ما ساعدها على اتخاذ قرارات مصيريّة، (ص١٥٥) فوُلد الحلم: وهو الحلم بالحرّيّة.

انهيار الرموز القديمة وجمال التحرّر

عندما انسحبت خميلة من توّرطها الزمنيّ، تحت وطأة أسرها القاهر، خفت صوت العادة المتأصّل فيها، ونما حسّ استكشاف الحقيقة، ليبعثر الأضواء المحيطة بالروح، ويمنع جلبتها من التمتّع بالجمال الحقيقيّ، وبذلك يُهدّ الجدار الوهميّ المانع دون تذوّق الجمال والتمتّع به. فكان الأسر المفاجئ الذي تعرّضت له هذه الشخصيّة الأساسيّة في الرواية، مع ما رافقه من وحدةٍ نمّت لديها حسّ التأمّل، وتوسيع الافتراضات، هو جرس الإنذار الذي هيّأ لأن تنتشل روحها، التوّاقة للجمال من تورّطها الزمنيّ، فتعكف على هندسة الموجودات والشخصيّات والمفاهيم هندسةً جماليّة جديدة، وتعيد تقييم أوليّاتها، وتكشف عورات انجذابها الواهم لخطيبها، بعد أن تكشّفت برودته ولامبالاته تجاهها، وافتقدت اليد الحانية وقت الضيق، فيسقط حبيباً.

كما وأنّها كشفت سذاجة التعلّق المثاليّ الأبويّ، بعد أن لمست حقيقة جشع أبيها واستغلاله المادّيّ في ليل الحرب الداهم لمدينته، كذلك تكشّفت برودة أمّها بانهمامها بذاتها وبعدها عن الإمساك بأولى مهام الأمّ بالعناية والاحتضان والتضحية. ولعلّ سلسلة الانكسارات التي تعرّضت لها هذه الشخصيّات أمام ناظري خميلة قد ساعد في انمحاء وهم مثاليتها ، فانهارت بين ليلة وضحاها، وتخدّشت تماثيلهم البرّاقة. وانهارت معها قيم قديمة تشرّبتها عن غير وعيٍ، ومنها أوّليات دفاعاتها الدينيّة، حين استطاعت وتحت وطأة غسيل دماغٍ أجبرت عليه مراسيم تعذيبها في الأسر، أن تمحو قداسة عقيدتها القديمة، فتقتلعها من جذورها، لتزرع مكانها بذورا طقسيّة جديدة، فلم تتردّد في التخلّي عن دين قديم موروث، وتتبنّى قيماً جديدة وقناعات دينيّة مستحدثة لتلتصق بنفسها عن وعيٍ لا عن وراثة إجباريّة، فكان اختيارها الدينيّ الجديد تعبيراً عن الحرّيّة في اتخاذ القرار، الحرّيّة في تغيير مفاهيم أثبتت الأيّام هشاشتها، كما طالت أيضاً مفهومها للجمال وقد لهثت سابقاً في السعي وراءه، حتّى بين أنقاض القبح، لتتحوّل إلى الجمال الحقيقيّ الذي آمن به الوجوديّون، وهو جمال الحرّيّة: الحرّيّة في اتخاذ القرار، والحرّيّة في تبنّي الآراء التي تراها مناسبة، والأهمّ من ذلك، أن تجد ما افتقدته دوماً وهو أن تملك الحلم: إنّه الحلم في التحرّر من السبي الذي نالته على يد الخصيّ “لولو” بعد أن ثبت حبّه ووفاؤه، في سلسلة من الانتكاسات الواهمة، برع الكاتب في شدّ القارئ إليها في الفصل الأخير من الرواية، فكانت سلسلة من أحلام أسهمت في تقييم الأخطاء ورسم الهدف ولادة الحلم بالخلاص من أعماق المأساة. وهكذا ولدت “نعناعة” الجديدة من أعماق خميلة القديمة، لتظلّ متشبّثة بأطلال القديم عبر تطبيق الحرّيّة في الاحتفاظ باسمها الحقيقيّ الذي أصرّت على الإبقاء عليه وسط سقوطٍ مدوٍّ لدعائم أساسيّة في شخصيّتها كفردٍ، يصعب التخلّي عنها عادةً: من ارتباط أسريّ وارتباط عاطفيّ وارتباط دينيّ، وارتباط فلسفيّ وقيميّ. لقد افادت البطلة من ظروف المأساة لتكتشف الحقيقة وتحقّق ذاتها حين استطاعت أن تتبيّن الواقع بضوح، فتتعرّف إلى حقيقة الجمال الكامن في الحرّيّة المطلقة التي آمن بها الوجوديّون، الحريّة في الاختيار فيتولّد حينها الحلم وهو الضوء الذي يطمح إليه الإنسان في رحلة البحث عن المعنى، أو الهدف من هذا الوجود، حين يبصر الحقائق متجرّدة من لباس الظاهر بما بنته العادة التي تستعبده وتكبّل روحه وتمنعه من الانطلاق نحو الحقيقة السامية. وهكذا حينما  بصرت ضوءاً في سرداب أسرها، وصلت إلى نهاية الطريق، فكان الحلم الذي صحت منه مرّتين قبل أن تتأكّد من رغبها فيه ليكون النقطة التي وضعت حدّاً لفوضى الأسر وعنف إيقاعه، وغيّر مسار تفكيرها وحرّرها من سطوة الموروث، قبل أن تنتشلها يد حبيب لم يدوّخها بعطر الغزل المشبوه، بل ليخلّصها من أسرها المزدوج الجسديّ والمعنويّ، ويحقّق رغبتها الدفينة في الحرّيّة التي ثبت لديها أنّها أثمن ما يُمكن امتلاكه، بعدما قدّم الدليل الساطع لحبّه بقوّة إخلاصه واندفاعه لتخليصها، فكان الحضن الدافئ واليد المنقذة، والحلم الذي طال انتظاره، فتخلّصت معه من أسر التفاهة (ص١١٢) التي كانت تتخبط فيه.

فنّيّة الرواية:

ظهرت هذه الفنّيّة في قدرة الكاتب على تجميع خطوط شخصيّات الرواية المنهمرة علينا كالمطر مع تقليبنا الصفحات، وإن بدت خميلة هي الشخصيّة الأساسيّة، التي ركّز الكاتب الأضواء عليها، والتي بدت لنا شخصيّة وجوديّة تحلّل الآخر المحيط بها، وتكتشف نفسها من خلاله، أو بالحريّ تبحث عن معنى لوجودها. لم يتردّد “تاج السر” في إمطارنا بسلسلة من الشخصيّات التي تفاجئنا في كلّ صفحة من قصّته، وتكون ج§زءاً أساسيّاً في تكوين شخصيّة خميلة التي تشرّبتها بعد تحليل طبعها العلائقيّ بها، لتسهم في إعلاء مداميك مفاهيميّة جديدة. هذه الشخصيّات قد تبدو لأوّل وهلة دخيلة على السرد القصصيّ، إلّا أنّها سرعان ما تصبح ضمن نسيجه الأساسيّ وجزءاً مهمّا لنواته المؤسّسة للمستقبل، والحاضنة لرؤىً جديدة. لذلك فإنّ هذه الشخصيّات قد صعّدت بخبرة القاصّ البينية القصصيّة، وأسهمت في توسيع قاعدة البناء الروائيّ المتعاظم مع تقلّبات الصفحات فيها، لتعكس السرعة المتزايدة في حركيّة المشهد الروائيّ. فتتجمّع الخيوط لتظهر ولادة خميلة جديدة حرّة في انتمائها وفي معتقداتها وفي تعاطفها مع الآخر الذي اختارته من بعد تجربة أسر قاسية، تبينّت من خلالها الصورة الحقيقيّة التي بنت على أساسها وقع خطواتها المستقبليّة، وهي في ذلك لم ترفض كلّ القديم بل احتفظت بالشكل المتمثّل باسمها فقط: خميلة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّه في بنية الرواية التصاعديّة وباستعانة الكاتب بمجموعة لا يستهان بها من الشخصيّات التي تبدّلت أسماؤها، بعد أن ظهرت من أنقاض القديم لتقوم بأدوار جديدة فقد ساعد ذلك في تسليط الأضواء على الحقيقة التي تبدو مختبئة تحت وريقات الظاهر الخفيفة، وكأنّنا بانتظارها لتحريك الأحداث وإعادة تشكّل، تمهيداً لفكّ أسر البطلة بعدما وقعت في قاع لا قرار من غبش الرؤيا والعتمة والضياع. فكلّ شخصيّة جديدة أتت لتسهم في إنارة الموقف القاتم، وإضاءة مشعلٍ جديد يوسّع دائرة الرؤيا فتخرج خميلة من نفق اللامعنى القاتل.

ولقد تميّزت الانطلاقة الروائيّة ببرودة ظاهرة، عاكسةً فشل البطلة في تسجيل ذبذبات حاسمة، على الأصعدة جميعها: الفرديّ والعاطفيّ والأسريّ والقيميّ، فلا غرابة أن نتعاطف معها في ضياعها وبحثها عن تسطير وجودها المشتّت ولملمة فتاته، ونضيع معها في الفصلين الأوّل والثاني، بعدما تسرّب إلينا شيءٌ من برودة العاطفة في علاقتها مع المحيط والذات، وتململها، ثمّ بدأ هذا الملل بالتضاؤل مع تعقّد الحبكة الروائيّة ، بحدثها الأساسيّ المتمثّل بعنصر مبدّل مفاجئ وهو اندلاع حرب غريبة، ووقوع خميلة في أسر قوىً غاشمة، قد تطال الفرد للآسففي أيّ زمانٍ ومكان. هذه القوى حاولت بعنف ممنهج محو وجودها الأصيل- الذي لا يلقى أصلاً إعجاب صاحبته-  فينجح الكاتب في شدّ عقال البناء السرديّ الذي انهمر فيه الوصف العاصف، مع انهمار الشخصيّات الثانويّة الفاعلة في توسيع الرؤيا وتمزيق الحجب، في رحلة البحث الخفيّة نحو المعنى.

ظهور هذه العقد أسهم في تحديد مشاكل وجوديّة تتخبّط بها خميلة من غير أن تجد حلّاً لها، وما كانت تفتقده من دروس في عالم الواقع وجدته حين وقعت في أسر الوحدة المخيفة، والخوف من المجهول. ومثلما تتكوّن الأشياء العظيمة في الوحدة، وأمام خوفها من أن تتحوّل من حرّة إلى عبدة لاحد أمراء الحرب السفّاحين، تحقّقت الرؤيا وفازت بما أرادت: وهو أن يتكشّف حلمٌ لم تستطع أن تجده في حياتها وهي حرّة.

وهكذا يقع القارئ في أسر الكاتب تاج السرّ لحظة وقوع خميلة في أسرها، ولن ينجح في التفلّت منه مع انشداد قبضة المشاهد السرديّة المتعاقبة والمشوّقة، باحثاً فيها عن خشبة الخلاص لخميلة وله أيضاً فكأنّه سجين معها، يتخبّط في مشاهد العنف، قبل أن يضعنا الكاتب في أرجوحة مخيفة تشبه الأفعوانيّة الرهيبة حين اشتداد سرعتها: فيلهو بنا ونكاد نستعطفه حال نعناعة، ولكنّه يسخر بنا ليهيّئنا لحال ولادة خميلة جديدة من أنقاض قديمة غير راضية عن وجودها القلق، على أنقاض شبحيّة ضائعة: فهو تارةً يضعنا ضمن سياقٍ سرديّ وتارة ضمن سياقٍ وصفيٍّ مبهج ، ونكاد نصدّق معهما أنّها وصلت برحلتها نحو النهاية السعيدة المتوخّاة، وتارةً يردّنا معها إلى برودة الواقع وعنفه. وهنا تتجلّى مهارة تاج السرّ: فالولادة الجديدة لن تكون سهلة، والتخلّص من أسر اللامعنى لن يكون ميسّراً ومتاحاً، بل إنّه لن يتحقّق إلّا بعد مخاضٍ عسير يؤكّد حقيقة الرغبة في التحرّر الصادقة، وإن اعتقدنا بعد كلّ طلقة أنّ لحظة الولادة قد دنت، ولكن هيهات، فهو يستنزفنا في سبكه الروائيّ وأرجوحته التي ترمينا بين حلم الخلاص وجحيم الواقع.

وإذا كان لكلّ كتاب أفق دينيّ وميثولوجيّ تنضح به حضارة العصر، فقد تشرّبت أزهار “تاج السر” التي تأكلها النار بتلوينه النصّ الروائيّ باللامتوقّع، حضارة الفلسفة الوجوديّة الحديثة ممتزجة بأفق دينيّ طقسيّ إسلاميّ شكسبيريْ، ما زال سائداً بصورة أو بأخرى في العالم العربيّ ويلوّن عصرنا، وإن أتى مشوّهاً، ويلقى آذاناً صاغية طالما أنّه يدغدغ حفيظة دينيّة. وإذا كان على الكاتب الروائيّ الحقّ أن يعيد في كلّ عملٍ روائيّ له اختراع فنٍّ روائيّ جديدٍ، فقد برع كاتبنا في تسطير خطٍّ روائيّ جديد في الرواية العربيّة المعاصرة أكمل فيه طريق نجيب محفوظ من غير أن يكون مقلّداً، لتكون له بصمةٌ فنّيّةٌ خاصّةٌ  به تبحث عن حضور إنسانيّ بسيط، خالٍ من التشبّث الأعمى بسذاجة العادات والتقاليد ومفاهيم الجمال، والعاطفة المكبّلة، حضورٍ هاجسُه حبُّ الحرّيّة في صياغة حلم جديد لواقع أكثر وعياً وثباتاً من غير خوفٍ أو وجل، بعيداً من العواطف المقيِّدة والرؤى الجاهزة، لصياغة مستقبلٍ فاعلٍ قبل أن تدهسَه حضاراتٌ أخرى بحواضرِها المتمدّنة وفنونِها المدهشة وعلومِها المتقدّمة. فهل الحياة كذبة كبيرة أم كابوس رهيب نحاول عبثاً أن نستيقظ منه وفق المفهوم الوجوديّ؟ ومتى تأكل النار أوهاماً ورثناها من غير قناعة، فنرى الحقائق بتجرّدٍ، ونتبيّن الطريق بوضوح، ونحدّد انتماءنا بوعيٍ، فتحرّر من أسر التفاهة، ونحقق وجودنا الذي نطمح إليه؟؟

                                            ( طرابلس في ٢ حزيران ٢٠١٨)

اترك رد