الثقافة والمثقّفون العرب في الانتفاضات العربيّة

 

أعادت الانتفاضات العربيّة النقاش وبقوّة حول دَور المثقّف في التغيير وإسهامه في التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة. ودَفعت النقاشاتُ بالأمورِ صعوداً نحو تعيين دَور المثقّف، مستعيدةً مفاهيمَ تنتمي إلى مرحلة من الصعود القوميّ والاجتماعيّ، وخصوصاً في مراحل صعود الفكر الاشتراكيّ، حيث كان يُنسب إلى المثقّف “دَورٌ رسوليٌّ” في قيادة المجتمع والأمّة، أو في إطلاق صفة “المثقّف العضويّ” المُلتصِق دوماً بقضايا الشعب والجماهير والمعبِّر عن مصالحها وهواجسها.

التحوّلات الفكريّة التي شهدها العالَم على مدى العقود الماضية، وخصوصاً ما أنتجته الثورة التكنولوجيّة على الصعيد المَعرفي، كلّها عوامل قلَّصت من تلك المفاهيم حول المثقّف ودَوره، ولاسيّما بعد انهيار المُعسكر الاشتراكي ومُراجَعة مقولاته الفكريّة والإيديولوجيّة، بما فيها تلك المتعلّقة بالثقافة والمثقّفين.

في مُواجَهة المُطالَبة باستعادة المثقّف لدَوره الرسوليّ، عَلَت أصواتٌ تشدِّد على فهْمٍ للمثقّف ينفي عنه أن يكون مُرشداً سياسيّاً واجتماعيّاً، وأن يكون للثقافة والمثقّفين عالَمهم الخاصّ، بحجّة أنّه ليس من الضرورة أن يكونوا مُناضلين حزبيّين أو مُنخرطين في مَيادين المُشكلات الشعبيّة أو حتّى الوطنيّة والقوميّة. فإذا كانت هذه النظرة لا تخلو من وجاهة، وإذا كان من المستحيل العودة إلى منطق المثقّف – المُناضل، إلّا أنّ المسؤوليّة، في حدودٍ ما، تُطاول المثقّفين، سواء في موقعهم ضمن المجتمع أم في تعبيراتهم عن قضاياه. ولعلّ الانتفاضات العربيّة التي انطلقت منذ سنوات سلّطت الضوء على واقع الثقافة العربيّة بتيّاراتها المتعدّدة وعلى الدَّور الذي يُمكن للمثقّف القيام به، بعيداً عن الرسوليّة وعن الانكفاء في آن.

ليس من المُبالغة القول إنّ اندلاع الانتفاضات العربيّة، وبصرف النَّظر عن المسار الذي اتّخذته لاحقاً، شكَّل العنصرَ المفجِّر لبنى المجتمعات العربيّة على المستويات المُختلفة، ومناسبةً لكي تُخرِج هذه المجتمعات كلّ ما في جوفها من “موبقات”، ومنها ما يتّصل بالثقافة والمثقّفين. في هذا المجال يُمكن قراءة التيّارات الفكريّة والثقافيّة التي طاولتها الانتفاضات وموقع المثقّفين في كلّ تيّار؛ والمقصود بذلك التيّارات الإسلاميّة، والقوميّة العربيّة، والاشتراكيّة.

ليست التيّارات الإسلاميّة مستجدّة على المجتمعات العربيّة، بل هي متجذّرة فيها أكثر من أيّ فكر أو تيّار آخر. صحيح أنّ التيّار الإسلاميّ ليس واحداً، بل يتوزَّع على تيّارات متعدّدة ومُتناقِضة، إلّا أنّ ما يوحِّدها يقع في خانة الهدف الأساس وهو الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينيّة وتطبيق الشريعة الإسلاميّة فيها. وعند اندلاع الانتفاضات، وجدت التيّارات الإسلاميّة فرصتها الثمينة لتحقيق هذا الهدف، فتبنَّتها ورفعت شعارات بعيدة عن أهدافها الأصليّة في الخلافة واحتكار السلطة. فمناخ الانتفاضات حين بدأت لم يكُن يتّخذ لنفسه طابعاً دينيّاً، بل على العكس كان مطلب الدولة الديمقراطيّة والدولة المدنيّة هُما العُنصرَين الطاغيَين، والشعارَين المُردَّدَين على ألسنة الجماهير. انطلقت أصواتُ قياداتٍ من هذه التيّارات تُعلن التزامها إقامة الدولة المدنيّة، وخصوصاً على ألسنة قيادات من الإخوان المُسلمين الذين يُعتبرون أباء التيّارات الإسلاميّة. لكن، ما إن توطَّدت مَواقع بعض هذه التيّارات، ولاحَ لبعضها إمكان استلام السلطة، بل إنّ بعضها تبوّأها، حتّى تكشَّف الحقيقيّ في خطاب هذه التيّارات ومثقّفيها، أي احتكار السلطة واعتبار الديمقراطيّة وسيلة للحصول عليها، ولتحقيق الأهداف الأصليّة في إقامة دولة دينيّة.

التيّار الثاني هو مجمل التيّارات القوميّة العربيّة، التي يتّسم موقفها بالارتباك والضياع في فَهْم الأسباب التي أدَّت إلى الانتفاضات، ولماذا سلكت الطريق الذي منعها من تحقيق أهدافها في الديمقراطيّة والدولة المدنيّة. غلب على هذه التيّارات اعتماد منطق الأنظمة العربيّة التي رأت في الانتفاضات مؤامرة أميركيّة إسرائليّة هدفها تفتيت المنطقة العربيّة. أساءت هذه التيّارات ومثقّفوها إلى الانتفاضات، عندما غاب عنهم أنّها لم تكُن نتيجة مؤامرة خارجيّة، بل تعبيراً عن انفجارٍ ناجمٍ عن احتقانٍ عميق سبّبته أنظمة الاستبداد العربيّ، والديكتاتوريّة المسلَّطة على رِقاب الشعوب. واذا كانت حجّتهم، ومعهم رهط طويل من المثقّفين، أنّ الانتفاضات تحوَّلت إلى حروب أهليّة ومذهبيّة، وهَيمنت عليها التيّارات الدينيّة، فلأنّهم لم يفقهوا أنّ هذه الانتفاضات وقعت في داخل بنى اجتماعيّة مخلَّعة، طائفيّة وعشائريّة، لم يتحقَّق اندماجها الاجتماعي على أساس مَصالح المجموعات، بل بفعل تسليط أكثريّات أو أقلّيات، مسيَّجة بحُكمٍ استبدادي. فما إن اهتزّ هذا الحُكم حتّى انطلقت هذه الانتفاضات واتَّخذت المَسار الذي اتّخذته، بحيث يُمكن الكلام على الفوضى التي رافقتها، وعلى تدخّلات خارجيّة بعد اندلاعها وليس قبل ذلك. بمعنى أنّ هذه التدخّلات الخارجيّة هي إحدى النتائج وليست السبب المفجِّر للانتفاضات. ما يمكن قوله كذلك إنّ السمة الغالِبة على مثقّفي هذه التيّارات كان الجهل بمكوّنات المجتمعات العربيّة وتناقضاتها. لا يُغفَر لهؤلاء التحاقهم بالأنظمة بحجّة مُكافحة الإرهاب. فالإرهاب هو صنيعة هذه الأنظمة نفسها، عبر طريقة الحُكم قبل الانتفاضات، ثمّ عبر استحضار الإرهابيّين من أجل قمع الانتفاضات وتحويلها إلى حركات إرهابيّة.

يتقاطع مثقّفو التيّارات الاشتراكيّة مع مثقّفي التيّارات القوميّة في نظرتهم إلى الانتفاضات والموقف منها. قبل الانتفاضات كانت الحركة الاشتراكيّة العربيّة ومثقّفوها، وخصوصاً الأحزاب الشيوعيّة، تعيش خارج التاريخ والعصر بعدما افتقدت دعم الاتّحاد السوفياتي وما كان يمليه عليها من إرشادات نظريّة. وبدلاً من أن يشكِّل انهيار المُعسكر الاشتراكي حافزاً لهذه الأحزاب ولمثقّفيها لإعادة قراءة تجربتها وتجديد بَرنامجها السياسي ونقْد المُمارسة السياسيّة والفكريّة والثقافيّة للمرحلة السابقة برمّتها، انكفأ هؤلاء داخل أُطرهم الحزبيّة، وظلّوا أسرى الحقيقة المُطلقة التي يمتلكونها، والتي ألهمتهم إيّاها الماركسيّة اللينينيّة. كان يُمكن لاندلاعِ الانتفاضات أن يكون مُناسبة لهذه المُراجعة والتجديد في الفكر والمُمارسة. لكنّ شيئاً لم يحصل.

المُثير والمؤلِم في موقف هذه الاحزاب ومثقّفيها أنّهم كانوا ضحايا أنظمة الاستبداد العربي، فإذا بمعظمهم يعاود الالتحاق بهذه الأنظمة بحجّة التصدّي للإرهاب التكفيري. تبدو مسؤوليّة هذه التيّارات ومثقّفيها كبيرة جدّاً. فالأصل في قيامها هو التغيير السياسي والاجتماعي لمصلحة الطبقات الشعبيّة، كما أن الأصل فيها أنّها حركات مُعارِضة للأنظمة الديكتاتوريّة. لذا سيظلّ تحوّل هذه الأحزاب وتيّاراتها لتصبح جزءاً من هذه الأنظمة غير واضح وغير مفهوم.

إذا كانت تلك حال التيّارات السياسيّة ومثقّفيها في الانتفاضات، يصبح سؤال: أيّ موقع يجب أن يكون فيه المثقّف العربي في هذه المرحلة الصّاخبة من انفجار المجتمعات العربيّة والفوضى الأهليّة التي تقيم فيها، سؤالاً حيويّاً. ومن البديهي القول إنّه ليس من مَهامّ المثقّف التنطّح لقيادة هذه الانتفاضات، وإن كان من المفيد أن يكون مُنخرطاً فيها. لكنّ مسؤوليّة المثقّف تقع في ميدان وعيه لأسباب قيام الانتفاضات ولتحوّلها إلى حروب أهليّة ساخنة والعوامل التي جعلت التنظيمات الارهابيّة تسيطر على مسارها.

في هذا المجال، يُمكن للمثقّفين، وخصوصاً المُهتمّين منهم بالشؤون السياسيّة والاجتماعيّة، الخوض في فهْم تركيب المجتمعات العربيّة والبنى التي تشكّلها، وكيفيّة قيام الكيانات العربيّة والتناقضات التي تحملها، بل والألغام التي زرعها الاستعمار عندما أسهَم في إنشاء الكيانات العربيّة بعد الحرب العالميّة الأولى. وبإمكانهم كذلك دراسة الأنظمة وتكوّنها ولماذا انحكمت المجتمعات العربيّة بمثل هذه الديكتاتوريّات، ولماذا استعصت الديمقراطيّة فيها؟ فمثل هذه الابحاث تُسهِم في بلْورة بَرنامج سياسي يُمكن للأحزاب والحركات التغييريّة الإفادة منه.

ختاماً، يُمكن القول إنّ الانتفاضات العربيّة دفعت، ولا تزال، ثمن افتقاد المجتمعات العربيّة إلى نهضة فكريّة وثقافيّة، سواء قبل أم بعد اندلاعها. ولَم تعرف مجتمعاتنا حركة تنوير تُسهِم في تعيين الشعارات السياسيّة والفكريّة، على غرار ما عرفته أوروبا في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي الحركة التي ألهمت الثورتَين الأميركيّة والفرنسيّة. بل إنّ ما تعانيه مجتمعاتنا كان ولا يزال مزيداً من الجهل، والانشداد إلى الماضي، ورفض الخروج من قمقمه، والإصرار على تحكيم الأموات بالأحياء.

*****

(*) نشرة افق ، مؤسسة الفكر العربي 9 نيسان / ابريل 2018.

اترك رد