مؤتمر “جبران رسالة لبنان إلى العالم” في بيروت

 عمل عظيم في جانب حاجب للحقيقة في جانب آخر

يتساءل المرء ساعة يحضر مؤتمراً أعده لبنانيون، احتفاءً بمفكر أو كاتب، أو شاعر من لبنان، إذا كان  المؤتمر سيبرأ من العصبيات الدينية والمكانية، وعلامات التبجيل والتفخيم، التي يتقنها اللبنانيون خير اتقان، وربما أكثر من أي شعب في العالم، وهي غالباُ ما تقدم صورة مبتورة، أو غير مكتملة عن المحتفى به، هذا على الرغم من أن”عدة” المؤتمر قد تكون أحياناً ممتازة، من حيث المكان والتجهيز والكتيّبات المطبوعة، وأعداد الحاضرين. هذا يذكرنا بشاعرمشهور قال مرة:” أخشى ما أخشاه ساعة أموت أن يأتي من يثني علي بأكثر مما أستحق، أو يحمّلني من القول ما لا أطيق ولم أقل”، وبقول آخر لكنه ساخر لسعيد تقي الدين: “ساعة أدخل التابوت ويأتي شيخ ليصلي علي، أتمنى وأنا أسمعه يمتدح مآثري، لو أقوم وأقول له: صدقت”!

سردنا هذه المقدمة لأن موضوع هذا المقال مؤتمرعن جبران خليل جبران، عقد الأسبوع الماضي على مدار يومين في الجامعة اللبنانية الأميركية، تحت عنوان “جبران رسالة لبنان إلى العالم”، نظمه مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، بالتعاون مع لجنة جبران الوطنية، و”كرسي جبران للقيم والسلم”، التابع لجامعة ميريلند الأميركية. النتيجة أن المؤتمر حقق نجاحاً من غير شك، لكنه قصر في بلوغ الدرجة العالية من الكمال، بعجزه عن تقديم صورة كلية عن جبران الشاعر والفنان والإنسان بخصائصها السلبية والإيجابية، إذ دار معظم الكلام على جبران “النبي” و جبران “الأسطورة”!

المؤتمر كان الثالث من نوعه، بعد مؤتمرين سابقين عن جبران عقدا في جامعة ميريلند الأميركية،  وكانا بإشراف البروفسور الراحل سهيل بشروئي. الشكر هنا في بيروت على أي حال، يوجه بنوع خاص لصديقنا الشاعر هنري زغيب، إذ لولاه لما رأى هذا المؤتمر النور. يكفي أن نعرف أسماء الذي تحدثوا، والمواضيع التي طرحت لندرك أهميته، من البروفسور فيليب سالم، والشاعرة مي الريحاني، مديرة “كرسي جبران للقيم والسلم” في جامعة ميرليند، والبروفسور طانيوس شاهين، من جامعة الروح  القدس، الذي رأى في  جبران رسالة يتلاقى فيها الشرق والغرب، والبرفسور روجر ألن، من جامعة بنسلفيانا الأميركية، الذي قدم مطالع من القصة القصيرة في الأدب العربي، متخذا من قصة “مرتا البانية” لجبران نموذجاً، والقسيس بول غوردن تشاندلر، من ولاية شيكاغو، وكانت كلمته عن جبران هداية روحية لزماننا، والكاتب الدكتور ألكسندر نجار، الذي قدم قراءة جديدة حول كتاب “رمل وزبد” ،

والكاتب سجعان قزي، الذي رسم صورة رومانسية عن جبران، والبروفسور وائل حسن من جامعة “إيلينوي” الأميركية، الذي حدثنا عن جبران في البرازيل، والبروفسور أهيف سّنو، من جامعة القديس يوسف، وكانت كلمته عن الموزون في شعر جبران، ومستوياته اللغوية، والدكتور نضال الأميوني دكاش، من الجامعة اللبنانية الأميركية، الذي تحدث عن حضور جبران في التيارات الأدبية المعاصرة، والدكتورة وفاء بري، من الجامعة اللبنانية، وكانت كلمتها عن “جبران اليوم: قراءة سيمائية”، والباحثة تانيا سامنس، من متحف “تلفير” في ولاية جورجيا الأميركية، وكان موضوعها “جبران وماري هاسكل ملحمة أدبية” ، والباحث غلن كُلِم من استراليا، الذي عرض مقاطع من فيلمه الموسوم “جبران في التيارات الأدبية المعاصرة”، والباحث الإيطالي فرنشيسكو مديتشي، الذي اقتفى أثر جبران خطوة خطوة، وقدم صوراً ومعلومات جديدة وغير معروفة عن جبران، منذ وصوله مع عائلته إلى الولايات المتحد،ة وهو في الحادية عشرة، إلى يوم رحيله في العام 1931، من دون أن ننسى الحرفية الفائقة لدى من ترأسوا  جلسات المناقشات: البروفسورة زهيدة درويش جبور، الأمينة العامة للجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو، والدكتورة غيتا حوراني، مديرة مركز دراسات الانتشار اللبناني التابع لجامعة سيدة اللويزة، والدكتور لطيف زيتوني، من الجامعة اللبنانية الأميركية، والأستاذ شربل فخري، العضو في لجنة جبران الوطنية، إلى جانب مشاركة الدكتور طارق الشدياق، رئيس لجنة جبران الوطنية، والدكتورجوزف جبرا، رئيس الجامعة اللبنانية الأميركية، والشاعر هنري زغيب.

لا يتسع  المقال هنا للبحث في ما طرح من مواضيع أكثرها كان مفيداً وشائقاً، وجديراً بأن يجمع ويطبع، وبعضها إنشاء متكرراً في غير طائل، وجنوحاً غير مسبوق من العاطفة والكلام المعسول عن جبران، يشوه في رأينا الصورة المطبوعة في وجدان الذين قرأوا جبران وأحبوه وتأثروا به، في لبنان ودنيا العرب والعالم، مثل قول الكسندر نجار إن تناول جبران موضوعات روحية، كان تلبية لحاجة فرضتها مدنية نيويورك الجافة في عشرينات القرن الماضي، على نحو بدا فيه جبران مثل تاجر أقمشة، يفصّل الأثواب حسب الفصول الأربعة، لا فنانأ حراً مستقلاً، يكتب ذاته المفعمة بروحانية الشرق وثقافة الغرب، وبإسلوب لا نظير له في العربية والإنكليزية. تهشمت صورة جبران أيضاَ على لسان الكاتب سجعان قزي بقوله إن جبران كان يعتبر المسيح إلها، وأنه، أي جبران، كان يتمنى لو كتب الإنجيل الخامس، وكان التلميذ الثالث عشر للمسيح، وأكمل رسالة “الرسول بولس”! لست أدري من أين جاء الوزير اللبناني الأسبق بهذه الأقوال، علماً أن “يسوع” كان في نظر جبران إنساناً، لا إلهاً، وهذا واضح أشد الوضوح في كتابه “يسوع ابن الإنسان”، ومن يقرأ هذا الكتاب بتريّث، يعرف أن “يسوع” جبران غير “يسوع” الكنائس، وأن “بولس الرسول” أفسد رسالة “نبي الجليل” بما أدخل عليها من تعاليمه. لم يكتف السيد قزي بذلك، بل شدد على “مارونية” جبران و “مسيحية” جبران و”لبنانية” جبران، تماشياً مع سياسة التصنيف التي يبرع فيها بعض اللبنانيون، كلما جاؤوا على ذكر كبير من عندهم، فيطيب لهم أن يصنفوه من شيعتهم، وهي توصيفات فيها من “السياسة والدين” أكثر مما فيها من الواقع، وهي تخالف الصورة الأصيلة عن جبران على كل حال، ورسالته الإنسانية إلى البشر في كل مكان، والمجسدة خير تجسيد في كتاب “النبي” الذي وصفته ماري هاسكل، بأنه أجمل كتاب أُلَف حتى الآن.

ليس من العدل في شيء، لا بل من الإجحاف، أن نركز على الطائفة الدينية لكبير مثل جبران، كان أبعد ما يكون عن تلك العلامات الضيقة التي يحاول “محبوه” من اللبنانيين أن يلصقوها به، علماً أن روحانيته جاءت من مصادر متباينة. هي ليست مسيحية خالصة، وليست مارونية على الإطلاق، وفيها من أدبيات الإسلام والعهد القديم الشيء الكثير، ومن كتب حكم الهند والصين، ومن البهائية الرامية إلى تصالح الأديان، ومن عقيدة التناسخ الواضحة، التي آمن بها جبران، ولمحها في قول “مسيح” الأناجيل “الحق أقول لكم إن حبة الحنطة التي تقع على الأرض إن لم تمت بقيت وحدها، وإن ماتت أتت بثمر كثير”. أستغربت أن يقول سجعان قزي، الكاتب الرصين لغة وأسلوباً، إن جبران كان يرى المسيح “إلهاً” ما قد يحمل علمانياَ، أو ملحداً على  الرد عليه بسؤال من نوع: إذا كان المسيح هو “الإله” حقاً، فلماذا خلق إرهابياً مثل أسامة بن لادن، وسياسيا مخبولاً مثل دونالد ترامب؟! أليس في ذلك كله ما يحمّل “يسوع الناصري” أكثر مما يحتمل، ويلزمه من التبعات فوق ما يطيق؟!

لم يكن جبران “مارونياً” ولا كاثوليكياً، واللبنانيون الذين اعتادوا حرفة “التعليب والتصنيف” وألفوها يهشمون صورة جبران الكونية من حيث لا يدرون، ويبرهنون على أنهم لم يقرأوا جبران كما يجب أن يقرأ. تكفي الدلالة النافية، قول جبران للراهبة في مستشفى القديس فنسنت في نيويورك، ساعة سألته إذا كان كاثوليكياً، فأجابها بنبرة عالية “كلا”، وكانت هذه آخر كلمة لفظها جبران، وهو على سرير الموت! إن الحديث عن جبران “الماروني”، قد يجرنا إلى الحديث عن عمر فاخوري “السني”، وسعيد تي الدين “الدرزي” وما شابه، صفات لا تستقيم في مدارج الإيمان، وتعزز ثقافة الهويات القاتلة، التي كانت ولا تزال، وبالاً على لبنان الذي أراده جبران أن يكون جميلاَ كجمال روحه، وكالجمال الذي لمحه بخياله، وبثه بسخاء في سطوره ورسومه.

ليس من العدل في شيء، أن نقلَل من هوية جبران اللبنانية، لأن لبنان مسقط رأسه، وفيه أوصى بأن يدفن، لكن الذين يغالون في “لبننته” إلى حد لا يطاق يخطئون، لأن جبران كان يعّرف عن نفسه في كثير من المواقف بأنه فنان سوري وأديب سوري. في الفصل الذي عنوانه “خيالات بوسطن” من كتاب ميخائيل نعيمة عن جبران،  يسمي نعيمة المهاجرين “اللبنانيين” الذي استوطنوا حي الصينيين في بوسطن، ومنهم عائلة جبران، بالسوريين، كما أن الوثائق الفريدة والجديدة التي عرضها الباحث الإيطالي فرنشيسكومديتشي في المؤتمر تظهر بوضوح جنسية جبران “السورية” منذ دخوله العالم الجديد عبر بوابة الهجرة في “أليس آيلند”، إلى يوم وفاته في نيويورك. الحقيقة أن جبران كان “سوريا ولبنانياُ” في الوقت نفسه، كأن نقول اليوم عن لبناني ولد في بيروت إنه بيروتي ولبناني ، وآخر ولد في كسروان، إنه كسرواني ولبناني في الوقت نفسه، علماً أن جبران القائل، “لكم لبنانكم ولي لبناني” هو أيضاً جبران الذي تمنى، عندما عضت المجاعة بلاده في أثناء الحرب الكونية الأولى، أن يكون “سنبلة قمح في سهول سوريا”!

نعرف أن ما كان “سوريا” في ذلك الزمن الرومانطيقي غير ما هو “سوري” اليوم، وذلك بعدما لوثت التيارات السياسية الوشائج الحميمة بين الناس، وأوجدت بينهم الضغائن! مهما يكن، فإن جبران الذي ترجمت أعماله إلى أكثر من مئة لغة، لا يحسب على لغة معينة ومذهب معين، وإذا استقامت “اللبننة” على جانب من شخصية جبران كفنان كوني، لا يمكن أن تستقيم على الجوانب الأخرى، لأن جبران فنان أميركي أيضاً، ما يفنّد شعار المؤتمر أنه “رسالة لبنان إلى العالم”. جبران العالمي “صناعة” أميركية أكثر بكثير مما هو “صناعة” لبنانية، وهذا يجعلنا نتساءل: لو لم “يرسل” لبنان جبران إلى العالم، ما كان مصير الطفل الصغير سيكون، وهو يربو في عهدة والد مفلس سكير اسمه خليل جبران، وفي ضيعة مغمورة من جبال لبنان اسمها بشراي؟!

لا نفهم في الحق هذا الدأب المتواصل لدى بعض الناس، على استعادة جبران قسراً من أميركا التي احتضنته وأعطته لغتها وثقافتها، والتي منها انتشر أدبه في العالم الواسع. علينا الاعترف بأن لبنان كان البلد الذي هجّر جبران وأمه وأخاه وشقيقتيه، وكلهم ماتوا في المهجر، وكذلك الاعتراف بأن القدر، لا لبنان، هو الذي قيّض للطفل الصغير السفر إلى أميركا، وهيّأ له دخول مدرسة في بوسطن، والتعرف إلى مجتمع الأدب والفن في نيويورك، ولقاء مشجع للفنون اسمه فرد هولاند داي، وسيدة اميركية تكبره بعشر سنين اسمها ماري هاسكل، لم يكن لجبران في قلبها غير حب صاف كصفاء الفجر، ولا شيء فيه من رغبات النساء. لقد آمنت ماري هاسكل، ملاك جبران الحارس كما وصفها ميخائيل نعيمة، بمواهب الصبي القادم من جبال لبنان، فأرسلته على نفقتها الخاصة إلى باريس لدراسة الفنون، ليعود بعدها إلى نيويورك، ويشتهر فيها كفنان، ثم كأديب في ما بعد، ويتعرف إلى ناشر اسمه ألفرد كنوف.

إذا كان هناك من بلاد لها الفضل الأكبر على جبران، ولها الحق أكثر من غيرها في أن يكون جبران رسالتها إلى العالم فهي أميركا، وإذا كان هناك من أفراد لهم الفضل على جبران “العالمي”، فهم هؤلاء الأميركيون، الذين مهدوا له الطريق ليصبح ذلك الفنان الموهوب الذي عرفه العالم. أما “لبننة” جبران المفرطة، التي يلجأ إليها بعض اللبنانيين، فعاطفة غير سويّة، وفيها من الجحود أكثر مما فيها من الصدق والحقيقة، كما أن”مورنته” بالطريقة التي يلجأ إليها بعض اللبنانيين، تضييق على روح جبران الطليق، المجّنح في فضاء لا تحده الطقوس ولا تأسره المعابد، وهي إساءة ما بعدها إساءة، لجبران وعقيدته القائمة على الحلول الكلي، وإيمانه الراسخ بأن حياة المرء على  الأرض، ليست إلا مرحلة في سلسلة من المراحل، وإيمانه بأن الموت ولادة أخرى، وبأنه والحياة توأمين، وهي في الوقت نفسه أيضاً، دلالة صارخة على أن بعض “الحرصاء” على جبران، هم أضعف من أن يفهموه، ويفهموا رسالته الكونية والإنسانية إلى لبنان والعالم.

****

(*) جريدة النهار 11-1-2018.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: