خليل رامز سركيس… عمق “الكلمة” وبساطة الإعجاز

نَزَلتُ من حاضري إلى وعي الماضي. لا أريد صورًا وذكريات. أنا أبحث عن نبضٍ استقرَّ منذ نصف قرن جسدًا، كان عطشه إلى المعرفة، كمثل العطش إلى الحياة.

خشيت ضياعهُ، تبعثرهُ في فوضى ما نلقاه ونتلقّاه، ولو أغلقنا ألف بابٍ وباب.

لا… لن أنزل. صَعدتُ إلى “أيام السماء” حيث الإنسان هو المحور، كما أراده خليل رامز سركيس، المغادر دنيانا إلى عالم طالما تلمّسه، وكان ما زال يغرس قَدَميه في التراب.

يشير ميشال أسمر في تقديمه، مؤكدًا تَشبّع سركيس بـ”روحيّة الشرق والغرب، معًا، فكره حقٌّ، جَمع التراث اللبناني فأطلعه على بني قومه، تأملات وخواطر وإيحاءات”.

أتوسط الزمان والمكان. الجناحان ليسا عندي لسفرٍ إلى ماضٍ، ولا إلى غدٍ، بل إلى حاضرٍ، جمعت إليه ما بدأته سعيًا إلى انتماءات معرفة الروح، وإلى القلب لملاقاة العقل ولو في منتصف درب.

***

عَرفتُ خليل رامز سركيس أواخر ثمانينات القرن الماضي. كنت أعدّ لاحتفال تكريم بولس سلامة في قاعة محاضرات وزارة التربية (31 كانون الثاني 1970). شارك في تجميل صياغة هذه البادرة، مبتعدًا عن المنبر، مشيدًا، أو مشجعًا إلى الاختيار الصحيح في انتقاء المتكلّمين: نقيب الصحافة رياض طه، الإمام موسى الصدر، الشيخ عبدالله العلايلي، الشاعر فوزي سابا، الدكتور فوزي عطوي، المحامي رشاد سلامة (قرأ قصيدة والده). ومُنحتُ بارقة حضورٍ في تقديمهم.

بعد الاحتفال وصلني كتاب “جعيتا” (محاولة ذات صوتين) هديّة مشتركة من الكبيرين: المؤلف خليل سركيس والناشر ميشال أسمر (الندوة اللبنانيّة).

دخلت “جعيتا” من باب لم أعرفه قبلاً، ولا مرّ في تصوّر يافعٍ، كان يتلهّى في عدّ نجيمات العشايا واجتذاب نور بعضها.

شعرت يومها أنّني تخطيت سنوات عمري، مرّة، مرّتين، لنقل أكثر. كبرت مذ مَسَّت قطرة من هذا النبع السحري المتدفّق في روحي:

“تاريخنا روح نظامنا، حرّيتنا في الجوهريِّ الينبوع. هنيئًا لنا يومَ نصل بالكونيِّ الشُمول، فنغدو على سبيلِ وحدتنا”.

فرض نصُّ “جعيتا” عليَّ مهابة كادت تُسقطُ القلم من يدي:

  • هل يستطيع هذا القلم، يومًا، أن يتطهّر بمثل اشراقات نصّ خليل رامز سركيس؟

“المحاولة ليست ممنوعة على أحد”. قال بولس سلامة، يوم سلّمته نسختي الأولى من كتابي الأوّل “حكايات لها” وتركت نسخة لـ “ساقي متتبّعيه”، من زلال ينابيعه:

صوت الغائب، من لا شيء، أيام السماء، وصيّة في كتاب، أرضنا الجديدة، مصير… وما تبع.

انتظرت رأيه. سريعًا وصل في رسالة مقتضبة من خمسة أسطر، كأنها اليواقيت. بريق أواخرها ولو تهنئة، قرأته توصيّة، ما خالفتها، كتب:

“إذا كانت هذه أولى بواكيرك، فأي حَصاد لنا في غدك!”.

بعد احتفال تكريم بولس سلامة. من اليسار: خليل رامز سركيس، فوزي عطوي، بولس سلامة، رشاد سلامة، فوزي سابا وجوزف أبي ضاهر

***

كرّس خليل رامز سركيس (المتمسّك باسمه الثلاثي) وقته للقراءات والبحوث، ومال إلى الفكر الديني في أبعاده حتّى “الالتزام الإيماني التفاؤلي” (حسب دراسة عن اتجاهه الشخصاني لاميل معلوف)، وجاهر بالطلب منذ كتابه “أيام السماء” (1960):

“أعطنا أعطنا، يا ربّ أن يكون لنا على الأرض بعض أيام السماء”.

… وسعى إلى هذه الأيام حياة وعملاً.

تسامى بإدراكه “أن شرط السموّ هو إخلاء النفس من كلّ ما ليس إياها، بادرة حبٍّ وسماح، لا تحفُّظ معها وما لفيضها نهاية”.

هل هذا الأسلوب الفكري جعله يتخلّى، طوعًا، عن امتياز أقدم جريدة (لسان الحال) أسّسها جدّه سنة (1877)، وما استطاع الجمع بين “مهنة اللحظة”، كما سمّاها، وحرّية الإبحار في العقل الذي ضيّق عليه آفاقه طيلة عمله في الصحافة (من 1942 حتّى 1959)؟

نعم. أجابني من دون تردّد:

“الآني أخذ منّي عمرًا، لا أقول بدّده، بل جعله ينزل إلى عيش الأحداث الزئبقيّة. لا استقرار فيها لرأي نظنّه صوابًا، تخالف الأحداث نظرتنا إليه، تميل به من ضفة إلى ضفّة حسب حاجتها”. “الصحافة كما أخذها والدي عن جدي، ووصلت إليّ، وما استطعت مجاراتها، كادت تحتكر أفكاري حتّى خنقها (…). ابتعدت، ومن حظي أن امتياز “لسان الحال” استقرّ بين يدي كاتب نبيل مثقّف (جبران حايك). حافظ على رصانتها ومصداقيتها، وأكمل بها دربًا قويمًا. كان خيرًا منّي في أمرها”.

سكت برهة، حسبت أنفاسه فيها تحوّلت موج بحرٍ، كاد يأخذني إليه لولا صوته الذي أعادني – كما دائمًا – خافتًا وطريّا، ومبتهلاً ببعض مزموره الثاني (في كتاب توبة).

“لك الحمد، يا ربّ، وإليك الابتهال، حبَّبت إلي الكلمة،  فهمت بالكتاب”.

“إلى مستوى كِتابك ارفعني، يمسحني شيء من قُدسِهِ بعد شيء. وبلّغني من عمقه إلى بساطة الإعجاز فتشبع نفسي، ولا تجوع بعد اليوم”.

*****

(*) ولد خليل رامز سركيس في بيروت (1921). هاجر إلى لندن (1979). غاب في مهجره يوم الأحد 27 أغسطس 2017.

 

 

 

اترك رد