وسام الاستحقاق اللبناني من رتبة كومندور للياس الرحباني

تكريمٌ للبنان الفكر والفن والإبداع

منح رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون الياس الرحباني وسام الاستحقاق اللبناني من رتبة كومندور، وقلدّه إياه وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهوريّة الدكتور بيار رفول خلال احتفال تكريمي له، دعت إليه جامعة الحكمة بشخص رئيسها الخوري خليل شلفون وجمعيّة لقاء العُمرين بشخص رئيسها المونسنيور كميل مبارك، وشارك فيه، إلى الوزير رفّول ممثلًا رئيس الجمهوريّة، النائب غسان مخيبر ممثلًا رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه برّي وراعي أبرشيّة جبيل المارونيّة المطران ميشال عون وشخصيّات سياسية وحزبيّة وفكريّة وثقافيّة وآكاديميّة وفنيّة.

افتتح رئيس الجامعة الخوري شلفون الاحتفال بكلمة جاء فيها:

حقٌّ لمن صنع للناس افراحهم والاعياد ان يعيد اليه الناس، ولو لمرّة، فرحًا هو منه وله، فيصنعون له العيد، اقرارًا بفضل، وتقديرًا لموهبة، وشكرًا على عطاءات.

وحقٌّ لمن ملأ الوطن انغامًا واناشيد واعمالًا فنية رفيعة ان يبادله الوطن فيبادر رئيسه، فخامة العماد، ويمنحه وسامًا يزهو على صدر الفنان ويعكس خلقيّة الرئيس.

الياس الرحباني اسم علم، بل علم هو وعلامة، رفيعة ومترفّعة، ظلّلت اجيالًا على مرّ العقود، وعملت جادة مجتهدة، على انماء الطاقات وصقل المواهب وتعزيز الحس النقدي وتركيز الاتقان ومعنى الالتزام.

الياس الرحباني، نشترك في تكريمه الحين، وهو مكرًّم كل حين لأنه قامة فنية شامخة، وقيمة زاخرة أغنت تراثًا من الفن الأصيل، ملأ تاريخنا الثقافي وترك على جبينه وشمًا يشمخ به الجميع، ملأه الى فوق، كما اجاجين قانا…. خمرة معتقة توزّع على المدعووين الى العرس… ومعه كل أيامنا افراح.

إن المجتمع الذي يكرّم فنّانيه هو مجتمع جدير بالحياة، لأنه واعٍ لدورهم النبيل في إعطائه الحياة المتجددة، الزاهية، الهانئة والمتطلعة الى الجمال… يسمو بها فوق معاثر الحياة ونتوءاتها والمتغيرات.

وان الوطن الذي جاد على العالم بفنانين خالدين على غرار الرحابنة هو عاتٍ على السقوط رغم التصدّع وعلامات الوهن والاضطراب. فالرسالة التي قدمتها سلالة هؤلاء الموهوبين – عاصي ومنصور والياس – وتستمر من خلال الأبناء والاحفاد، حفرت عميقًا في جذع الوطن، وباتت اشبه بغابة ارز، تزداد كلّما شاخت خلودًا وصمودًا، يلجأ اليها المتعَبون فيستريحون من عناء واعباء، ويلاقون في صفائها وجه الله وصفاء الاصفياء.

والفنان حين تشترك في تكريمه الجامعة، فلأن بين دعوتها ودعوته الكثير من النقاط الجامعة… حسبهما انهما للإنسان من مِن اجله ترسّلًا، وبذلا ويبذلان ما بوسعهما من اجل سعادته وكرامته وتثمير وزناته واطلاقه نحو التألق والاشعاع… من اجل هذا الانسان، صورة الله، ومن اجل وطن العطاءات والمواهب، كانت الحكمة الجامعة تنتج المعرفة وتنقلها وتنقدها، وتصنع للوطن والمنطقة كبارًا وقادة رأي وأصحاب مواقف ومواقع، وليس احتفالنا اليوم سوى تعبير عن مشاركة ضرورية وتكاملية بين اهل الجامعة واهل الفن، ونحن وأنتم بناة أصيلون في بناء الحضارة الإنسانية.

فالتحيّة لكبارنا الفنانين، وللكبير الذي اعطى مما أعطاه الرّب، وقد ضاعف الوزنات التي تسلّم، ووزّع الأرباح فرحًا في كل قلب، ورضى على كل محيا، وطمأنينة في كل ضمير… وكان يبقى الى ما شاء الله ضميرًا حيًّا وقوّة دفع مندفعة في مسيرة العطاء التي تنتهي.

فإلى المكرّم الفنّان كل التهاني بوسام يُكلّل عشرات دروع التقدير، والى فخامة الرئيس العماد ميشال عون، مانح الوسام، ومعالي ممثله بيننا كل احترام وامتنان، والى المكرِّمين في لقاء العمرَيْن، ولاسيّما الأخ الكبير المونسنيور كميل مبارك كل التقدير والمحبّة، والى حضوركم المميّز كل آيات الشكر والترحيب.

هنري زغيب

ثمّ ألقى الشاعر هنري زغيب كلمة في المحتفى به، جاء فيها: هذا رجل وُلد تحت برج الخطر. مَن يجرؤ مَن، أن يكون شقيق عاصي ومنصور ولا يوسم بهويتهما؟ أما هو فجرؤ وأخذ من ذلك النهر العظيم، لكنّ له وصمة لا تهدء النهر. مذ عرفته قبل عقود، وهو ينحت في الميلوديا من جيد إلى أجود، حتى أثبت بما لا يقبل الجدل بأن الأغنيّة لها ركن أول هو الميلوديا. يقول البعض إن الأغنيّة تقوم على النص واللحن والصوت. قد يكون الصوت عاديًا وقد تكون الكلمات عاديّة، غير أن الميلوديا هي التي تنقذ العمل الفني من الرتابة، إذا كان اللحن ذا إبداع من طراز الياس الرحبّاني. هذا المبدع، هذا الشقيق، هذا الحبيب ولي معه عمر من الإنتاج، جاء الإعلان، فحولّه أغنيّة. جاء الأغنيّة الشعبيّة، فوسمها بطابعه. جاء الموسيقى الكلاسيكيّة، فأنتج فيها ما يُعتز به. جاء الموجة الأجنبيّة، فأطلق طيورًا وبلابل وحمائم، ما تزال حتّى اليوم تحمل بصمته المخمليّة. من يجؤ مَن غير الياس أن يكون شقيق عاصي ومنصوروتبقى له بصمته الخاصة؟ في مقدمتي لكتابه نافذة القمر، قلت إنه على حزن بعيد، لكنّه لا يُرك بحزنه سامعيه والمتلقين. هو يُعطينا الفرح. والفنّان الفنّان مَن يخفي حزنه في قلبه، هذا هو الياس الرحبّاني وهكذا عرفته، صديقًا وشقيقًا ومحبًا ومخلصًا، وهكذا أعطى لبنان الكثيرطوال عقود كثيرة. نعرف عادة أن الفنّان يتجنب الفشل، يحاول ألا يفشل. الياس الرحبّاني لم ينجُ من الفشل. هذا رجل عرف في حياته فشلًا كبيرًا، إنه فشل ألا يفشل من أي لحن(…).

المونسنيور كميل مبارك

ثمّ ألقى المونسنيور كميل مبارك كلمة جاء فيها:

قلبك أبيض تلج وعاج

كلن عرفوك وحبّوك

شوف الناس فواج فواج

جاي تتقألك مبروك

فأنا سأصف هذه الخصوصيّة للذي أعطانا أعذب الأنغام والذي جعلنا نرى من خلال هذا النغم وهج النور ونشمّ أطيب العطور. هل هناك من يحاكي أُذنك من أنفك وعينيك؟ الياس الرحبّاني هكذا فعل. أنت الفنان الوحيد الذي باستطاعته أن يحرّر الذي حبسته الطبيعة عن أن يراه الإنسان وحده. الياس الرحبّاني أمسكنا لنرى ماذا خبأته لنا الطبيعة. سنقدّم لك درعًا، كُتب عليها: بين العبقريّة والجنون مسافة اسمها الإبداع. الياس الرحبّاني يعيش في الإبداع.

يمكن للمبدع أن ينزعج من هذا الكلام من أن تُركز كلامك على مدح إبداعه وتنسى شخصه. لا. نحن اخترنا لتكريمك، شخصك وقلبك وفكرك وذاتك وليس فنّك فقط، وهذه صفات انتجت الإبداع الذي قدّمته للبنان والعالم. ونحن نقدّم لك الدرع في بدايّة الاحتفال، لأن بعد أن يمنحك الوزير بيار رفوّل الوسام الرئاسي الذي منحك إياه فخامة رئيس الجمهوريّة، لم يعد لدرعنا قيمة.

وألقى الفنان غسّان الرحبّاني كلمة جاء فيها:انت الذي يحركنّي، وأنت أصلًا الذي يحرّك لي يدي. أنت فكّر فيدي تتحرّك. أنت أنظر، فكرّي يتحرّك. ما أنت وميض الفكرة واليد.

اتحادك الكلي مع الخالق جعل منّك خالقًا كليًّا. تشعر به، تجلس إلى جانبه. يُكّلمك تُكّلمه. وتراه، إنه هنا. أنت تراه. وأنت الياس الرحبّاني، علّمتنا أن نرى الخالق، وألا نشعر به فقط. غريبة هي الحياة، التي تجعل من عملاق بهذا الحجم، صديقًا أصيلًا ومتواضعًا، قبل أن يكون أبًا حنونًا.

وُلدت أبيض الفكر والروح. كبرت وكلما زادت مصاعب الحياة زدّت بياضًا، محبّة وشفافيّة. إني أغبطك. إني لأغبطك على بقائك محبًّا أبيض على الرغم من كلّ شيء. يا ليتني أملك بعضًا من هذه الثروة المتأصلّة فيك. ليتني وُلدت قبلك، لكنت ساعدتك في بناء مستقبلك منذ صغرك.

العالم من حولك يهبط وأنت تعلو. أنت يا الياس تعلو وتعلو، كأنك أصبحت الساهر الوحيد على مجموعة بشر ينامون على فراش في غرفة العنايّة الفائقة. هم كثُر. همُ الأكثريّة، ولكنهم في حالة العناية الفائقة. أنت الوحيد الساهر عليها. أنت الوحيد الذي يعرف من هم بحاجة إليه، حتى قبل أن يفّكروا. هم كثر فعلًا ولكن مع مَن نتكّلم؟ أنتكّلم مع الأكثريّة الغائبة، أو مع الساهر عليها؟ فأنت المتحد مع الخالق، أنت تعرف ما نحن بحاجة إليه. نصحت الكثيرين، أضأت درب الكثيرين ولكن!… “روح يا الياس وخلليك بعالمك الحلو… خلليك بعالمك، إن كان بدنا أو ما بدنا طيفك عم ينزل علينا وبغطينا من دون ان نطلب و نعرف، ما انت العطاء اللي ما إلو حدود… يللا يا الياس خلليك بمملكتك. يللا يا الياس خلليك بمملكتك ودعينا تا نسكن عندك، لأنو كل ما كبرت مملكتك ارتاحت الناس عل الأرض. ميشان هيك رح إلك وضل إلك”: إن مملكتك ليست من هذا العالم، أيها المارد المتربع على عرش العطاء، أُحييك.

الياس الرحبّاني

وألقى الأستاذ الياس الرحبّاني كلمة شكر فيها، رئيس الجمهوريّة على الوسام الذي منحه إياه وعلى من يمثله في الاحتفال الوزير بيار رفول وجامعة الحكمة ورئيسها وجمعيّة لقاء العُمرين ورئيسها والمشاركين في حفل تكريمه، وقال: الدخول إلى عالم الله ليس بعيدًا أو صعبًا. لقد دخلت عالم الله حاملًا معي محبّة وغفرانًا. رأيت الناس في غربة وبُعد، هائمين ضائعين ولا أمل في نور الله. لكن الحقيقة، ليست في الأبعاد الكونيّة، إنها في أنفس الناس الضائعين. إن الله في كلّ ما نصنع وما نفّكر ولا ضرورة في البحث عن اللاموجود. إفتحوا أبواب الجنة الموجودة في خلايا العقل, وكلّ ما ابتستم للآخرين، تقتربون من الحقيقة والمحبّة. ففي كلّ حبّة قبح، فرح ينير خبايا العقل الموجودة في العمق النوراني. وكما أن الموسيقى هي نفحة من جنّة الله، أرج من حدائق القمر، هي نبض عودة النفس إلى خالقها، هي الحنين، هي الأعمار كلّها، هي دين الكون الواحد.

بيار رفول

وبعد وصلة غنائيّة للفنانة باسكال صقر والتينور جوني عوّاد، وقبيل تعليقه وسام الأرز من رتبة كوموندور على صدر الأستاذ الياس الرحباني باسم رئيس الجمهوريّة، ألقى الوزير رفول كلمة جاء فيها: هو تكريمٌ للبنان الفكر والفن والإبداع عبر قامة أثمرت إلى العالم ووزعت الألحان والشعر والأغاني. الياس الرحبّاني شقيق العملاقين عاصي ومنصور، أبدع في زمن الكبار ولحنّ فنًا جميلًا، ما زالت أصداؤه تترددّ من حناجر خالدة، عششت في صباحاتنا وتراثنا وذكرياتنا وأوقاتنا الحلوة.

كم يحلو هذا اللقاء، ونحن نجتمع لنضع وردة محبّة وشكرٍ على صدر الفنّان الياس الرحبّاني، أهلًا ومحبين ومسؤولين ولنقول له: لو كان لك فضل واحد في حياتنا، يكفيك أنك ساعدتنا على الحلم والفرح والحبّ.

أيها الملحن الكبير والغزير والجميل. أيها الشاعر الراقص على خدود الكلمة. أيها الملتزم عشق الأرض والوطن والحريّة، يسّرني في هذه المناسبّة، أن أمثّل فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، في حفل تكريمك وأن أقلدك وسام الأرز الوطني من رتبّة كومندور الذي منحك إياه لك، تكريمًا لبصماتك المشرقة فوق وجه الفن الراقي في لبنان ولصفحة عطاءاتك الغزيرة بالإبداع. الأستاذ الياس الرحبّاني، أعطاك الوطن وأعطيته. فهنيئًا للبنان بك ودمت بصحة جيدة عنوان زمن نرجوه لأبنائنا متجذرًا في حضارة لا تنضب.

اترك رد