الشعر نبع الفنون

د. حورية الخمليشي

houria pngيحفل تاريخ الشعر والفن بالعديد من التقاطعات التي تثري الشعر والفن على السواء. ما يعني أن بين الشعر والفن رسالة عشق أبدي. وإذا كان الفن رمز الانفتاح الكوني فالشعر نبع الفنون جميعاً. ولَمْ يحقق أي جنس أدبي ما حققه الشعر الحديث من الانفتاح الكوني على شعريات العالم وعلى المحبة والصداقة والإخاء لشعراء مسكونين بفكرة التجدد.

ففي زمن سادت فيه لغة عنف الخطاب السياسي والديني استضاف الفن لغة الشعر وأنصت إلى صوت القصيدة بكل عشق وإخاء ومحبة لقصيدة تتأسس على المعرفة جاعلة من الإبداع والحرية مطلبها الأساسي. وحل الشعراء ضيوفا على العديد من المسارح وقاعات العرض التشكيلي والمسرحي والسينمائي في مختلف بقاع العالم العربي وغير العربي لخلق حوار مع شعراء العالم وفنانيه من مختلف الأجناس والمعتقدات. والقصيدة في كل ذلك مزهوة من قدرتها على خلق هذا التواصل الإبداعي الجميل.

فقد نشأت علاقة حميمة بين الشعر والفن التشكيلي بصفة خاصة. وسحر جمالية اللوحات الشعرية خير شاهد على عمق العلاقة الوطيدة بينهما، وقد بلغ ذروته الفنية في العصر الحديث إلى جانب ما تتميز به الكتب الشعرية الفنية لأعمال الشعراء من روعة وجمالية تجمع بين فنية الشعر والرسم. أما علاقة الشعر بالموسيقى فنجد أن الموسيقى من أهم لوازم الشعر التي تتكامل من خلال اللغة والصورة التي تميز تجربة الشاعر عن غيره. فلا يكون الشعر شعراً ولا يُنازَع في شعريته إلا إذا توفرت فيه شروط الموسيقى من وزن وقافية وإيقاع كمكوّن موسيقي صوتي. بذلك كانت قضية موسيقى الشعر من أهم القضايا التي أثارت الكثير من الجدل في الشعر العربي عند القدماء والمحدثين الذين اهتموا بالموسيقى الخارجية للقصيدة المتمثلة في الوزن والقافية، بالإضافة إلى الموسيقى الداخلية التي اهتم بها خاصة علم البديع. إلا أنه مع ظهور الحركات التجديدية في الشعر الحديث بسبب الانفتاح على المفاهيم الشعرية الغربية، وظهور التيار الذاتي، أصبحت ذات الشاعر مصدر التجربة الشعرية ومصالحة الشاعر مع ذاته. ومع الشعر الجديد تحولت الأسس الموسيقية في القصيدة بحيث أخضع الشاعر المعاصر الموسيقى الشعرية لتجربة الشاعر بتغير نظام البيت وتعدد القوافي في ارتباطها بالجمل الموسيقية. وهكذا كانت موسيقى الشعر الحر كموسيقى جديدة أحدثت تغيرا في البنية الإيقاعية للقصيدة، والتي بدأت بمفهوم رواد الشعر الحر للقافية الموحدة.

وبذلك نجد العديد من الدراسات الحديثة اهتمت بموسيقى الشعر ككتاب “موسيقى الشعر” لإبراهيم أنيس، و”موسيقى الشعر العربي” لشكري عياد. بينما تحدث محمد مفتاح عن شعر الموسيقى بدل موسيقى الشعر في كتابه “مفاهيم موسعة لنظرية شعرية”، وفيها يوضح بأن الشعر في الدماغ. وأطباء الدماغ وفلاسفته يقرون بأن هناك باحات في الدماغ، منها ما هو خاص باللغة ومنها ما هو خاص بالموسيقى. وعلى أساس الأبحاث العلمية الخالصة والمقايسات التي اشتغل عليها محمد مفتاح اقترح فرضيته الخاصة وهي أن اللغة موسيقى مقرا بأسبقية الموسيقى على اللغة، لأن أثر الموسيقى على الإنسان أكثر وأقدم من أثر الخطاب. لذلك فالشعر موسيقى بكل ما تدل عليه كلمة الموسيقى من معنى. فالموسيقى هي الأساس والمتحكمة في اللغة الشعرية بقوانينها وقواعدها مع مراعاة طبيعة اللغة ومكوناتها موضحا بأن قضية الشعر في عصرنا الراهن هي الإيقاع. فالشعر حينما يخلو من الموسيقى التي يحدثها الإيقاع يفقد صفة الشعرية لما للإيقاع من دور حاسم في التفريق بين ما هو شعري وغير شعري.

أما علاقة الشعر بالمسرح فهي علاقة قديمة تعود إلى الحقبة الإغريقية التي عرفت أول إرهاصات المسرح الشعري، والذي تكونت منه الدراما. وقد أشار أرسطو في كتابه “فن الشعر” إلى العلاقة الوثيقة بين الشعر والمسرح. فالشعر حسب أرسطو فن من فنون المحاكاة كالموسيقى والرسم. وقسم الشعر إلى شعر سردي وشعر درامي، وهذا الأخير قد يكون ملحمياً أو مسرحياً. فالعديد من الدراسات تشير إلى أن المسرح في أصوله كان من أبواب الشعر، وبقي كذلك في كل من إنجلترا وفرنسا. وعرف المسرح الشعري ازدهاراً في النصف الأخير من القرن التاسع عشر خاصة مع إدموند روستان الذي كان شاعراً ومسرحياً، في حين أن الأدب العربي لم يعرف المسرحية الشعرية إلا مع عصر الحداثة بفعل الاحتكاك الحضاري والثقافي مع أوروبا في القرن التاسع عشر. وفي أوائل القرن العشرين بدأت تظهر الملامح الأولى للمسرح العربي بظهور منتجين ومؤلفين ومخرجين لفن المسرح. فقد برع شوقي رائد المسرح الشعري العربي في كتابة مسرحيات شعرية كانت بداية لظهور مسرح عربي إسلامي. وقد نجح أيضاً العديد من المخرجين المسرحيين في زمننا في تحويل النص الشعري والأعمال الشعرية الكبرى إلى مشاهد مسرحية نابضة بالحياة لما تتسم به من جمالية وفنية تليق بجمالية الشعر. وأصبحت العديد من المسرحيات المستلهَمة من الشعر تشد انتباه المشاهد لما تتسم به من إيحائية وشعرية وتجديد.

وهكذا نجد أن المسرح الحديث قد اهتم اهتماماً كبيراً بالتوظيف الفني للكتابة الشعرية، فأخرج الشعر من نمط القراءة التقليدية إلى آفاق جديدة تتيح للمتلقي مجال تأويل وقراءة جديدة تكشف عن جوهر النص الشعري كظاهرة إنسانية كونية مسايرة لتطور الشعر في عصر العولمة وثقافة الصورة. خاصة وأن المسرح من أهم الفنون القادرة على توظيف كل الأشكال الفنية التعبيرية من موسيقى وشعر ورسم ورقص وغير ذلك.

أما سينمائية الشعر فتجربة فنية معاصرة لتقديم الشعر برؤية سينمائية بالضوء بدل الحبر وذلك بتوظيف تقنيات المونتاج السينمائي والسيناريو بأشكاله المختلفة. فالفيلم الشعري الذي يجمع بين الصورة الشعرية والصورة السينمائية إثراء للشعر والسينما. إذ نجد مثلا في الديوان الضوئي لشعر أدونيس أن المخرج قد مزج بين الشعر والتشكيل، وبين شعر أدونيس ورقائمه بحيث تلعب الموسيقى والفضاء والحركة واللون والبياض والسواد مجالاً واسعاً لتأمل وقراءة النص الشعري بالاستعانة بالسينما كصورة مرئية للإفصاح عن عمق تجربة الشاعر، مع الوعي بالاختلاف بين الصورة الشعرية والصورة السينمائية. وهكذا أصبح الشعر في العصر الراهن جامعاً لكل الفنون في تمازجه وتجاوره بين فنون مختلفة سواء كانت رسماً أو نحتاً أو مسرحاً أو رقصاً أو فوتوغرافيا أو سينما. وفي ما يلي نماذج من الأعمال الفنية الراقية المستوحاة من الشعر الحديث.

picture

 فرقة بروزوني تحتفي في فرنسا بشعر محمود درويش بالغناء والرقص والتشكيل والموسيقى. وقد حققت نجاحا كبيرا في كل التراب الفرنسي وكذلك في سويسرا وبلجيكا.

picture 1

فرقة لوك موبون Luc Maubon في عمل فني بفرنسا مستوحى من ديوان محمد بنيس “نحو الأزرق” عرض تتداخل فيه فنون مختلفة الموسيقى والتشكيل والغناء والرقص. كما يتخلّله صوت الشاعر محمد بنيس، بالإضافة إلى مقاطع شعرية مختارة من ترجمة برنار نويل للديوان بصوت الفنانة التشكيلية ماجدة الشرقاوي. عرض: يوليوز 2014.

picture 2

ديوان “مجنون ليلى” لقاسم حداد في عرض مسرحي راقص لفرقة مارسيل خليفة بالبحرين مستوحى من ديوان “مجنون ليلى” لقاسم حداد بمهرجان ربيع الثقافة الثاني بالبحرين. يحضر صوت الشاعر على خلفية موسيقى مارسيل خليفة وغناء أميمة الخليل بمرافقة مارسيل خليفة وبولا كرباكوس. والعرض تجربة جديدة للاحتفاء بالشعر ومعانيه السامية و”الاحتفاء بالحب والجسد” على حد تعبير الفنان مارسيل خليفة. عمل استغرق تحضيره سنة ونصف.

picture3

الثلاثي جبران ثلاثة أشقاء فلسطينيين عازفين سمير ووسام وعدنان رافقوا محمود درويش لأكثر من 13 عاما في أمسياته الشعرية بالعديد من العواصم والأقطار العربية والعالمية. وقد أنجز الثلاثي جبران العديد من الأعمال الفنية المستوحاة من شعر درويش.

pigture4

الغلاف الخارجي للقرص المدمج

صورة الديوان الضوئي لشعر أدونيس للباحث والمخرج فداء الغضبان الذي صدر بعنوان “أدونيس: سياسة الضوء” بالتعاون مع دار الصدى للنشر ومجلة دبي الثقافية، بحيث نشرت المجلة مختارات من العمل الرقمي بواسطة DVD مرفق مع المجلة عام 2011. “القصيدة الضوئية” كما طرحها فداء الغضبان مصطلح جديد يجمع بين الصورة الشعرية والصورة السينمائية للبحث عن جماليات القصيدة بالاعتماد على خاصيات السينما والفيديو آرت Vidéo art للتعبير فنيا عن جماليات الشعر بواسطة الفيديو والكاميرا والسيناريو والتشكيل.

picture 5

حفل موسيقي غنائي في البرلمان الإيطالي تسجل فيه هبة القواس ولأول مرة هذه السابقة حيث غنت بلغة عربية أثارت إعجاب الحضور وقادت الفرقة الموسيقية أمام جمهور من مثقفين وبرلمانيين من 42 دولة. وهبة القواس أول فنانة عملت على إيجاد الأوبرا العربية وقادها نبوغها الفني الموسيقي إلى الأغنية الأوبرالية العربية. غنت هبة القواس للعديد من الشعراء العرب القدماء والمحدثين. واهتمت خاصة بالشعر العربي الحديث والمعاصر، فغنت للسياب وأدونيس وأنسي الحاج ومحمود درويش وهدى النعماني وندى أنسي الحاج وغيرهم. مزجت هدى القواس بين التأليف الموسيقي العالمي والموسيقى الشرقية العربية بحيث أضافت في مؤلفاتها الآلات الموسيقية العربية إلى الأوركسترا السمفونية. فكانت بحق سفيرة للموسيقى والشعر واللغة العربية.

picture 6

مسرحية “السياب يعيش مرتين” وهي مسرحية قطرية مستوحاة من شعر بدر شاكر السياب، من تأليف وإخراج الفنان المسرحي غنام غنام. وقد تم عرضها بالعديد من الأقطار والعواصم العربية. والمسرحية تقدم رؤية تاريخية وفكرية وجمالية لشعر السياب.

picture 7

“جبران: لوحة عمر” إنتاج فني كبير يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص، من فكرة وإخراج جو مكرزل. والعمل يضيء مسيرة جبران خليل جبران شاعرا وفيلسوفا ورساما في 22 لوحة فنية من لوحاته وذلك بعدما تمت ترجمتها إلى لوحات مسرحية ترافقها مقتطفات من نصوصه الشعرية والنثرية حيث تظهر ذاتية جبران وشخصيته المتفردة من خلال ما تقدمه المشاهد من غناء ورقص وحوار بين جبران وماري هاسكل حول الإبداع الفني. وقد عرضت في العديد من الدول العربية وأمريكا وكندا وأستراليا.

picture 8

كتاب فني للكاتبة والشاعرة والرسامة إيتيل عدنان مستوحى من شعر السياب. وهو يدخل ضمن مشروعها الفني الراقي والذي شرعت فيه بإدخال النصوص الشعرية العربية ضمن أعمالها التشكيلية بحيث ضمنت الدفاتر اليابانية المطوية بقصائد الشعراء العرب بتقنية عالية على غرار الكتب الفنية اليابانية من خلال هذا الشكل الممتد من الورق.

picture 9

لوحة مستوحاة من شعر محمد بنيس “ليلة الياقوت”. ترجمة برنار نويل من إنجاز الشاعر والرسام رودريك ماركيز دو سوزا ( Rodrigue Marques de Souza)

picture 10

طرفة بن الوردة النسخة المخطوطة.
نسخة أصلية واحدة بخط الشاعر مكتوبة في 12 كتابا.
وعشرة كتب مخطوطة في دفاتر فنية بأوراق مصنعة يدويا

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: