أعطني عمراًَ

الأديب المصري عبدالسلام هلال

abdulsalam helalاستعدادا لإجازة استجمام طويلة طالما خطط لها منذ فترة.. أنجز سمير عثمان رجل الأعمال الشاب كل إرتباطاته بنجاح خلال مدة وجيزة.. فهو يكره المواقف المعلقة، ويصرعلى تصفيتها أولا بأول.

أنهى موقف مديونياته مع المتعاملين معه.. سواء كان تعاملا تجارياً أو تعاملاً شخصياً .. حتى ميراثه المعلق مع إخوته .. سدد كل ما كان واجب السداد.. رغم أن آجال السداد لم تحن بعد.. وترك قائمة بما عليه وما له لدى كل الناس.. وفي النهاية تمت كل المعاملات التي كانت معلقة مع الجميع..

أرهق جميع من يعملون معه لشهر متواصل.. أرهق أيضاً مادياً وجسدياً رغم شبابه وصحته الجيدة.. وضع نفسه ووضعهم كعادته بسباق مع الزمن .. أحس بسعادة غامرة متمنياً إجازة ممتعة له ولأسرته ..

جلس بهدوء المطمئن يمارس الاسترخاء اللذيذ أمام البحر في الساحل الشمالي.. غرق في أفكاره مستلقياً على رمال الشاطئ .. يستمتع بيوم مشمس جميل بدأه قبل الجميع في الفجر .. ترك الشاليه كله يغط في النوم بمن فيه من أسرته وإبنة أخيه أصر على إصطحابها معهم..

ترك لخياله العنان وعاش أحلى لحظات مع نفسه .. أغمض عينيه وسرح متذكراً أيامه الخوالي .. محاولا تذكر ما هو جميل في حياته فقط .. ولكن هيهات أن تتركنا أفكارنا للجمال..

شعر بغصة غريبة وقوية في نفس الوقت.. وليس لها ما يبررها، فشريط حياته لم يظهر إلا أياما جيدة بحلوها ومرها.. وقد مرت عليه بسلام ونجح في عبور كل مشاكله وصعاب حياته..

نجح أن يبني لنفسه مستقبلا جيداً.. أسرة صغيرة جميلة تنعم بالسعادة في ظله.. ومصنع متوسط للملابس الجاهزة يدر عليه دخلا جعله في رغد من العيش .. حتى وضعه الأسري اعتبره هو من أفضل الرزق الذي حباه الله به .. سواء في محيط أسرته أو حتى قريته الأم أو حتى محيط معارفه جميعاً.. حيث يتمتع بسمعة جيدة وكلمة لها وزنها ومصداقية رائعة بالتعامل مع الجميع ..

حاول تجاهل هذه الغصة وراح يبني لنفسه آمالاً وطموحات جديدة .. كان كأنما يشحذ بطاريته بمحفزات كفاح مختلفة .. رأى أنه وصل لدرجة لابد أن يعيد حساباته من جديد لمواصلة الحياة ذاتها .. يحتاج لفترات راحة أطول من ذلك.. أجهدته السنوات الماضية بكثير من التحديات والمشاكل والصعاب والطموحات والنجاحات ..

غلبته أفكاره فنام لفترة لم يدر كم كانت حتى أفاقته لمسات حانية على كتفيه .. كانت يد إبنته توقظه إتقاءً من البرد أمام البحر.. ابتسم لها وملأ عينيه منها..
بنت السادسة عشرة شابة يافعة يتدفق دم الشباب في وجنتيها.. أشعرته بخوف خفي عليها كأنما هناك من يتربص بها.. دنت منه فاحتضنها في حنو غريب كان قليلا ما يفعله في الآونة الأخيرة.

لم يشعر باللحظة إلا على كلمات إبنة أخيه تغبط إبنته .. تبتسم وهي تصور بكاميرتها مشهد الحب الأبوي الرائع .. فاحتضنها مؤكداً لها كما كان يقول دائما إنها في منزلة إبنته تماماً..

ضحك ثلاثتهم بعمق شديد وراحوا يوثقون مشهد البحر الهائج أمامهم الآن .. والتقط منها الكاميرا وراح يتابعهما وهما تجريان وراء بعضهما في فرح طفولي بريء.

أخذتهم جميعاً جمال الموقف من ملاحظة خلو الشاطئ ووجود صفارات الإنذار والراية السوداء.. وامتنع الجميع عن النزول للماء.. أخذ يصورهم مستمتعين بالجري على الرمال واللعب بالكرة ..

وفي لحظة غريبة جداً طلب من البنتين التصوير في المياه أمام الشاطئ مباشرة.. نزلتا بالمياه في منطقة قريبة من الشاطئ.. برغم كل التحذيرات وبطلب منه رغم حذره.. وكانت المياه لاتكاد تصل إلأى منتصف سيقانهم .. واستمر مزاحهم وتصويره لهم، وما بين ضحات وصور جميلة وفرح على الوجوه وسعادة تملأ صفحة وجهه.. حدث ما لم يكن متوقعاً ..

جاءت موجة قوية جدا ألقت بالبنتين قرب الشاطئ.. وفي عودتها جرفت ابنة أخيه معها.. لم يستغرق الموقف نصف دقيقة.. انتبه لما حدث وألقى الكاميرا وقفز بكل قوة إلى الماء.. سبح مسافة قصيرة قبل أن يصل إلى البنت لانقاذها.. دفع نفسه في الماء بقوة كبيرة مخفضا رأسة داخل الماء..

جاءته موجة ثانية أعنف من الأولى.. ألقت بالبنت على الشاطئ وسحبته في عودتها إلى الداخل.. وظلت الموجة في الرجوع إلى داخل المياه بقوة هائلة وهو يصارعها كسباح ماهر.. خارت قواه من ضربات الموج وأصبح كقطعة من الخشب تطفو وتعلو فوق الماء وتأخذها موجة أخرى إلأى الداخل ..

استغرق الموقف خمس دقائق وكل من بالشاطئ يشاهد ه فقط من دون حراك.. يبعد مع الموج ويصارعه.. يختفي تحت الماء ويظهر بالأعلى..يطفو ويغطس كقارب في مهب الريح.abdel salam 1

ولم يعد يسمع إلا صفارات الإنذار وصراخ أهله الذين تجمعوا على صراخ البنتين .. وأفاق كل من كان على الشاطئ من الصدمة على حقيقة أصبحت مسيطرة عليهم .. تضاءل الأمل في إنقاذه وانتهى كل شيء.. لا نجاة له من الغرق.. وإختفى جسد سميرتماماً .. وعليهم الآن محاولة إخراج جثته من الماء .
والحقيقة أنه لم يكن في إعتباره أن يموت هذه الأيام وبهذه الطريقة.. فليس هناك من يتخيل أن يموت في توقيت محدد ويطريقة معلومة له .. حتى المنتحر قد تتغير طريقة وميعاد موته عما خطط له ..

ولكن ماحدث معه ينبئ بمعرفته أنه سيموت.. وأعتقد أن هذا كلام لا يعقل إطلاقاً.. وتفسير ما حدث أنه قدر الله.. وتأتي الرياح دائماً بما لا تشتهي السفن.

اترك رد