بقلم: محمد سيف (*)
هل ما حصل من انكماش وجمود وشلل في عاصمة الشمال خلال شهر رمضان المبارك، يكفي لدق ناقوس الخطر في وجه القيادات في الدولة وفي
طرابلس خصوصاً؟ سؤال بات من أولويات المدينة بعدما أرخت جولات العنف والاقتتال العبثي التي دارت رحاها في أحياء المدينة، تحديداً في باب التبانة وجبل محسن وفي الأسواق الداخلية، بظلالها على مقومات الحياة، فجاء رمضان حزيناً غابت عنه مظاهر الفرح والزينة.
لم تكن طرابلس، خلال رمضان هذه السنة، تلك التي يعرفها الجميع في كل رمضان: مدينة تعشق الحياة والحركة، وفي نشاط مستمرّ ليلا نهاراً. لقد بدت مدينة خاوية منكوبة، يعشعش الرعب على جنباتها والخوف من المجهول الذي قد يفجر الوضع الأمني فيها في أي لحظة. مدينة يخيم الركود الاقتصادي على أسواقها وخاناتها وتغيب الحركة والنشاطات الفكرية والدينية والترفيهية عن مساجدها ومسارحها ومقاهيها.
الحسرة والآهات على وجوه وشفاه الجميع الذين يعرفون القدرات والطاقات التي تبذل سنوياً في يوميات رمضان طرابلس، المدينة التي وصفت بأم الفقير وجابرة عثرات الكرام والمحتاجين والمساكين، تحول أهلها اليوم إلى فقراء معوزين. اختفت المظاهر الرمضانية التي تميزها عن باقي المدن اللبنانية والعربية، وبالتالي تحوّل الشهر الكريم إلى غريب بين أناس لا يستطيعون تأمين قوت عيالهم في الأفطار والسحور، والسبب ليس الارتفاع الجنوني للأسعار وغياب أجهزة الرقابة فحسب، بل لأن كثراً عاطلون عن العمل، بعدما اصيبوا في جولات العنف بأضرار جسيمة في الأرواح والممتلكات.
حركة معدومة
في جولة رمضانية، يؤكد تجار الأسواق القديمة والأسواق الحديثة أن الحركة تختلف كلياً مقارنة مع الأعوام السابقة، لا بل معدومة هذا العام، وأعادوا الأسباب إلى ترهل الوضع الأمني، وارتفاع أزيز الرصاص والقنص وقطع الطرق والاعتصامات المسلحة في الساحات العامة، تحديداً وسط الفيحاء في ساحة عبد الحميد كرامي.
ويرى التجار والقيادات البلدية والاقتصادية، أن أحياء الفيحاء، وخاناتها، وأسواقها التراثية والأثرية في البازركان، والشارع العريض، ومحيط الجامع المنصوري، وأسواق النحاسين والذهب والخياطين والمصريين، والسراي العتيقة، وباب الرمل والحديد، ومحيط القلعة، والجامع البرطاسي، والأسواق الحديثة في عزمي ومتفرقاته، وطريق الميناء والضم والفرز… كل هذه المواقع، افتقرت إلى حركتها الطبيعية وغاب عنها روادها تحت وطأة مطرقة الاشتباكات وسندان التردي الاقتصادي وارتفاع الأسعار.
اقتصرت فاعليات رمضان هذه السنة على أمسيات ومسيرات رمضانية لناشطين في هيئات المجتمع والمجلس المدني والجمعيات الأهلية، وثمة أسئلة، ونحن على مسافة أيام من عيد الفطر السعيد: هل ستنعكس هذه الأجواء المتردية على يوميات العيد؟ وهل سيمر العيد على الطرابلسيين في غياب البهجة والحركة عن الأسواق وانعدام البيع والشراء؟ وهل ستنسحب لوعة رمضان وغصة التردي الاقتصادي والقلق الأمني على حركة العيد، في مدينة كانت ولا تزال تحتفل بالأعياد بشغف وتعتمد بشكل أساسي على مدخول رمضان؟
الغزال
يوضح رئيس بلدية طرابلس الدكتور نادر الغزال أن الشهر الكريم يحلّ هذا العام بعد طول معاناة مع الأوضاع الأمنية السيئة التي لم تترك مناسبة إلا وقضت عليها، فتحوّلت المدينة إلى ما يشبه مدينة الأشباح، فضلا عن صرخة التجار التي ارتفعت منذرة بقرب إقفال مؤسساتهم جراء الأزمة المتفاقمة، وعدم القدرة على تعزيز حركة البيع والشراء.
يضيف: “رغم التحركات التي قمنا بها مع المجتمع المدني في سبيل دعم الأسواق والحفاظ على استمراريتها، إلا أن الوقائع تشير إلى تردٍّ اقتصادي رهيب، وهذا بالفعل ما صعب علينا كبلدية وعلى المؤسسات التي كانت تتشارك وبلدية طرابلس في تزيين أسواق المدينة وساحاتها، إلا أننا استعملنا الزينة التي كانت موجودة عندنا في تزيين بعض الساحات كحد أدنى، من دون شراء زينة جدية كون الأوضاع برمتها لا تسمح”.
يشير الغزال إلى أنه كان من المستحيل وضع أي خطة لأنشطة رمضانية يمكن أن تتوقف في أي لحظة بسبب الخضات، “والأمر لا ينطبق علينا وحدنا، إنما على المؤسسات السياسية والاجتماعية والجمعيات التي لم تنظم أي نشاط هذه السنة، وهذا بالفعل يحز في أنفسنا لا سيما أننا في 2010 نظمنا أنشطة رمضانية مشتركة أطلق عليها ” ليالي الفيحاء الرمضانية” ، وكانت احتفاليات غير مسبوقة، بيد أنها تقلصت في 2011 و2012 لتنعدم للأسف في 2013، بسبب الأوضاع. نأمل، من خلال شهر رمضان الذي نعيش تفاصيله وفضائله، أن تنجلي هذه الغمامة عن سماء وطننا ومدينتنا الحبيبة بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأن يحل عيد الفطر والفرحة على شفاه الطرابلسيين والحركة الاقتصادية في أوج مجدها”.
دبوسي
يقول أمين عام اتحاد الغرف اللبنانية وأمين مال غرفة طرابلس والشمال توفيق دبوسي إن مدينة طرابلس وجوارها تشهد حالة استثنائية لم تشهدها في أي مرحلة من مراحل تاريخها الإقتصادي وواقعها الاجتماعي، وهي تعاني ضائقة تطاول مكوناتها الاقتصادية، مشيراً إلى أن ذلك “لا يعني أننا نريد إضفاء صورة سوداوية ترخي بظلالها على مناخات الحياة اليومية في المدينة، ولكن يستدعي الواقع القائم اهتماماً بتنمية مرافق المدينة العامة والخاصة ومؤسساتها، عبر تضافر جهود أبناء المدينة لمواجهة الحال الناجمة بشكل محوري عن الوضع الأمني المضطرب، والقلق من الوضع العام الذي تذكيه التجاذبات السياسية، إضافة إلى تداعيات الأوضاع التي تشهدها سوريا في المرحلة الراهنة وترخي بظلها الثقيل على الاقتصاد اللبناني وعلى حركة بوابة العبور البرية”.
يضيف: “الوضع الاقتصادي في طرابلس والشمال في تدهور ويعاني أزمة خانقة جراء الأحداث الأليمة التي عصفت بالمدينة وجوارها. إلا أن الواقع الذي نشكو منه على صعيد الاقتصاد الوطني، هو الركود الذي يطاول المرافق والقطاعات الاقتصادية كافة، العامة منها والخاصة، وللأسف انسحب هذا الأمر على يوميات رمضان المبارك”.
يأمل أن تنجلي الغيمة وتعود الحركة مع أيام عيد الفطر السعيد، على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، مؤكداً أن “اقتصادنا الوطني يبقى صلباً أمام شتى أنواع العواصف، لأن أزمة الاقتصاد اللبناني ليست بنيوية على الإطلاق، فالأحداث الأمنية من جهة والتجاذبات السياسية من جهة أخرى، ترخي بظلالها على الوضع العام”.
المصري
يرى منسق ملتقى الجمعيات الأهلية ومسؤول اتحاد الشباب الوطني المحامي عبد الناصر المصري أن صورة طرابلس تراجعت لدى أبناء بيروت والمحافظات الأخرى، ويقول: “منذ مطلع هذه السنة استباح المسلحون بشكل مفاجىء وغير مبرر أحياء المدينة وأسواقها وشوارعها الأساسية، مدخلين الرعب والهلع إلى قلوب المواطنين والزائرين، ما ترك انطباعاٌ عاماٌ لدى اللبنانيين بأن طرابلس خارجة عن القانون ، وهو ما حاولت الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني تغييره من خلال نشاطاتها التي توسعت وتنوعت، رفضا للاقتتال والفوضى، وتمسكاٌ بالسلم الأهلي والاستقرار”.
أما الآثار السلبية لواقع طرابلس المؤلم فتتجاوز كل الحدود، برأيه، وتحتاج إلى إجراءات حكومية أمنية وإغاثية وإنمائية تخفف من البطالة المستشرية التي تفاقمت بفعل اللااستقرار وغياب فرص العمل، في ظل وجود أرباب عائلات ترتبط مداخيلهم بعملهم اليومي، وتزايد الفقر والعوز وظاهرة المتسولين التي تجاوزت المعقول، بعدما أضيف إلى المتسولين اللبنانيين الوافدون السوريون.
يضيف: ” تجار المدينة ترهقهم الديون بسبب ضرب المواسم التجارية التي ينتظرونها سنوياً، بدءًا من رمضان الماضي، مروراً بعيدي الميلاد ورأس السنة، وصولا إلى موسم الصيف ورمضان الحالي، إذ انخفضت حركة أبناء القرى والبلدات الشمالية باتجاه أسواق طرابلس، نتيجة الخوف من إمكانية حصول فوضى وانتشار المظاهر المسلحة وإغلاق الطرقات الأساسية والفرعية التي تكررت أكثر من مرة خلال أشهر قليلة”.
يشير إلى أن إغلاق الأسواق الداخلية وشوارع التل وعزمي والميناء بقوة المسلحين ترك انعكاسات مؤذية ليس من السهل تعويضها، خصوصا أن تجاراً كثراً يشغلون محالا عن طريق الإيجار ببدلات مرتفعة، ما دفعهم إلى تركها أو التوقف عن دفع البدلات، فازدادت الدعاوى القائمة بين المالكين والمستأجرين.
يلفت المصري إلى أن “طرابلس تتحول إلى مدينة أشباح في فترة بعد الظهر وتصبح شوارعها شبه خالية في ظل إشاعات يومية ومشاكل عائلية وفردية في الأحياء يستخدم فيها السلاح ويسقط قتلى وجرحى”.
ويلاحظ ضعف المظاهر الاحتفالية الشعبية بحلول شهر رمضان، فغابت الزينة الرمضانية عن غالبية شوارع المدينة، والغت الجمعيات الأهلية افطاراتها بسبب الظروف، والأمسيات والمهرجات الرمضانية شبه غائبة. “أما المواطن فمتروك لقدره والإشاعات في ظل غياب شبه تام للسلطة السياسية وأجهزتها الأمنية التي لا تعرف التحركات الوقائية، وتتدخل متأخرة عند حصول إشكالات ليصبح مصير أكثر من نصف مليون طرابلسي بيد فئة قليلة من الفوضويين الذين يقتاتون عصبيات وغرائز تتفجر في أحياء المدينة كافة. طرابلس تعاني وتستغيث وتجارها يصرخون، فهل من يسمع ويستجيب؟”
بربور
يلفت أمين سر “جمعية نسائم خير” محمد بربور إلى “أن طرابلس كانت تكتسي خلال هذا الشهر حلة بديعة بألوان روحانية نقية، إلا أن كثيراً من مظاهره غابت، ما أفقده بعضاً من نكهته، فرواد المقاهي في تراجع، وما زالت تداعيات الأحداث تلقى بثقلها على كاهل المدينة وأهلها. للأسف الأوضاع الأمنية والمعارك التي حدثت في المدينة، منعت الناس من المجيء إلى طرابلس رغم هدوء الأحوال، لكن يبقى الجو العام متأثراً بما حدث، وبتنا نتحدث عن هموم البسطاء والفقراء في هذا الشهر المبارك وانتشار ظاهرة إرتفاع الأسعار التي أصبحت الشغل الشاغل”.
يضيف: “بين الوجع وآهات الناس أطل رمضان على طرابلس، حاملا معه آمالا لبلسمة جراحهم، بعد الأحداث الأمنية الأخيرة التي شوهت صورة المدينة، فالداخل إلى أسواق طرابلس يلاحظ بوضوح أنها تقاوم جمودها لتستعيد مكانتها ولتمنح زوارها الاطمئنان والثقة لعودتهم إليها. ولم تعد حركة رمضان الاقتصادية والاجتماعية كما كانت من قبل، فالوضع الأمني المقلق ووضع الناس الاقتصادي المتردي أثرا سلباً على إقبالهم على الخروج والاستمتاع بليالي الشهر الكريم في المقاهي والمحلات. أسواق طرابلس بشوق إلى المتسوقين الذين غابوا هذا الموسم، فليالي رمضان هذه السنة ليست كسابقاتها في العام الماضي، إذ غابت عنها المظاهر الاحتفالية والطقوس الرمضانية التي كانت تشهدها المدينة”.
هذه صورة رمضان الحزين في طرابلس الحزينة، علّ رمضان 2014 يحل وتكون المدينة استعادت عافيتها وحركتها المعتادة وخصوصا…. أمنها.
(*)الوكالة الوطنية للإعلام
كلام الصور
1- ساحة طرابلس
2- وسط طرابلس
3- سوق طرابلس


