“الدكتـور نقـولا فتـوش : المشتـرع والبرلمانـي”… إعـداد سيمـون معـوض

الأديب أنطـوان أبو رحـل.

صـدر عـن ” المنشـورات الحقوقيـة – صـادر ” كتـاب جديـد بعنـوان: ” الدكتـور نقـولا فتـوش المشتـرع والبرلمانـي” يحتـوي علـى كامـل مداخلاتـه في الهيئـة العامـة antoine-abou rahalللمجلـس النيابـي منـذ عـام 1992 حتى 2013، والكتـاب مـن إعـداد الأستـاذ سيمـون معـوض، مديـر عـام، مستشـار في مجلـس النـواب، ( يقـع في 632 صفحـة مـن الحجـم الكبيـر والتجليـد الفاخـر).

والكتـاب هـو الأول مـن نوعـه لنائـب لبنانـي منـذ بـدء الحيـاة النيابيـة والبرلمانيـة في لبنـان.

ويقـف القـارىء أمـام عمـق التنقيـب، وحسـن التبويـب، إنحنـاءة تقديـر للأستـاذ معـوض، للجهـد الـذي بذلـه لإخـراج هـذه التحفـة الدستوريـة والقانونيـة والسياسيـة والإجتماعيـة والإنمائيـة وقـد حـرص معـوض في مقدمـة الكتـاب، التـي احتـوت على تحليـل علمـي دقيـق، تنـاول فيهـا مسـار المجلـس النيابـي مـن خـلال أحـد أبـرز مشرعيـه، وقـد قـال حـول المداخـلات: ” حرصـت علـى جمعهـا بشكـل متسلسـل مـن محاضـر المجلـس النيابـي، وعنونتهـا، وتحديدهـا وفـق التسلسـل الزمنـي لتواريـخ انعقـاد الجلسـات، سـواء في العقـود العاديـة أم الإستثنائيـة، مـع إضافـة مداخـلات الرؤسـاء والنـواب التـي علـق الدكتـور فتـوش عليهـا حتـى يتـم إيصـال المعنـى بشكـل متكامـل”.

وقـد وعـى سيمـون معـوض خـلال إعـداده لهـذا الكتـاب النـادر أن المداخلـة قانـون، وفكـر، وفـن، وأدب وهـي كمـا ذهـب الى ذلـك المحامـي الفرنسـي ادغـار فـور بقولـه:” أنـه يحـب الكلمـة، والكلمـة مهنتـه، يـوم سألـه جـاك شانسيـل عـن قدرتـه القـادرة على السحـر بهـا”.

والمتعمـق في هـذه المداخـلات، علـى تنـوع مواضيعهـا، والتـي جمعـت القانونـي والسياسـي الى الوطنـي والإقتصـادي الى الإجتماعـي والزراعـي الى الإنمائـي، ممـا يذكرنـا بمقـال افتتاحـي لرئيـس تحريـر مجلـة ” الأفكـار” الزميـل وليـد عـوض الـذي جـاء فيـه :” نقـولا فتـوش اعـاد الى اللمعـة البرلمانيـة حضورهـا”، وقـد قـال : “مـن زمـان وزمـان نحـن متعطشـون الى مرافعـات، قضائيـة كانـت أم برلمانيـة، فرسـان فرسهـم جـرأة وصهوتهـم كلمـة. كنـا ونحـن على مقاعـد الدراسـة نتحيـن الفرصـة لدخـول قصـر العـدل القديـم امـام السـراي الكبيـر، لنشهـد مرافعـات للأميـر عبـد العزيـز شهـاب، أو محسـن سليـم،أو بهيـج تقـي الديـن، أو نصـري المعلـوف، أو فريـد قوزمـا أو شفيـق الـوزان، أو رشيـد الصلـح… وهـؤلاء كانـوا ينطلقـون على سجيتهـم بلغـة سيبويـه، مازجيـن الشعـر بالنثـر، والعربيـة بالفرنسيـة، ” ودالـوز بالسنهـوري ، و”يوجيـن بيـار” بالمحامـي أنـور الخطيـب. وكـم كـان هـؤلاء يملؤننـا بالنشـوى وكأننـا في ساحـة طـرب أصيـل.”.guilaf fatouch

وأكمـل عـوض :” بالأمـس في مجلـس النـواب، أثنـاء مرافعـات الموازنـة، عـادت الينـا الصـورة بعـد طـول غيـاب في مرافعـة نقـولا فتـوش التـي كانـت حصـة حقوقيـة بحـد ذاتهـا، أطربنـا الرجـل وهـو الناثـر والشاعـر والعـازف علـى قيثـارة ” يوجيـن بيـار” وجورج فيديـل” … ذلـك هـو نقـولا فتـوش الـذي أعـاد الى اللمعـة البرلمانيـة حضورهـا”.

〈يعتبـر فتـوش مـن أكثـر النـواب حضـوراً وتأثيـراً في النشـاط البرلمانـي والرقابـي〈
 

وكلمـا تمعنـت في مداخـلات هـذا النائـب – المشتـرع تسـأل ذاتـك أليـس ان المرافعـة اقنـاع بحجـة واقنـاع وتلذيـذ بكلمـة كمـا يـرى بـرودان، المحامـي والأديـب، والعضـو في الأكاديميـة الفرنسيـة.

أليـس النائـب والدكتـور فتـوش مثـال، في مداخلتـه طالـب حـق، وعاشـق حقيقـة، وخاطـب كلمـة ينتهزهـا ليجـد السبيـل بهـا الـى جمـال وسعـادة وراحـة.

ولكـي نعـي هـذه المفاهيـم وخلفياتهـا علينـا العـودة الى مقدمـة سيمـون معـوض، المشغولـة بدقـة، وموضوعيـة، وتعطيـك مفاتيـح سريـة وسحريـة للدخـول الى شخصيـة الدكتـور فتـوش، كإنسـان، ونائـب، ووزيـر، ومشتـرع، وبرلمانـي، اذ ركـز علـى القـول : ” الهـدف الأساسـي مـن جمـع خطابـات ومطالعـات ومشاركـات الدكتـور نقـولا فتـوش البرلمانيـة فـي كتـاب واحـد، هـو حفـظ هـذا ” الكنـز القانونـي ” والعـودة اليـه كمرجـع فـي العديـد مـن القضايـا والمسائـل الدستوريـة والقانونيـة والبرلمانيـة وغيرهـا مـن المجـالات…”
ويضيـف الأستـاذ معـوض موضحـاً ومحلـلاً : ” يجمـع هـذا الكتـاب التوثيقـي كافـة مداخـلات ومشاركـات الدكتـور نقـولا فتـوش في جلسـات الهيئـة العامـة للمجلـس النيابـي المنعقـدة منـذ انتخابـات العـام 1992 ولغايـة نهايـة العـام 2013، والتـي كـان مشاركـاً بفاعليـة في الغالبيـة العظمـى للجلسـات التـي انعقـدت في هـذه الفتـرة، بحيـث شـارك في 196 جلسـة مـن أصـل 214 جلسـة عامـة”.

وأكمـل معـوض : “تجـدر الإشـارة الى أن للدكتـور فتـوش مداخـلات عديـدة في اللجـان والهيئـات التـي كـان عضـواً فيهـا، وهـي : لجنـة الادارة والعـدل، ولجنـة البيئـة، والمجلـس الأعلـى لمحاكمـة الرؤسـاء والـوزراء، والتـي تبقـى مداخلاتهـا غيـر علنيـة، فمضمـون هـذا الكتـاب يقتصـر علـى مداخلاتـه ومشاركاتـه في الهيئـة العامـة للمجلـس النيابـي.

وعلـى المستـوى التشريعـي، قـدم العديـد مـن المطالعـات الدستوريـة والقانونيـة والسياسيـة، إضافـة الى مداخلاتـه في مناقشـة غالبيـة النصـوص التشريعيـة، واقتراحـات التعديـل عليهـا، بالإضافـة الى تقديمـه العديـد مـن اقتراحـات القوانيـن.

وعلـى المستـوى الرقابـي، يعتبـر الدكتـور فتـوش مـن أكثـر النـواب حضـوراً وتأثيـراً في النشـاط الرقابـي البرلمانـي حيـث قـدم العديـد مـن الأسئلـة والإستجوابـات التـي تناولـت مواضيـع عديـدة مـن قانونيـة وسياسيـة واقتصاديـة وبيئيـة وغيرهـا.

أسلوبـه دقيـق وأنيـق فـي العمـل التشريعـي يبـرز عمـق تفكيـر هـذا المشتـرع ونـدرة أمثالـه فـي هـذا الزمـن.

وحـول عمـق وبلاغـة الدكتـور فتـوش يوضـح معـوض: ” هـذا العمـل التوثيقـي الـذي قمـت بـه ، ليـس إلا تحيـة وفـاء وتقديـر لهـذا المشـرّع الكبيـر، والإنسـان الوفـي والمحـب، الـذي يسحـرك منـذ اللحظـة الأولـى بشخصيتـه الفريـدة وسعـة اطلاعـه وبلاغتـه وعمـق فهمـه القانونـي”، فيؤكـد في مقدمتـه على نقطتيـن بارزتيـن:

الأولـى: “يلاحـظ المتابـع لأقـوال الدكتـور فتـوش بـأن مواقفـه تنبـع مـن القناعـات التـي يؤمـن بهـا، وترتكـز معارضتـه البنـاءة علـى العلـم والمنطـق، الأمـر الـذي انعكـس في مداخلاتـه تحـت قبـة البرلمـان بطريقـة تميـزت بالدقـة والموضوعيـة.

والثانيـة: ” كـان لـي شـرف ومتعـة متابعـة الدكتـور فتـوش، عـن قـرب، وعلـى مـدى سنـوات طويلـة في لجنـة الإدارة والعـدل، التـي كـان عضـواً فيهـا، وكنـت أشغـل وظيفـة أميـن سرهـا. وقـد تسنـت لـي مواكبتـه والإطـلاع علـى أسلوبـه الدقيـق والأنيـق في العمـل التشريعـي ، وطريقتـه في مقاربـة ودرس مشروعـات واقتراحـات القوانيـن في اللجنـة ومقترحاتـه التعديليـة عليهـا، ممـا يبـرز عمـق تفكيـر هـذا المشـرّع ونـدرة أمثالـه في هـذا الزمـن”.

ومـن يقـرأ مداخـلات فتـوش لا يطـرب لتنوعهـا، وعمـق طروحاتهـا، بـل هـو حاضـر في العقـول والقلـوب ينعشهـا محبـة وإلفـة، وفي الأذهـان يوقدهـا نبوغـاً وعبقريـة، وفي أعمـاق الضمائـر يعيـد اليهـا معالـم العدالـة الوفـاء.

مـن قصـور العـدل، والتعليـم الجامعـي، الـى النـدوة البرلمانيـة مـا عـلا المنبـر أخطـب منـه يخـرس الناطـق إذا نطـق، ويحيـر السامـع في تحليـل الأمـور واستعـراض خفاياهـا ومدلولهـا، إذا سئـل وهـب، إذا سابـق سبـق، وإذا اسـر أطلـق.

والقـارىء الواعـي يكتشـف في كـل مداخلـة موجـة مـن موجـات روحـه، وفي كـل موقـف ملمحـاً مـن خيالـه، وفي كـل مـن تناولهـم ظـلاً مـن ظلالـه، فقـد رأينـاه بمنهجيـة علميـة صارمـة يكـب علـى المواضيـع بالحقيقـة والمحبـة، وتحيـط بـه وتغـوص اليـه بملكـة نقديـة ورهافـة ذوق فريدتيـن لأنـه يعـرف كيـف يثيـر الكوامـن ويشيـر الـى الجواهـر ويجيـد التخلـص مـن الشوائـب ويمحـو كـل الإضافـات.

وأنـت تقـرأ مداخـلات فتـوش تكتشـف كيـف هـو ألمعـي في ذكائـه، نهضـوي في عملـه، مندفـع في عطائـه، نابـض الحركـة في كـل مشروعاتـه، وهـاج التألـق في كـل أفكـاره القانونيـة، عميـق النظـرة في كـل تحليلاتـه السياسيـة.

وأنـت تقـرأ تسـأل ذاتـك مـن يتقـدم في الدكتـور فتـوش النائـب أم المحامـي أم الأستـاذ الجامعـي ؟! لكنـك تعـرف أنـه سـاوى بينهـا ببراعـة مـن لـه قماشـة نـادرة في أكثـر مـن مجـال:

هـو المحامـي اللامـع الـذي وصـل الى درجـة العلامـة في التشريـع والفقـه والإجتهـاد، فاستحـق لقـب القانونـي مـن الدرجـة الأولـى.

وهـو النائـب الناجـح المواظـب علـى عملـه بإخـلاص، المتقـدم بمشاريـع القوانيـن الصالحـة لخيـر النـاس والوطـن معـاً.

ولهـذا مـا تكونـت مـرة لـدى القضـاء قناعـة قبـل سماعـه، أو أقـر تشريـع في النـدوة النيابيـة قبـل تشريحـه لـه ووضـع محاسنـه وسيئاتـه امـام مجهـر وطنيتـه وصدقيتـه وعلمـه وجرأتـه.

مداخلاتـه جـاءت متكاملـة، منسقـة ، وكأنهـا عمـل واحـد تتصـل حلقاتـه حيـال هـدف واحـد، هـو الإنسـان ولبنـان، محـور كـل نشـاط وقبلـة كـل إبـداع.

ولعـل صدقـه مـع نفسـه كـان سـر موضوعيتـه فـي تحليـل المواقـف، واستخـلاص النتائـج، والموضوعيـة هـي ميـزة الفقيـه العالـم والدكتـور نقـولا فتـوش علامـة في حقـل اختصاصـه، أي القانـون، وقـد اكتسـب مـن المكانـة والصدقيـة في الوسـط النيابـي والسياسـي مـا جعـل رأيـه القانونـي راجحـاً، لا بـل حاسمـاً عندمـا تتبايـن الأراء ويحتـدم النـزاع، ولا نغالـي إذا قلنـا إن الفضـل في ضمـان سلامـة الكثيـر مـن التشريعـات التـي صـدرت عـن مجلـس النـواب، صياغـة ومضمونـاً، يعـود الـى هـذا العمـلاق المتواضـع.

********

(*) زحلـة  8- 7- 2014

اترك رد