منيرة مصباح
لقوة الخيال وصراع الافكار واستشفاف الطاقات الخلاقة الكامنة في روح البشر، دور كبير في الكتابة الأدبية وما تتضمنه في كل تجلياتها، كما انها تؤكد أن اللغة الابداعية الخاصة هي العبور للأخر في كل زمان ومكان. والمبدع في اللغة يحاول دائما اطلاق أفكاره عبر الكلمة ليسير باتجاه المعرفة التي توصله الى التطور عبر العصور والحضارات. وما الصراعات بين البشر الا عوامل يتجاوزها لتبقى عناصر الفكر في عالم يبحث عن تثبيت انسانيته.
ان العطاء الفكري للبشرية منذ الملاحم التي كتبت عبر التاريخ، مثل ملحمة “جلجامش وقانون حمورابي في حضارة العراق القديم الى “الالياذة والاوديسة” لهوميروس في الحضارة الاغريقية، الى التاريخ الفرعوني كله من نص الفلاح الفصيح الى محاكمة الموتى الذاهبين للحياة الأخرى الى غيرها من الابداعات الانسانية، كل ذلك ما هو الا استشراقات راسخة مع بقاء الانسان نفسه.
لكن اذا نظرنا الى مختلف الثقافات، نلاحظ ان هناك ثمة مساحة بين مناهج العلم المعمول بها في العلوم الانسانية، كالادب والفلسفة وغيرها. فالعطاء الفكري الى جانب انطلاق الخيال يرتكز على منهج الادراك وليس على القوانين والمعادلات فقط، والموضوع ليس صراعا بين الوجدان والفكر، بين الخيال واللغة، فالاثنان ملازمان للانسان المتمسك بانسانيته. وهذا ما وجدته عندى عالم اللغات المستعرب “أغناطيوس كراتشكوفسكي”، وعند الاديب الروائي “إيمليان ستانييف”، ومن المعروف ان كراتشكوفسكي كان عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق وأستاذ الدراسات العربية وفقه اللغة في جامعة سانت بطرس برغ في روسيا.
ينحدر كراتشكوفسكي من اصل “بيلو روسي”، من مدينة فيلينو، ويعتبر مؤسسا لمدرسة الاستعراب الروسي والاستشراق. امضى طفولته في طشقند مع اسرته، وبعد ان انهى دراسته الثانوية تابع دراسته الجامعية في بطرسبرغ، حيث اختار كلية اللغات الشرقية وبالتحديد دراسة اللغة العربية. بعد ان انهى دراساته انتقل سنة 1908 الى المشرق العربي في مهمة علمية للقيام بدراسات ادبية وبقي مدة سنتين كان الهدف منها كتابة رسالته عن الشاعر العربي “ابي الفرج الدمشقي”، حيث اقام في دمشق متنقلا ما بينها وبين مصر ولبنان، وساهم اثناء اقامته في تنظيم مؤتمر الآثار العالمي.
وقد قام ايضا بالتعرف على اللهجات العربية الحية، وعلى الادب العربي الحديث آنذاك وعلى الحضارة العربية المعاصرة، ولكي يحقق ما اراد عاش فترة في القرى والارياف كي يتعلم اللغة العربية العامية. التقى كراتشكوفسكي اثناء اقامته في المشرق العربي انذاك بالكاتب جورجي زيدان وامين الريحاني ومحمد كرد علي وغيرهم من الكتاب العرب.
وبعد عودته الى وطنه كتب عن الرواية التاريخية في الادب العربي الحديث، وقام بترجمة كتاب “المرأة الجديدة” لقاسم امين، كما استمر في تدريس اللغة العربية في جامعة ليننغراد مدة اربعين عاما الى ان توفي.
لقد عمل كراتشكوفسكي طوال حياته في مجالات ادبية عديدة، لنشر الثقافة العربية في بلاده من خلال ترجمة روائع الادب العربي القديم والمعاصر، كان اهمها مؤلفات امين الريحاني وطه حسين، الى جانب بعض شعراء الجاهلية وكتاب الف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وله اكثر من 450 عملا علميا في اللغة العربية. واستمر في دراسة تاريخ الادب العربي الكلاسيكي والبلاغة، و جغرافيه الأدب العربي، وقام بدراسة بعض المخطوطات وفقه اللغة فيها، كما كتب عن تاريخ الاستشراق، كل ذلك قام به ليكون ذخرا إنسانيا للبشرية.
توفي هذا هذا العالم اللغوي “كراتشكوفسكي” في شهر كانون الثاني من عام 1951، بعد ان اغنى الثقافة العالمية بدراساته القيمة عن اللغة العربية والادب العربي.
ووسط تمثاله القائم في مقبرة الادباء في ليننغراد، كُتِبَتْ هذه الابيات الشعرية للخنساء:
” وكُنت أعيرُ الدَّمْعَ قَبْلَك من بَكَى فَأنْتَ على مَنْ ماتَ بَعْدَك شاغِلُه “.
أما ايمليان ستانييف فهو أحد الادباء البلغار المولود سنة 1907 في عاصمة بلغاريا القديمة “فليكو ترنوفو”. تأثر ايمليان بأمه كثيرا، فقد كانت مثقفة ذات قدرة كبيرة على التحدث والمناقشة وعلى اطلاع واسع، تعرف قيمة الكلمة ومتى تقولها . اما مدينته التي ولد فيها فكان لها اكبر الاثر على نفسه وعلى حياته الادبية ايضا، ويرجع ذلك لوضع المدينة التاريخي الفريد، ولطبيعتها الحالمة وطرازها المعماري القديم، كل ذلك دفع به للبحث عن الجمال وتقييمه. وكان للتمايز الحاد السائد بين كافة فئات المجتمع بسبب الصراعات الحادة فيه أثر أخر كبير عليه.
عرف ايمليان ستانيف في كتاباته المبكرة بمغني الحب والطبيعة، بعد صدور اول اعماله التي كانت عبارة عن مجموعة قصص بعنوان “ليالي الذئاب”، عام 1943 وكانت تتمحور حول فلسفة الكاتب المتمثلة في كمال الطبيعة الشاعرية المناقضة لعدم كمال الانسان.
اما مجموعته القصصية “أيام وأعياد” التي صدرت عام 1945، فقد تضمنت حكايات عن الحيوانات وقوة الغرائز بينهم، كالطبيعة التي نشأوا فيها. هذه المجموعة تبرز الصراع القائم في الطبيعة ومن عليها لدرجة العداء التام بسبب الابتعاد عن الطبيعة الام . وتعتبر هذه القصص من اهم واشهر الحكايات في الادب البلغاري الحديث.
بعد ذلك بدأ ايميليان بكتابة القصة الاكثر نضوجا، حتى وصل بكتابته الى الشكل الموضوعي والشكل الملحمي، فصدر له عام 1948 “سارق الدراق” و “ليلة هادئة”. وتعتبر سارق الدراق من روائع الادب البلغاري، انها كنز حقيقي للأدب البلغاري، لانها تعبر عن انتصار الانسان على القحط والعدم، ومن جهة اخرى فهي سمفونية السعادة، لقوة الحب الذي يرتفع بالانسان ويصنع العجائب.
واهم كتاب لايميليان هو “ايفان كونداريف” الصادر عام 1964، الذي اعتبر قفزة في حقل الادب البلغاري، من حيث مضمون الافكار في الرواية وشاعريتها، ومن حيث اعتبارها مرحلة في السيرة الذاتية الابداعية للمؤلف. تدور احداث الرواية حول انتفاضة ايلول ضد الفاشية سنة 1923، وموقف الفئة البلغارية المثقفة، بطابعها الوطني من هذه الاحداث، كل ذلك من خلال مصير بطل الرواية ايفان كونداريف، الذي استطاع ان يبرز مدى قوة مواجهته للاحتلال بايمانه من اجل التحرر. وتبرز نقطتان مهمتان في الرواية كان لهما اكبر الأثر في تغيير سمات ذلك العصر هما: نشوء الفاشية عالميا، ونمو الحركة الثورية المضادة في بلغاريا.
ولا تعتبر هذه الرواية تاريخية بمفهومها، لانها تتجاوز ذلك الى حمل فلسفة عصر بأكمله مع معاييره الروحية والفكرية، انها رؤية شاملة للمصير الوطني البلغاري، وهي رواية فلسفية تأسر القلب بقوة ايحائها وصدق الأفكار التي تحرر الانسان من العقائد البالية والجامدة لينتصر عليها التطور الحتمي للبشرية.
لقد جاءت مؤلفات ستانيف فيما بعد استمرارا للفلسفة التي طرحها في رواية “كونداريف” وروحها الملحمية. ومنها “اسطورة سيبل” و”ملك بريسلاف”، و”تيخيك ونزاري” و”انتي خريست”. ثم صدر له مؤلفان هما “ملكة ترنوفو” و”الغرير” عام 1975. وتعود اهمية كتابات هذا الكاتب الى تسجيله فترات اصيلة من التاريخ البلغاري، وتقديمه الطرح المصيري بشكل تصويري جعله يبحث عن تطوير القصة البلغارية فيما بعد.
هكذا الكتابة وكل اشكال التعبير الفني تستلهم الارث البشري في تجربته الثقافية العريقة لتستفيد من انجازاته، ولتصبح بذلك موقفا تنويريا ينقل تمرد الانسان على فرادة تشذ في دروب الحياة الثقافية الوعرة والطامحة للارتقاء بمستوى الانسان فكريا وأدبيا.