وقائع الجلسة الحواريّة حول كتاب الأديب د. جميل الدويهي “المتقدّم في النور” (17)

 

الإعلاميّ أكرم المغوّش

 

1- النصّ من الكتاب:

 

الصلاة التي تخرج من الشفاه هي كلام باطل، والصلاة التي تخرج من الأرواح هي كلام حقّ. ومن الصمت ما يكون أعمق من الكلام. فخذوا صلاتكم إلى معابدكم كما تأخذ الوردة عطرها وتنشره في الهواء، وكما يرفع العصفور أغنيته في وجه الصباح، فيزيده نوراً على نور.

وأعظم صلاة هي محبّتكم لإخوتكم. فما أبشع الذين يصلّون وهم يكرهون، ويتضرّعون وهم يجْحدون، ويبدعون في ترداد الأناشيد التي حفظوها، كما تردّد الببّغاءات أحاديث الثرثرة. ولو كنتم في معابدكم تبالغون في التعبير عن محبّتكم للإله، وفي الخارج غير المؤمن يضمّد جراح شابّ سقط عن فرسه، فقد يكون غير المؤمن أكثر إيماناً منكم.

إنّ الله يحبّ أن تُصلّوا له، تعبيراً عن الشكر والامتنان لما جادت به عليكم يداه الطاهرتان وقلبه الغافر، ولكن لو اجتاح الفيضان المدينة، وكنتم في المعابد، لأرسل الله ملائكته إليكم، فيأمرونكم بالخروج من المعابد، والذهاب إلى الشوارع والساحات والبيوت لإنقاذ الغرقى، وتخفيف المعاناة عن الأرواح المتألّمة… فأيّهما أفضل، أن تكرّروا الصلاة التي تعلّمتموها، أم أن تعطوا رداء لعريان، ورغيفاً لجائع، وماء لعطشان؟ ولو اجتمعت الصلاة مع تلك القيَم النبيلة، لارتفعتم إلى العلاء بأجسادكم وأرواحكم، فوق الإنسانيّة، وصرتم من المباركين…

كان رجل يصلّي إلى الله أن يشفيه من مرض، ولم يبرح الصلاة إلاّ قليلاً، لخوفه من الموت. وعندما نجح الأطبّاء في شفائه من مرضه، واطمأنّ إلى أنّ حياته في أمان، هجر الصلاة ولم يعد يقربها، فسألته زوجته: لماذا لم تعد تصلّي كما كنت تفعل في السابق؟ فقال لها: عندما كنت مريضاً كان الله بحاجة إلى صلاتي، وبعدما شفيتُ اكتشفتُ أنّه لم يعد بحاجة إليها.

مضت المرأة عن زوجها مكفهرّة وغاضبة، وقالت في سرّها: أيّها الكاذب،أنت كنت تحتاج إلى الله أثناء مرضك، ولم تعد تحتاج إليه الآن. وإذا كنت تخدع الله بهذه الوقاحة، فكم مرّة خدعتني؟! والله لأنتقم منك شرّ انتقام وأخدعك كما فعلت.

 

2- مطالعة الأستاذ أكرم المغوّش:

 

الأستاذ الدكتور المفكّر المبدع جميل ميلاد الدويهي ظاهرة فريدة من نوعها… الحقّ يقال إنّ هذا المفكّر الموسوعة قد عبر من لبنان إلى أستراليا، فإلى الوطن العربيّ والعالم بأسره، بمؤلّفاته النفيسة. ولا يمرّ أسبوع إلاّ ويتحفنا بكتاب جديد يتشاوف على ما قبله، من دواويين شعريّة، ومجموعات أدبيّة، وقصّة، ورواية، وترجمة لشعراء أستراليّين. ولا يمكن أن نلخّص ما تفضّل به الأديب الدكتور الجميل بكلمة كهذه، لأنّنا نحتاج إلى مساحة أكبر. وما إصداره الجديد وليس الأخير، “المتقدّم في النور”، إلاّ خير دليل على إبداعه، ورؤيته الفكريّة العميقة، فهو يقول: “الصلاة التي تخرج من الشفاه هي كلام باطل، والصلاة التي تخرج من الأرواح هي كلام حقّ… من الصمت ما يكون أعمق من الكلام، فخذوا صلاتكم إلى معابدكم كما تأخذ الوردة عطرها وتنشره في الهواء، وكما يرفع العصفور أغنيته في وجه الصباح، فيزيده نوراً على نور. وأعظم صلاة هي محبّتكم لإخوتكم. ”

في هذا الكلام تعبير عن اعتقاد الأديب بمسلّمات دينيّة واجتماعيّة، لكنّه يقدّمها بطريقة أدبيّة جاذبة، ويضيف إليها تشبيهات من واقع الحياة، ليصل إلى حقيقة إنسانيّة مهمّة: الصلاة التي هي المحبّة. كما يناقض مَن يذهبون إلى الصلاة وقلوبهم خالية من تلك النعمة الإلهيّة: “ما أبشع الذين يصلّون وهم يكرهون، ويتضرّعون وهم يجْحدون، ويبدعون في ترداد الأناشيد التي حفظوها، كما تردّد الببّغاءات أحاديث الثرثرة!”

إذن، في نظر الدويهي، الصلاة هي عمل وعطاء وتضحية، لإظهار المحبّة، ليس للآخر فقط، بل للإله الذي خلقنا، وأعطانا من كرمه، لكي نتعلّم فضيلة البذل لإخوتنا في العالم.

وكأنّ أديبنا الرائد، يخشى أن تضيع منّا الفكرة، فيعطينا أمثلة من واقع الحال، ليزيدنا تأكيداً، واقتناعاً بما يذهب إليه: “لو كنتم في معابدكم تبالغون في التعبير عن محبّتكم للإله، وفي الخارج غير المؤمن يضمّد جراح شابّ سقط عن فرسه، فقد يكون غير المؤمن أكثر إيماناً منكم… إنّ الله يحبّ أن تُصلّوا له، تعبيراً عن الشكر والإمتنان لما جادت به عليكم يداه الطاهرتان وقلبه الغافر، ولكن لو اجتاح الفيضان المدينة، وكنتم في المعابد، لأرسل الله ملائكته إليكم، فيأمرونكم بالخروج من المعابد، والذهاب إلى الشوارع والساحات والبيوت لإنقاذ الغرقى، وتخفيف المعاناة عن الأرواح المتألّمة… فأيّهما أفضل، أن تكرّروا الصلاة التي تعلّمتموها، أم أن تعطوا رداء لعريان، ورغيفاً لجائع، وماء لعطشان؟ ”

كم لفتتني لفظة “معبد”، لأنّها لا تدلّ على ديانة معيّنة، فالجميع يعبدون الله في معابدهم، مهما اختلفت التسميات. وتلك إنسانيّة الدويهي الشاملة التي لا تفرّق، وقد رأيناها في كتبه الفكريّة السابقة. كما لفتني الخروج من المعبد وترك الصلاة من أجل عمل الخير، وتدخّل الملائكة أنفسهم الذين “يأمرونكم”  بأمر من أرسلهم من السماء، لكي تذهبوا إلى الشارع وتنقذوا المصابين، فهناك الإيمان والصلاة والعبادة – في نظر الدويهي المفكّر.

كم أنت جميل أيّها الجميل، وأنت تجعل من ميدان الكارثة – الفيضان مكاناً لملاقاة الخالق!

وهذا قمّة الصحيح في نظر المعلّم في الكتاب ونظر تلاميذه.

وليس غريباً عن الدويهي العطاء الذي لا حدود له، عندما يتفضّل، ويُغنى المكتبة العربيّة والعالميّة بمؤلفات كثيرة، وباللغتين العربيّة والإنكليزيّة. وكم هو حكيم، عندما يستدرك، ليجعل الصلاة مع القيم مجتمعة، قمّة الإيمان والرفعة إلى العلاء.

وإنّ أكثر ما جذبني في نصّ الدويهي هو قصّة قصيرة عن الرجل والمرأة: “كان رجل يصلّي إلى الله أن يشفيه من مرض، ولم يبرح الصلاة إلاّ قليلاً، لخوفه من الموت. وعندما نجح الأطبّاء في شفائه من مرضه، واطمأنّ إلى أنّ حياته في أمان، هجر الصلاة ولم يعد يقربها، فسألته زوجته: لماذا لم تعد تصلّي كما كنت تفعل في السابق؟ فقال لها: عندما كنت مريضاً كان الله بحاجة إلى صلاتي، وبعدما شفيتُ اكتشفتُ أنّه لم يعد بحاجة إليها… مضت المرأة عن زوجها مكفهرّة وغاضبة، وقالت في سرّها: أيّها الكاذب، أنت كنت تحتاج إلى الله أثناء مرضك، ولم تعد تحتاج إليه الآن. وإذا كنت تخدع الله بهذه الوقاحة، فكم مرّة خدعتني؟! والله لأنتقم منك شرّ انتقام وأخدعك كما فعلت!

في هذه الحكاية دلالات كثيرة، أهمّها:

  • تلوّن هذا الرجل واستغلاله للصلاة من أجل مصلحة، فإذا انقضت مصلحته، تخلّى عن الصلاة.  وفي المجتمع كثيرون مثله، فليس هو حالة منفردة.

  • وقاحته في تزييف للحقيقة، فقد كان يحتاج إلى الصلاةعندما كان مريضاً، وبعد أن شفي، اعتبر أنّ الله كان بحاجة إلى صلاته، ولم يعد كذلك، فيا لسقوطه الإنسانيّ المريع!

  • موقف المرأة الصادم، تجاه احتيال زوجها وغروره. وقد ترك لنا الأديب الباب مفتوحاً لنقدّر نحن كيف ستخدعه، وبأيّ طريقة! وربّما ستجعله يعتقد أنّه كان بحاجة إليها، ولم يعد كذلك الآن.

… نعم إبداع ما بعده إبداع أتحفنا ويتحفنا به الأديب والمفكر والشاعر والكاتب والمؤرّخ والقاصّ والإعلاميّ الأستاذ الدكتور جميل ميلاد الدويهي، الذي تجاوز كبار الأدباء والشعراء والكتّاب، بمخزونه الذي لا ينضب، والذي تعجز وزراة وحتّى دولة عن القيام به، رغم الضائقة المادّيّة. ونحن نتوقَّع أن تُترجَم مؤلّفاته إلى لغات عالميّة في القريب.

***

*أفكار اغترابيّة – النهضة الاغترابيّة الثانية – تعدّد الأنواع.

*تصدر وقائع الجلسة في كتاب يصدر قريباً من أفكار اغترابيّة.

 

اترك رد