السفير التونسي في إطلاق “ملتقى الأدب الوجيز اللبناني التونسي”:

منصة للتبادل الثقافي بين البلدين

وقاطرة للتعاون في المجالات الأخرى

tuniss

أطلقت السفارة التونسية في لبنان، بالتعاون مع ملتقى الادب الوجيز اللبناني – التونسي اعمال الملتقى، في حفل حاشد اقيم للمناسبة في مقر اقامة السفير التونسي في لبنان كريم بو دالي، في الحازمية مارتقلا، وحضره الى السفير بو دالي، ممثل وزير الثقافة محمد داود مستشاره ميشال معيكي، مؤسس الملتقى امين الذيب، ادباء وشعراء ومهتمون.

بودالي

واستهل السفير بودالي اللقاء بكلمة رحب فيها بالحضور وبكل من ساهم في بلورة هذه المبادرة وقال: “ان دعمنا ورعايتنا لهذه المبادرة، ينطلق من حرص تونس على ايلاء الديبلوماسية الثقافية المكانة الجديرة بها في توجهات سياستها الخارجية، باعتبار ان الفعل الثقافي في مختلف تجلياته، يظل رافعة اساسية لنسج علاقات إنسانية قوامها التآخي والتسامح ومد جسور التواصل بين الشعوب والدول واعلاء القيم الجمالية والفنية الراقية في مواجهة الانغلاق وثقافة العنف والتطرف”.

واشار الى ان “تواجدنا جميعا في هذا الاحتفال اليوم هو دلالة قوية ومرآة عاكسة لما يجمع تونس ولبنان من تاريخ موروث حضاري وثقافي مشترك، شكل احد اهم الروافد التي ساهمت في دعم علاقات التعاون القائمة بينهما. والاكيد ان ملتقى الادب الوجيز سشكل منصة للتبادل الثقافي بين البلدين وقاطرة للنهوض بالتعاون في المجالات الأخرى ومحطة مضيئة على درب التواصل بين البلدين والشعبين الشقيقين، نسعى إلى أن تتلوها خطوات اخرى، تزيد من تعزيز الروابط الثقافية بينهما، استنادا الى القواسم المشتركة التي تجمعهما، وبالنظر الى ما تحظى به تونس ولبنان من اشعاع في مجالات الفكر والإبداع والفن”.

معيكي

والقى معيكي كلمة وزير الثقافة وقال: “نحتفل هذه العشية باطلاق اعمال ملتقى الادب الوجيز اللبناني- التونسي. ليس جديدا هذا التناغم بين تونس ولبنان. فالشراكة بين الوطنين طاعنة جذورها في التاريخ. لا احد ينسى قصة الاميرة اليسار ومغامرة ابحارها الى قرطاج وتأسيسها تلك الامبراطورية الهائلة الثراء، والتي نافست ذات قرن عظمة روما وحضارات كثيرة”.

واضاف: “قبل حوالي سنتين احتفلنا سويا بمرور ستين سنة اقامة علاقاتنا الديبلوماسية اضافة الى اتفاق التعاون الثقافي الموقع بين لبنان وتونس في العام 1963. ان ملتقى الادب الوجيز اللبناني – التونسي يشكل احد وجوه التعاون المثمر في علاقات شعبينا التوأمين”.

واشار الى “اننا في وزارة الثقافة ندعم بقوة هذا التشارك والتفاعل الفكري – الادبي، في لحظة تحول كبير في مسار تطور البشرية بفعل العولمة المعلوماتية والتواصل”.

واشار الى “ان طروحات هذا الملتقى في الوجازة يتناغم مع دينامية العصر وايقاعه وينسحب على كل اشكال الابداعات الادبية والفنية والبصرية، والكلام هنا على الشعر والقصة الصغيرة والمسرح والافلام الوثائقية وسواها. والكلام على الشعر كثير وطويل. متفقون جميعا على انتهاء زمن المطولات والمعلقات من عصور بعيدة. ان الآداب عامة والقصيدة – لا بد – تتناغم مع شروط المعاصرة، في مواكبة اليومي، وفي تجسيد التجارب واسئلة الشعراء والكتاب تبعا لايقاعات الزمن وتحولات المدن وأنماط العيش وفي ظني انها بعض وظيفة الادب والادباء!”.

واردف: “كتب يوما المفكر الفرنسي Voltaire “اكتب لكي افعل”، للدلالة على الالتزام العملي بالقضايا الكبرى في حياة الانسان، ولن ندخل في متاهات تصنيف الفن بين ملتزم وحالم او واقعي، لكن الاكيد ان ادابنا والفنون هي تعبيرات وانطباعات عن عبورنا على هذا الكوكب”.

وتابع: “كتب سعيد عقل “الشعر قبض على الدنيا” والقصيدة بتوصيف نزار قباني جسر ممدود على كل الازمنة، وهو بوح انساني على منصة هذا العالم من Virgile الى Dante واليوت وأراغون ومن المتنبي الى درويش وحاوي. تسابيح جمالات ومواقف ورؤى على جبهات العصور”.

وختم معيكي: “باسم وزير الثقافة: فخورون بهذا الملتقى وما يمثل من تناغم وتعاون ادبي الى نهضة توثبية نحو التجديد والتقدم بالترادف مع روحية العولمة بحسناتها والمساوىء. اتمنى لكم التوفيق والنجاح. كل الافتخار بالعلاقات التوأمية التاريخية بين شعبينا التونسي – اللبناني وفي المجالات كافة. وكل الشكر لسعادة السفير كريم بو دالي لجهوده الديبلوماسية والادبية ولاستضافتنا هذه العشية الرائعة. ختاما استعير من نيتشه ” وحده الفن، يجنبنا الموت من وحشة الحقيقة”، عاشت الصداقة التونسية – اللبنانية ووردة للادباء والشعراء”.

الذيب

والقى الذيب كلمة قال فيها: “لا أستطيع أن أتحدث عن ملتقى الأدب الوجيز اللبناني التونسي، إلا ويمثل في وجداني أسم سعادة السفير كريم بودالي، لما قدمه من دعم ورعاية واهتمام وتفهم لهذا المشروع الفكري الثقافي التجاوزي النقدي والتلاقحي بين بلدينا.

عندما كنا في تونس في نهاية شهر آذار الماضي نقيم مؤتمرنا التأسيسي الأول بالإشتراك مع أدباء وشعراء ونقاد ومسرحيين وسينمائيين تونسيين. وصفت الأديبة والشاعرة فتحية الهاشمي، بعد سماعها المحاضرات النقدية، بأن ما يحدث هو ثورة حقيقية في المفاهيم والرؤى، ونحن نسأل هل الأدب الوجيز بمنطلقاته التجاوزية والنقدية حقا ثورة، أم مجرد رمي حجر في المياه الشبه راكدة. لا أعتقد أحدنا ينكر حالة الاستتباب الحاصلة في مجتمعاتنا. قد نتباين في توصيف الحالة، ولكننا لا نستطيع تجاهل أن إلحاح الضرورة الوجودية بات يقتضي حراكا مغايرا مشدودا الى المستقبل بديلا عن استتبابنا في الماضوية التي تعيد صياغة ذاتها، من دون النظر الى ما يحدث حولنا وفي العالم من جموح تطوري، بدل بشكل أو بآخر، نمط الحياة والسلوك والفكر والمفاهيم الانسانية السائدة، هذه الهواجس، إستنبطت فكرة الأدب الوجير لدينا، ونظرنا الى الواقع لنراه مشتتا يحصي كيانات تستنبط ثقافاتها المبعثرة القائمة على الفلسفة الكيانية التي أوجدها الإستعمار ليصيرنا شعوبا متباعدة متنافرة تمزق معينها الحضاري والفكري وتبتدع لها شخصيات محايدة عن النبض الحضاري الجامع والموحد؛ ومن فهمنا أن طاقات المجتمع المجزأة؛ لا يمكن ان تنتج تقدما بقدر ما تكون أسيرة أفكار ومواقف لا تتيح لها إطلاق حيوية نهضوية استنهاضية لتبدل أولوياتها السائدة المرتهنة لصراعات مفتعلة تعيقها عن النضوج والإبداع؛ لكل ذلك ولسواه، نشأ ملتقى الأدب الوجيز اللبناني التونسي، ليشكل في حال بلوغه بعض النجاحات مركز إشعاع تجاوزي نقدي على المشرق والمغرب العربيين؛ آملا أن يستحيل رافعة حيوية لسكوننا المستتب”.

واضاف: “الادب الوجيز حركة حوارية ايضا، نشأت بعد دراسات معمقة، إبتداء بالعصر السومري والملاحم والأساطير وما نجم عنها من مفاهيم ويقينيات إنسانية لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا. لذا نحن بطبيعتنا لسنا حركة الغائية كما يحاول البعض أن يرى، بقدر ما نحن حركة تكاملية تجاوزية تجديدية تنطلق من كل ما سبقها لتبتكر ذاتا تصاعدية رؤيوية تليق بحضارة اسست الفكر والمفاهيم المدنية منذ أكثر من سبعة آلاف سنة، مرتكزة على وجهة نظرها الى الحياة والكون والفن، وتركت لنا ما أنتجته هذه المخيلة الرائدة وهذا الفكر الإستنباطي، فمنذ اليسار التي غادرت صور وبنت قرطاج الى الأدب الوجيز اللبناني التونسي مسار فكري واحد وقضية حضارية انسانية واحدة”.

وختم الذيب: “شكرا لسعادة السفير الذي فتح قلبه قبل بيته؛ شكرا لكافة الأصدقاء الذين شاركونا هذا الإطلاق، وشكرا للذين حالت ظروفهم دوننا، والى اللقاء في ميادين الصراع الفكري القادمة”.

مسيوغة

والقت كلمة رئيسة ملتقى الأدب الوجيز في تونس الأديبة إلهام بو صفارة مسيوغة الدكتورة لارا ملاك وقالت: “نجتمع اليوم في هذه المناسبة المهمة والعزيزة علينا، وهي مناسبة تكرس عملا دؤوبا استمر طوال سنتين، وتتوج نشاط الأدب الوجيز، كما تكون انطلاقة أساسية تدفع بنا نحو تعزيز التعاون الثقافي اللبناني التونسي. ولا بد في هذا الإطار من توجيه شكرنا وتقديرنا لجهود سعادة السفير التونسي السيد كريم بو دالي المؤمن بأهمية هذا التعاون، وتأتي خطوة الإطلاق هذه من منزله الكريم خير دليل على هذا الإيمان الذي نحتاجه وتحتاجه الثقافة العربية من أصحاب السعادة ومن كل داعم.

يسعى الأدب التونسي اليوم إلى الانفتاح الإيجابي على الثقافات الأخرى، رافعا شعار التعدد والتنوع. والتجربة الأدبية العربية واحدة وموحدة رغم اختلاف المجتمعات والتباينات المعرفية والفكرية في العالم اليوم. وبتنا نتفاعل مع مختلف التجارب والأصوات والأجيال المختلفة. ولا يمكن لتونس أن تحقق انفتاحها دون المرور بأهم جسر ثقافي وهو لبنان. فكان الحوار مثمرا بين تونس ولبنان بفضل كل من آمن بنعمة التكامل وبما في التعدد من إثراء. وأولهم مؤسس ملتقى الأدب الوجيز في لبنان وفي تونس والمغرب العربي الأستاذ أمين الذيب. هذا التعدد الذي ضمن تفاعلا جميلا بين تونس ولبنان لفتح آفاق جديدة للمنظومة الثقافية والأدبية المشتركة بينهما. ومن المهم جدا أن نقر أن اللبنانيين يتحلون بطواعية كبيرة للتعاون مع الثقافات الأخرى. ومن المفيد جدا أن تتفاعل تونس مع لبنان الذي يجري فيه عددا كبيرا من النشاطات والمشروعات بالتعاون مع السفارات الأوروبية والعربية والمراكز والمعاهد الأجنبية للأبحاث الشرقية.

والأدب الوجيز حركة أدبية حديثة، أسس لها الأستاذ أمين الذيب من خلال محاضراته النقدية في تونس منذ سنتين، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل استمر عمله الساعي نحو تكريس مفاهيم الأدب الوجيز وتعاون من أجل ذلك مع هيئة إدارية في لبنان، ثم وسع دائرة العمل إلى المغرب العربي حيث تعاونا معه في تأسيسه الملتقى في تونس، وكان المؤتمر التأسيسي الأول في العاصمة التونسية الشهر الفائت. ونحن اليوم هيئة إدارية من أدباء ونقاد تونسيين، نعمل بالتعاون مع هيئة الملتقى في لبنان على استكمال التنظير للأدب الوجيز، وتفعيل النشاطات الأدبية ضمن هذا الأدب، إضافة إلى تفعيل دور النقد.

ونؤكد ضمن هذه الحركة التجديدية أن الأدب كائن حي نام ومتطور يحتاج متابعة واهتماما لرصد خصائصه قصد تطويره وترسيخه كتجربة جديدة تخلص الأدب من الترهل والضوابط الأجناسية الميتة وتدفعنا إلى الانفتاح على الآداب العالمية والنهل منها. فالأدب الوجيز شعرا أو قصة هو “خزان معان” ، على حد عبارة الناقد التونسي البشير الجلجلي. في كلمات معدودات تقوم الشعرية فيها على قوة الصورة والكثافة والإدهاش والمفارقة ويكون دور المتلقي فك شفرات ذلك كله. لذاك حركة الأدب الوجيز، حركة تجديدية تجاوزية تساوي الحياة، وللمتلقي في استمرارها الدور الأهم”.

واردف: “إن وقفنا عند صفة الوجيز فهذه الصفة مطلوبة منذ القديم، وقد تعددت التسميات التي أطلقها النقاد العرب بخاصة على الوجيز ومنها القصير، المختزل، المختصر… فالوزير جعفر بن يحي يحث كتابه على العناية بالإيجاز فيقول: “إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات، فافعلوا ” وهذا ما يثير التساؤلات: فهل الإيجاز يقتصر على معطى الكم أم يتعدى ذلك إلى خصائص أخرى؟ وكيف للإيجاز أن ينتج معاني متكثرة انطلاقا من عدد وجيز من الألفاظ؟

وقد نعني بالإيجاز الاقتصاد اللغوي بالمفهوم الحديث، إذ يعمد المتكلم أثناء الإيجاز إلى التحكم في الوحدات اللغوية المنجزة تأدية لمقصده وذلك كما قال جورج مونان mounin “ببذل المجهود الأدنى في الكلام” الموصل إلى الإبلاغ بعيدا عن إطالة العبارة.

ولا يسلم الأدب الوجيز مما أصاب الفنون الأخرى من استسهال وإسهال فيتراءى لغير الفاهم أنها كتابات وجيزة سهلة الصناعة والإنشاء. لذا يحتاج هذا الأدب الجديد الوجيز أن ينظر له النقد الحديث وأن يواكب هذه الإنتاجات الإبداعية المعاصرة وأن يرسي لها مناهج نقدية عملية”.
واقيم ختاما حفل كوكتيل للمناسبة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: